السبت 20 يوليو 2019 04:57 م

محررو فلسطين: رجال الأعمال ورجال الشرطة

لا تمنح «الصفقة» السلطة الفلسطينية سوى دور واحد، وهو الدور ذاته الذي منحته «اتفاقية أوسلو» لـ«منظمة التحرير».

الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي قتلت وسجنت فلسطينيين منذ ١٩٩٤ أثبتت أنها مدرّبة بشكل ممتاز وتحظى بثقة الأميركيين وإشادتهم!

كيف تحوّل نضال الفلسطينيين للتحرر من الاستعمار إلى نضال لتمكين رجال الأعمال الفلسطينيين ورجال الشرطة الفلسطينية الذين يقومون بحمايتهم وبحماية الاحتلال؟

*     *     *

تُعلّمنا «صفقة قرن» دونالد ترامب بأنه لن يستطيع أحد تحرير فلسطين والفلسطينيين من مأساتهم الراهنة إلا رجال الأعمال ورجال الشرطة الفلسطينيون. فكيف تحوّل نضال الفلسطينيين الذي بدأ منذ أكثر من قرن للتحرر من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني إلى نضال من أجل تمكين رجال الأعمال الفلسطينيين ورجال الشرطة الفلسطينية الذين يقومون بحمايتهم وبحماية الاحتلال الإسرائيلي؟

بداية القصة كانت في أوسلو. حيث تمثّل النصر المبين الذي حققته إسرائيل عندما وقّعت «اتفاقية أوسلو» مع «منظمة التحرير الفلسطينية» عام ١٩٩٣ بإلزام «منظمة التحرير» بنقل جميع علاقاتها المستقبلية مع إسرائيل إلى كيان جديد أسمته «السلطة الوطنية الفلسطينية».

وعبر عملية النقل هذه، تم اختزال المنظمة التي كانت تمثل كل الفلسطينيين – في إسرائيل وفي المهجر وفي الضفة الغربية وغزة – إلى «السلطة الفلسطينية» التي تزعم تمثيل فلسطينيي الضفة وغزة فقط (وقد منعتها إسرائيل حتى من تمثيل فلسطينيي القدس الشرقية).

وقد تمّ فعليّاً حلّ «منظمة التحرير» وتم استبعاد ثلثي الشعب الفلسطيني، ليصبح مختزلاً في فلسطينيي الضفة وغزة فقط. في المقابل اعترفت السلطة الفلسطينية بـ«حق إسرائيل بالوجود في سلام وأمان»، وهو حق، بحسب زعم إسرائيل، يجعلها دولة كل يهود العالم.

هكذا ضاعفت إسرائيل شعبها إلى ثلاثة أضعاف بزعمها بأن كلّ يهود العالم الذين يعيشون خارج إسرائيل هم في الحقيقة إسرائيليون. وهكذا اختزل الفلسطينيون إلى ثلث عددهم الحقيقي بينما تضاعف عدد يهود إسرائيل ثلاث مرات.

إضافة إلى هذا، قامت «اتفاقية أوسلو» بربط عدد كبير من فلسطينيي الضفة وغزة بعملية أوسلو على كلّ مستوى عبر تشكيلها عدة طبقات مرتبطة مالياً بشكل غير قابل للفصم بـ«عملية السلام» التي دشنتها أوسلو.

هكذا ضمنت المعاهدة بأنه لن يكون بمقدور هذه الطبقات إلا أن تساندها. فأحد أهم أهداف معاهدة أوسلو كان تسريح الشعب الفلسطيني الذي تمت تعبئته أثناء الانتفاضة الأولى من خلال وأد الانتفاضة عبر القمع تارة وعبر احتواء نشطائها ومثقفيها الأهم داخل بعض هذه الطبقات تارة أخرى. وتشمل هذه الطبقات:

1. طبقة سياسية لتسيير السلطة الفلسطينية يتكون معظمها من كوادر «منظمة التحرير» من داخل وخارج فلسطين.

2. طبقة بيروقراط لإدارة السكان تحت حكم «السلطة» تتكون من طاقم من المحليين ومن العائدين.

3. طبقة أمنية لقمع المقاومة الفلسطينية المناوئة لإسرائيل ولـ«معاهدة أوسلو» تتكون من فدائيين سابقين تحولوا إلى مرتزقة في خدمة إسرائيل تمولهم وتدربهم الولايات المتحدة والأوروبيون.

4. طبقة موظفي المنظمات غير الحكومية التي أنشأها الأميركيون والأوروبيون تتكون من النشطاء السياسيين السابقين والمثقفين الذين شاركوا في الانتفاضة الأولى.

