الأحد 21 يوليو 2019 10:06 م

البيان التهديدي لوزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت الذي بحسبه ستكون هناك "تداعيات خطيرة" لاحتجاز ناقلة النفط البريطانية من قبل إيران في يوم الجمعة، أثار على الفور التقديرات بأن بريطانيا وليس الولايات المتحدة ستكون هي رأس السهم في العملية العسكرية ضد حرس الثورة. ولكن هانت سارع الى التوضيح بأن بلاده لا تبحث عن خيار عسكري بل عن حل سياسي. ومن بريطانيا التي لها علاقات دبلوماسية كاملة مع طهران والتي تتمسك بالاتفاق النووي لن تأتي البشرى للباحثين عن الحرب ضد إيران.

واشنطن ايضا لا تسارع الى تسليح طائراتها وتوجيه صواريخها استعدادا لعملية عسكرية، التي يمكن أن تقود المنطقة الى حرب شاملة. الى جانب التهديدات والتحذيرات التي يرسلها ترامب، فهو ايضا صادق في الاسبوع الماضي للسناتور الجمهوري ران بول بالالتقاء مع وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف في نيويورك لايجاد مسار نجاة من الازمة في الخليج. إيران تتبع استراتيجية مشابهة، من جهة هي تهدد حرية الملاحة في الخليج الفارسي وتحذر من أن أي هجوم عسكري ضدها سيرد عليه بهجوم مضاد مصمم، لكن في نفس الوقت، ظريف اعلن أن بلاده ستكون مستعدة لاضافة ملحق للاتفاق النووي تتعهد فيه إيران بالسماح لرقابة مشددة واكثر شمولية على منشآتها النووية اذا تم رفع العقوبات عنها.

ظريف لا يعبر عما يدور في قلبه: هو يعرض موقف إيراني رسمي يمكن أن يشكل نقطة بداية للمفاوضات، حتى لو كان هذا الموقف غير مقبول في هذه الاثناء على واشنطن. اهميته الاساسية هي أنه خلافا للتصريحات الثابتة للزعيم الاعلم علي خامنئي التي رفض فيها حتى الآن أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، فانه يسمح الآن بسحب القليل من الخيط من داخل الشرنقة المتشابكة لفحص رد واشنطن.

في السابق أثبت خامنئي أنه في وقت الازمة هو يميل لتبني سياسة "المرونة البطولية" التي اخترعها من اجل تبرير المفاوضات حول الاتفاق النووي. في العام 2002 سمح للرئيس في حينه محمد خاتمي بالاتصال مع الرئيس الامريكي جورج بوش وأن يعرض عليه مفاوضات بشأن المشروع النووي مقابل تعهد بأن لا تقوم واشنطن بشن هجوم. بوش لم يرد على رسالة خاتمي، وإيران التي وافقت في حينه بصورة احادية الجانب على تجميد المشروع النووي، أعادت البرنامج الى كامل نشاطه. بعد اربع سنوات ارسل الرئيس محمد احمدي نجاد رسالة لبوش دعاه فيها لاجراء حوار حول "شؤون العالم" وحول ادارة الازمات في العالم. في العام 2008 ارسل احمدي نجاد للرئيس باراك اوباما هنأه فيها على فوزه في الانتخابات، وهي الرسالة الاولى من نوعها من رئيس إيراني، ومرة اخرى دعاه لاجراء حوار حول شؤون العالم.

في هذا الاسبوع نشرت "نيويورك تايمز" مقابلة مطولة اجرتها مع محمود احمدي نجاد، الذي منذ 2018 لا يشغل أي منصب حكومي رسمي، لكنه بقي مقرب جدا من حرس الثورة ويحتفظ بعدد كبير من مؤيديه في اوساط المحافظين. احمدي نجاد الذي ما زال لم يتنازل عن نيته التنافس على منصب الرئيس قال إن ترامب هو رجل اعمال، لذلك هو يستطيع حساب التكلفة – الربح وأن يتخذ قرارات وفق ذلك. إيران حسب اقواله تقول لرئيس الولايات المتحدة: "هيا نحسب الربح والخسارة على المدى البعيد لدولتينا، وأن لا نكون قصيري النظر".

