الثلاثاء 9 يوليو 2019 08:46 م

ربما يرتبط "رودي (رودولف) جولياني" بسحر ما مع السلطة. فمنذ ترك منصب رئيس بلدية نيويورك عام 2001، وجد المحامي الأمريكي عملا يشمل تقديم المشورة أو تمثيل الحكومات المتشددة ورجال الأعمال الأثرياء الذين يعملون على هامش القانون. وفي أبريل/نيسان 2018، أصبح محاميا شخصيا ومستشارا مقربا لصديقه القديم، الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

والآن، أضاف "جولياني" البحرين إلى قائمته، وهي مملكة صغيرة في الخليج العربي تشتهر بانتهاكاتها لحقوق الإنسان. وفي 10 مايو/أيار، أكد لصحيفة "ديلي بيست" أن شركته الاستشارية، "جولياني سيكيوريتي آند سيفتي"، وقعت عقدا مع وزارة الداخلية في البحرين "للقيام باستشارات أمنية للإمارة، مع التركيز بشكل خاص على الأعمال التي يشتبه أن إرهابيين قد ارتكبوها".

وتعد البحرين، وهي جزيرة أصغر من مدينة نيويورك، موطن الأسطول الخامس الحيوي للبحرية الأمريكية، مما يمنح المملكة الجزرية علاقة مفضلة مع الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، اتهمتها وزارة الخارجية الأمريكية بارتكاب انتهاكات جسيمة، بما في ذلك التعذيب والاحتجاز التعسفي وإلغاء الجنسية والرقابة المشددة وحظر أحزاب المعارضة السياسية.

ومع ذلك، يحذر المدافعون عن حقوق الإنسان من أن تقارير وزارة الخارجية الأمريكية تغفل بعض الانتهاكات البحرينية، وأنها "مجرد كلمات بلا فعل". ووفقا لهم، تعترف وزارة الخارجية بالقمع، لكنها تختار تجاهله استراتيجيا. ولا تعد البحرين غريبة عن ممارسة الضغط في واشنطن، فهي تريد الاحتفاظ بموقف واشنطن على هذا النحو.

الوصول إلى ترامب

وليس غريبا أن تنظر الحكومات الأجنبية إلى توظيف "جولياني" كوسيلة لكسب تأييد سريع من قبل إدارة "ترامب". فقد مثل "جولياني" الرئيس في التحقيق الذي أجراه المستشار الخاص "روبرت مولر" حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ولكن لأنه يعمل كمحامي لـ "ترامب" المواطن، وليس "ترامب" الرئيس، فمن المفترض أن يتمكن "جولياني" من تجنب قواعد أخلاقيات الحكومة التي تمنع الموظفين الفيدراليين من العمل في دول أجنبية.

وبسبب قربه من "ترامب"، وشبكة نفوذه غير التقليدية التي تبلورت حول الرئيس، فقد وضع ذلك عقد "جولياني" مع البحرين في منطقة رمادية.

ومثل خطاب "ترامب"، غالبا ما يتناقض خطاب "جولياني" حول شعار "أمريكا أولا" مع مساعيه الخاصة في مجال الأعمال، التي كانت في الغالب انتهازية ومشبوهة أخلاقيا، واستفاد فيها من عدم الاستقرار والعنف في الخارج.

وحققت شركته الأمنية، "جولياني سيكيوريتي آند سيفتي"، معظم أموالها في الخارج من خلال العمل في بلدان بها حكومات بنت نفسها اعتمادا على الجريمة أو حكومات يمينية متشددة مثل هندوراس والسلفادور والبرازيل أو في دول تستخدم القوة في سحق المعارضة، مثل البحرين الآن. وفي العام الماضي، بدا أن "جولياني" يبرم عقودا مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي كانت تواجه عقوبات محتملة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان والفساد.

ووفقا لموقعها على الإنترنت، تقدم شركة "جولياني" استشارات في مجال مكافحة الإرهاب وإصلاح العدالة الجنائية واحتياجات الأممن. وكما أوضحت مجلة "ذا نيشن"، "كلما زاد التهديد أو عدم الاستقرار، زادت فرص جولياني".

وكان المؤسس المشارك للشركة، وهو مفوض الشرطة خلال فترة ولاية "جولياني" كرئيس بلدية، "برنارد كيرك"، قد تم سجنه عام 2010 ووجهت له ثمان تهم، بما في ذلك الاحتيال الضريبي والحصول على المال من الشركات التابعة للمافيا.