5. وطبقة رجال الأعمال – الذين عادوا من المنفى للتربح من «عملية السلام» ومن شعبهم، إضافة إلى رجال الأعمال الذين كانوا مقيمين في الضفة وغزة وكانوا يتربحون تحت الاحتلال قبل عملية أوسلو.

وحيث أنه تم توقيع «اتفاقية أوسلو» في أوج هيمنة النظام النيوليبرالي الدولي، فقد كان هدف تسهيل تربح رجال الأعمال الفلسطينيين (وهنالك عدة برامج لـ «تمكين» النساء الفلسطينيات كي يصبحن سيدات أعمال) وربط الانتلجنسيا الفلسطينية بالمنظمات غير الحكومية هو ضمان جهاز إداري هزيل نسبياً داخل السلطة وجهاز أمني سمين وممتد لقمع أي مقاومة لهذه المنظومة.

وبينما لم يقم الإسرائيليون في أوسلو بأكثر من الاعتراف بـ«المنظمة» كممثل للشعب الفلسطيني، حيث أنهم لم يعدوا البتة بالسماح للفلسطينيين بإقامة دولة أو بالانسحاب من الأراضي المحتلة أو بالتوقف عن بناء المستوطنات، ناهيك عن تفكيك المستوطنات القائمة، أو بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير، فقد كان الدور المنوط بالسلطة الفلسطينية كمساعد ونائب للاحتلال هو وضع حدٍّ نهائي للانتفاضة وقمع أيّ مظهر من مظاهر المقاومة المستقبلية للإسرائيليين.

ورغم أن الطبقة السياسية واصلت اعتناق الأوهام بأنها ستحصل في نهاية المسار على دولة بانتوستان (كالتي أقامها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا للسود قبل سقوطه) كانوا سيتظاهرون لو حصلوا عليها بأنها دولة حقيقية كي يتمكنوا من الإبقاء على أي نفوذ قد تسمح لهم إسرائيل به، فلم يكن عند الإسرائيليين أية نية بمنحهم كياناً كهذا.

فبعد أن انتهت مهمتها كسلطة انتقالية بقمع مقاومة الشعب الفلسطيني لإسرائيل عبر تنسيقها الأمني، وهي المهمة المركزية للسلطة التي وصفها محمود عباس بـ«المقدسة»، يشعر دونالد ترامب وإسرائيل اليوم بأن السلطة قد استنفدت دورها ولم يعد لها حاجة.

في هذا السياق أتتنا «صفقة القرن». لا تمنح «الصفقة» السلطة الفلسطينية سوى دور واحد، وهو الدور ذاته الذي منحته «اتفاقية أوسلو» لـ«منظمة التحرير»، والذي يتلخص بضرورة قبول «السلطة» بالصفقة وتسليم سلطاتها لرجال الأعمال الفلسطينيين (والعرب والأجانب) - وإلى سيدات الأعمال وإن كان نصيبهن أقل بكثير - وأن تحلّ طبقتها السياسية وتسلّم كل سلطاتها إلى أجهزتها الأمنية.

فهدف «الصفقة»، شأنه شأن هدف «اتفاقية أوسلو» التي تشكل «صفقة القرن» مرحلتها الأخيرة، هو أن كل ما يحتاج له الشعب الفلسطيني في كل مكان هو رجال الأعمال ورجال الشرطة وليس إنهاء الاستعمار الاستيطاني والاحتلال الإسرائيلي.

أما الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي قامت بقتل وسجن الفلسطينيين منذ عام ١٩٩٤، فقد أثبتت بأنها مدرّبة بشكل ممتاز وبأنها تحظى بثقة الأميركيين وإشادتهم.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر عام ١٩٩٤، فور دخولها قطاع غزة، قامت شرطة ياسر عرفات بقتل أكثر من ثلاثة عشر متظاهراً فلسطينياً وجرح مئتين لأنهم تجرؤوا على التظاهر ضد «معاهدة أوسلو».

وفي أثناء زيارته لغزة في عام ١٩٩٥، أثنى نائب الرئيس الأميركي آل غور على عرفات لتشكيل الأخير محاكم عسكرية لمحاكمة كل من تسوّل له نفسه من الفلسطينيين الاعتراض على اتفاقية «أوسلو».

وبينما قامت «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» (سي آي إيه) بتدريب أجهزة أمن السلطة سرًا في البدء، إلا أن برامج التدريب الأميركية ما لبثت أن خرجت إلى العلن فيما بعد.

فقد قام الفريق كيث دايتون الذي خدم كمنسق الأمن الأميركي لدى السلطة منذ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٥ وحتى تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٠ بالإشراف على تدريبهم وعلى الانقلاب الذي قاموا به في عام ٢٠٠٧ لإزاحة حكومة حماس المنتخبة - انقلاب فشل في غزة ونجح في الضفة.