مشكوك فيه اذا كان احمدي نجاد قد أخذ تصريح من خامنئي لاجراء هذه المقابلة. في السابق لم يتردد في الوقوف امام خامنئي، وحتى انتقاد طريقة ادارة الدولة. ولكن اقواله يمكن أن تعكس مواقف جهات محافظة كبيرة اخرى. حسين علائي، الذي شغل في السابق منصب قائد حرس الثورة قال إنه "يجب علينا استخدام ميكانيزم المفاوضات وعدم التنازل عن المحادثات". في حين أن رئيس لجنة الامن القومي في البرلمان الإيراني، مجتبى زولنر، اعلن أن "إيران لا تهرب من المحادثات ومسار المفاوضات بقي مفتوحا". في السابق كان زولنر من المحافظين الراديكاليين، ومن المعارضين الاشداء للولايات المتحدة وللاتفاق النووي. ومؤخرا حتى هدد بأن إيران ستعمل بصورة بتصميم وشدة ضد أي محاولة للمس بها، وأنها تستطيع تصفية اسرائيل في نصف ساعة.

من الصعب التقدير اذا كانت هذه التصريحات التي تخلق عامل مشترك بين ظريف، الذي درس في الغرب والذي يعتبر من الاصلاحيين، وبين عدد من المحافظين الراديكاليين، تشير الى الخلافات في اوساط المحافظين أو أنها تشكل رسم لسياسة جديدة ازاء الضغوط التي تتعرض لها إيران. ولكن عندما يستل الخطاب العام في إيران مفهوم "اتصالات مع الولايات المتحدة" من درج الممنوعات التامة، يمكن التقدير بالحذر المطلوب أن مسار المفاوضات ليس فقط سيفتح، بل حتى سيعطي نتائج تهديء المنطقة. وتأييد ذلك يمكن أن نجده في الجانب الامريكي، حيث يقف ترامب امام مشرعين مصممين يحاولون تقييد قدرته على شن حرب "غير مشروعة" ضد إيران. في التصويت في مجلس النواب على تشريع استهدف حصر صلاحيات الرئيس أيد معظم الديمقراطيين و27 من الجمهوريين. ترامب يستطيع حقا التمسك باسباب امنية وبتهديد على المصالح القومية الامريكية لتجاوز هذه التقييدات، ولكن بعد أن تجاوز حظر الكونغرس لبيع السلاح للسعودية بأمر رئاسي يمكن أن يجد نفسه أمام تشريع اكثر اثقالا وخنقا.

ورغم ذلك، مناورات شد الحبل بين واشنطن وطهران بدأت في عبور خط التوازن. صحيح أن الاجمال التكتيكي ما زال لا يقتضي حرب: ضرب الناقلات الاربعة في الخليج – حيث لا يوجد أي دليل على أن إيران هي المسؤولة عن هذه الضربات – اسقاط الطائرة الامريكية بدون طيار، اسقاط تم نفيه لطائرة إيرانية بدون طيار واحتجاز ناقلة نفط بريطانية، هي ذرائع ضعيفة جدا رغم الضرر الاقتصادي الذي تسببه لتجارة النفط في الخليج. ولكن حيث تنوي الولايات المتحدة للمرة الاولى بعد 16 سنة نشر قوات في السعودية (بمصادقة السعودية) وحيث ترامب ينوي ارسال سرب من طائرات اف22 الى الخليج مع ألف جندي – ليس فقط سياسة الانفكاك الامريكية عن منطقة قتال تأخذ منحى جديد، بل ايضا خطر أن يتحول شد الحبل الى تبادل للكمات اصبح اكثر واقعية.

المصدر | هآرتس