وإلى جانب صلاته رفيعة المستوى، يبدو أن عملاء "جولياني" ينجذبون إلى مقاربته العقابية تجاه الجريمة. ويبني "جولياني" معظم أعماله على تفاخره بأن الجريمة في مدينة نيويورك قد انخفضت بشكل ملحوظ خلال فترة عمله كعمدة، على الرغم من أن الانخفاض لم يكن على الأرجح نتيجة مباشرة لسياساته.

وسعى "جولياني" إلى الحد من جرائم العنف من خلال قمع الجرائم البسيطة. ووفقا لسياساته، قد يؤدي الرسم أو الكتابة على الجدران إلى دخول المراهقين إلى السجن، ويمكن للضباط أن يوقفوا الناس بشكل تعسفي و يفتشونهم في الشوارع. وقد تم الحكم على هذا التكتيك الأخير، الذي تم تطبيقه بشكل غير متناسب على السود واللاتينيين في نيويورك، لاحقا بأنه غير دستوري.

صداقة البحرين

ووفقا لصحيفة "نيويورك تايمز"، كان "جولياني" يبذل جهودا متضافرة في أواخر عام 2018 - بينما كان يدافع عن "ترامب" أمام تحقيق "مولر" - للفوز بعقود مع الحكومات الأجنبية.

وبدأت المحادثات بين "جولياني" ومملكة البحرين في خريف عام 2018. وفي ديسمبر/كانون الأول، زار "جولياني" ملك البحرين، "حمد بن عيسى آل خليفة"، في قصره بالمنامة. ووصفت الأخبار الحكومية البحرينية "جولياني" بأنه "يقود وفدا رفيع المستوى"، وذكرت أنه والملك ناقشا العلاقات بين البحرينيين والأمريكيين.

وفي الواقع، لم يكن "جولياني" هناك كممثل رسمي للحكومة الأمريكية، ولكن كمدير تنفيذي لشركة "جولياني سيكيوريتي آند سيفتي". وكانت الشركة قد أقامت شراكة مع المملكة الخليجية "لتدريب قوات الأمن في البلاد على منع الهجمات الإرهابية وحماية محطات تحلية المياه"، معتبرة الحماية من أنشطة الوكلاء الإيرانيين الهدف الرئيسي للتدريب.

وتعد قوات الأمن البحرينية مسؤولة عن انتهاكات وحشية لحقوق الإنسان، وتستهدف المعارضين السياسيين من الأقلية الشيعية، الذين تصفهم المملكة في الغالب بأنهم إرهابيون تدعمهم إيران. وقال "جولياني" إن "أفضل رد على الجماعات والعصابات الإرهابية هو مواجهتها". وقال عن البحرين: "أعتقد في الواقع أنها واحدة من أفضل دول الخليج في مجال حقوق الإنسان"، مشيرا إلى المعدل المرتفع نسبيا لتمثيل النساء في الحكومة.

وتدفع المملكة حاليا لست شركات ضغط أمريكية تعمل من أجل مصالحها السياسية وصياغة صورتها العامة في واشنطن. وقال "جولياني" إن صفقة شركته أبرمها "روبرت ستريك"، مستشار حملة "ترامب"، الذي تعمل شركة الضغط التابعة له لمصلحة البحرين. وأصر "جوليانى" على أن عقده الجديد لا يتضمن الضغط أو "إسداء المشورة السياسية"، وأنه لم يناقش العقد مع "ترامب" أو إدارته.

رعاية مستترة

وقال "بريندان فيشر"، من "مركز الحملات القانونية"، لصحيفة "ديلي بيست": "يتقاضى جولياني راتبا من حكومة أجنبية قمعية، بينما يتصرف كمحامي ومستشار شخصي للرئيس. يبدو هذا سيئا للغاية. من السهل أن نتخيل أن الحكومة البحرينية تتوقع أن إعطاء المال لمستشار مقرب للرئيس سيساعد البحرين على تعزيز مصالحها داخل البيت الأبيض".

وتعزز المصالح المستترة وراء العقد فكرة أن أسلوب "ترامب" في الحكم يعيد تعريف المعايير السياسية الأمريكية تجاه الدول الاستبدادية، كما يعزز الفكرة القائلة أن أفراد أسرة ترامب وأصدقاءه المخلصون أكثر تأثيرا من المسؤولين المنتخبين علنا. ويؤكد رئيس البلدية السابق، الذي يمثل الرئيس "ترامب" رسميا هذا الوضع.

المصدر | إنسايد أرابيا