السبت 24 نوفمبر 2018 07:11 ص

دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي علماء الأزهر لـ«تجديد الخطاب الديني» في خطاب كان أشبه بالتعنيف والزجر قال فيه: «ألا ترون كيف ينظر العالم إلى الإسلام والمسلمين؟ يا ترى سمعة المسلمين إيه في العالم؟».

وكشف السيسي عن سبب سوء سمعة المسلمين ونظرة العالم السيئة للإسلام بتحديده المشكلة وهي «القراءة الخاطئة لأصول ديننا»، معقبا: «إحنا رايحين في اتجاه بعيد قوي».

اتخذت الدعوة لـ«تجديد الخطاب الديني» لدى السيسي مساراً متصاعداً بدأ في كانون الثاني/يناير 2015 خلال احتفال لوزارة الأوقاف والأزهر بالمولد النبوي، وتردد بعدها في مناسبات كثيرة منها كلمته في منتدى دافوس الاقتصادي في الشهر نفسه من ذاك العام (أي أن الرسالة هذه المرة كانت موجهة لذلك العالم «الذي ينظر إلينا نظرة سيئة») قال فيها إنه يريد «تنقية الخطاب الديني من الأفكار التي أدت إلى التطرّف والإرهاب».

وبعد ذلك في كلمة لطلبة الكلية الحربية يطالبهم فيها «بمواجهة الفكر المتطرف بكل قوة» منبها إلى «أن الفكر الخاطئ ليس له مكان على أرض مصر».

وفي لقاء مع دارسين في البرنامج الرئاسي المصري لتأهيل الشباب للقيادة عام 2016 يشير إلى أن مسؤولية التجديد «مشتركة بين الدولة والمجتمع»، ثم في مؤتمر للشباب بشرم الشيخ في العام نفسه وطالب فيه «بوضع أسس سليمة لتصويب الخطاب الديني في إطار الحفاظ على الهوية المصرية».

شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب (ومؤسسة الأزهر من ورائه) وجد نفسه هدفاً لهجمات شرسة من قبل ساسة وبرلمانيين وإعلاميين مناصرين للسيسي، لتحقيق أحلام الرئيس «المجدّد».

أما ما هو هذا «التجديد» المنوط به، وكيف سيساهم في تصحيح «القراءة الخاطئة لأصول ديننا» ويبدّد السمعة السيئة للمسلمين والإسلام فهذا أمر غامض حقّاً إضافة إلى كونه ذهابا «في اتجاه بعيد قوي» عن أسباب الأزمات الحقيقية التي تعاني منها مصر ودول الإسلام والمسلمين.

بعض الهجمات الإعلامية والسياسية تحرّض باتجاه فصل القرآن عن السنّة النبوية، أما خطابات السيسي فتتحدث عن «تنقية الخطاب الديني» ما يفهم منه الطلب من الأزهر وقف اعتماده بعض كتب الأحاديث النبويّة (كصحيح البخاري مثلا)، أو «تنقيح» ما فيها من أحاديث قد تستخدم في فتاوى الجهاد أو محاربة الحاكم الظالم (مثلا)!

فيما يوجّه خطابه لطلبة الكلية الحربية نحو «مواجهة الفكر المتطرّف بقوة»، وهو ما يُترجم ضمن سياسات النظام المصري الأمنية لاجتثاث «الإخوان المسلمين»، أما خطابه لمؤتمر الشباب فيفهم كتوجيه ضد العنف الطائفيّ.

«الفريضة الغائبة» في كل هذه الخطابات المتناقضة هي توجيه الأنظار بعيداً عن أسّ المعضلات الحقيقية في مصر وهي قضية الاستبداد وما يتفرّع عنه من انتهاكات عظمى تطال المسلمين وغير المسلمين في مصر، وقضية إرهاب الدولة الذي هو أب كل أشكال الإرهاب والتطرف.

بتركيزه الهجوم على الأزهر، الذي ليس مسؤولا عن الأمن والتعليم والصحة والتنمية، يزيح السيسي ومناصروه مسؤولية «الإساءة إلى سمعة الإسلام والمسلمين» عنهم ويضعونها على مؤسسة تعليمية وعلى كتب موجودة منذ 1200 عام، أو على تنظيمات كـ«الإخوان»، الذين ما زالوا يتعرّضون لحملات القمع والبطش منذ خمسينيات القرن الماضي.

وبدلاً من العمل على احتوائهم ضمن النظام السياسي والسماح لهم بالعمل الديمقراطي والمدني، قامت دولة السيسي العسكرية ـ الأمنية بزج قياداتهم وأعضائهم في السجون، وهو ما أغلق الباب على الحراك المدني والسياسي وفتح الباب لتنظيمات الإرهاب المضاد لإرهاب الدولة كتنظيم «الدولة الإسلامية» ونظائره.

مفروغ منه أن أتباع «الطريقة السيساويّة» المتحمسين هم ضباط الجيش والأمن المستفيدون من النظام، والساسة الذين يعتاشون على «الميري» (رواتب الدولة ووظائفها)، والإعلاميون الكذبة الذين يعرفون الحقيقة ولكنّهم يحرصون على تجهيل الناس، مدّعين «تنويرهم» بالدعوة إلى «تجديد الفكر الديني»

بينما المشكلة هي كنس نظام الاستبداد وفتح الباب للديمقراطية وعندها سيتكفّل المسلمون أنفسهم بـ«تجديد» فكرهم الديني وليس بقرارات الرئيس.

المصدر | القدس العربي