وقبل وصوله إلى الضفة، كان دايتون منشغلاً بالمشاركة في الحرب الأميركية على الشعب العراقي في عام ٢٠٠٣. وقد خلفه الفريق مايكل مولر الذي خدم حتى عام ٢٠١٢ وخلفه بعد ذلك المشرف الحالي اللواء البحري بول بوشونغ.

فيما قام الاتحاد الأوروبي بتمويل وتدريب شرطة السلطة لذات المهمات عبر مكتب الاتحاد الأوروبي للتنسيق الشرطي لدعم الشرطة الفلسطينية (أو ما يسمى بـ «يوبول كوبس» EUPOL COPPS) منذ ٢٠٠٦.

وقد أثبتت شرطة «السلطة» بأنها تمثل إنجازاً إسرائيلياً باهراً وأنها تستحق نظير نجاحها في قمع معظم عمليات المقاومة الفلسطينية ضد جيش الاحتلال عبارات الامتنان الإسرائيلية.

وحتى بعد أن قامت الطبقة السياسية في السلطة الفلسطينية بتعليق علاقاتها مع الولايات المتحدة في كانون الثاني/ديسمبر ٢٠١٧، استمر تواصل رؤساء أمن السلطة مع وكالة الاستخبارات الأميركية كما استمرت زياراتهم إلى واشنطن.

وبعد أن أوقفت الحكومة الأميركية مساعداتها المالية للطبقة السياسية والبيروقراطية في السلطة الفلسطينية في شباط/فبراير الماضي (نتيجة خوف السلطة من المقاضاة القانونية في محاكم أميركية من قبل اللوبي الصهيوني)، استمرت المحاولات الأميركية لإمداد الأجهزة الأمنية بالتمويل (الذي بلغت قيمته منذ ٢٠٠٧ فقط حتى الآن ٨٥٠ مليون دولار).

أما طبقة رجال الأعمال، التي كان لها دور رئيس في إقناع ياسر عرفات بالتوقيع على «اتفاقية أوسلو» في عام ١٩٩٣، فتواصل تنسيق نشاطاتها التجارية مع الإسرائيليين. فإذا كانت طبقة رجال الأعمال والمثقفين الفلسطينيين الذين يدعمونها هم من وعد الشعب الفلسطيني بأن عملية السلام ستحوّل الأراضي المحتلة إلى سنغافورة، فإن جارد كوشنر اليوم هو من يلقي الوعود بذلك عبر صفقته.

في خضم التحضير لمؤتمر «صفقة القرن» في البحرين، تم الكشف على موقع «وللا» الإسرائيلي بأن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي كان قد اجتمع قبل شهرين مع المليونير الفلسطيني بشار المصري في رام الله لمناقشة الوضع الاقتصادي الراهن في الضفة.

ويحتفي الإسرائيليون بملياردير فلسطيني آخر، له استثمارات كبيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، على أنه اللورد «روتشيلد» الفلسطيني.

أما رفض السلطة الفلسطينية حضور مؤتمر البحرين قبل أسبوعين فلم يكن عملاً بطولياً، بل لم يكن سوى محاولة للحفاظ على النفس. فبما أن «السلطة» تعي بأن هدف «صفقة القرن» هو إجبار «السلطة» على حلّ الطبقة السياسية التي تسيطر عليها، فقد قرر رجال «السلطة» عدم المشاركة.

وحيث حضر بعض رجال الأعمال الفلسطينيين مؤتمر البحرين (قامت شرطة «السلطة» بتوقيف أحدهم هو صلاح أبو ميالة بعد عودته إلى الضفة ومن ثم أطلقت سراحه)، إلا أن أغلبيتهم فضّلت عدم المشاركة في المؤتمر تضامناً مع طبقة «السلطة» السياسية.

مع ذلك، فطبقة «السلطة» السياسية تعي جيداً بأنه في حال نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في فرض «صفقة القرن»، فإن رجال الأعمال وأجهزة الأمن الفلسطينية على الأغلب لن يتوانوا عن التضحية بالطبقة السياسية وبالتقدم لـ«تحرير» فلسطين عبر ملء جيوبهم بعوائد النصر وقمع باقي الشعب الفلسطيني دون هوادة.

* أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك، صدر له حديثاً كتاب «الإسلام في الليبرالية» عن جداول للنشر، بيروت (٢٠١٨) وكتاب «آثار استعمارية: تشكّل الهوية الوطنية في الأردن» عن دار مدارات، القاهرة (٢٠١٩)

المصدر | الأخبار البيروتية