الأحد 22 سبتمبر 2019 11:03 ص
  • تتعامل أنقرة مع أميركا وروسيا لكن ما الذي يُحدّد معالم هذا المثلّث الغادر؟
  • تمكنت أنقرة من الحفاظ على توازن صعب بين قوتَين تملكان مشاريع متعارضة!
  • تصورات حكومة تركيا حيال التهديدات تُرجح أنها قد تفضّل موسكو لو اضطُرَّت للاختيار بين أميركا وروسيا.
  • تحتاج تركيا لأميركا والاتحاد الأوروبي لإرساء ثقل موازن لروسيا في سورية وتحتاج روسيا للضغط على أميركا. هل سيدوم هذا التوازن؟

*     *     *

تسعى تركيا، منذ اندلاع الصراع السوري، للتوصل إلى ترتيبات دبلوماسية هناك مع روسيا والولايات المتحدة على السواء. وفي حين يتطلب ذلك توازناً صعباً بين قوتَين تملكان مشاريع متعارضة، تمكنت أنقرة من الحفاظ على هذا التوازن، وإن كانت التصورات حيال التهديدات داخل الحكومة تُشير إلى أن تركيا قد تفضّل موسكو إذا اضطُرَّت إلى الاختيار بين الاثنتَين.

والسبب هو أن المسؤولين الأتراك يعتبرون أن الممارسات الأميركية في سورية تهدّد الأمن الداخلي التركي. فواشنطن تدعم وحدات حماية الشعب التي تتألف بصورة أساسية من الأكراد في سورية. لكن تركيا تنظر إليها كامتداد لحزب العمال الكردستاني المتشدد، الذي تصنّفه أنقرة وأميركا والاتحاد الأوروبي تنظيما إرهابيا.

في المقابل، لم تشكّل الممارسات الروسية، حتى تاريخه، تهديداً أمنياً داخلياً، حتى لو اختلفت تركيا وروسيا حول مستقبل سورية ودعمتا أفرقاء متخاصمين هناك. ويبدو أن للجانبَين سجلاً مثبتاً من الإنجازات التي حققاها من خلال التعاون معاً في سورية.

فبالنسبة إلى تركيا، يساعدها انخراطها مع روسيا في تحقيق أهدافها السياسية، في حين أن تعاملها مع أميركا جلبَ لها الإحباط والخيبة.

وقد ألمح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً إلى أن بلاده تعتبر أن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها مع أميركا لإنشاء منطقة آمنة في المنطقة الحدودية شمال شرق سورية لمنع الأكراد من التسلل، لم تلقَ طريقها نحو التنفيذ.

وفي 15 سبتمبر/أيلول، صرّح أردوغان في قمةٍ عُقِدت في تركيا مع نظيرَيه الروسي والإيراني أن بلاده ستتصرف أحادياً في حال عدم إنشاء المنطقة الآمنة.

وكانت الولايات المتحدة وتركيا قد اتفقتا سابقاً على إنشاء مركز عمليات مشتركة خاص بالمنطقة الآمنة، لكن النظرة السائدة في هذا الصدد هي أن الاتفاق لم يكن ليبصر النور لولا الضغوط التركية.

وقد رسم التعامل التركي مع روسيا معالم ساحة المعركة في شمال سورية، وحدّد أطر مفاوضات فض النزاع من خلال عملية أستانة، حيث تُعتبَر تركيا شريكاً لا غنى عنه. وقد أدّت أنقرة دوراً أساسياً في دفع المجموعات السورية المعارِضة التي تمدّها تركيا بالدعم إلى المشاركة في المباحثات.

وساهمت عملية أستانة أيضاً في تسهيل التوصل إلى عدد من الاتفاقات الروسية-التركية لمعالجة القتال الدائر في محافظة إدلب. ويُعتبَر ذلك حيوياً للمصالح التركية نظراً إلى أن نحو مليونَي سوري معظمهم من النازحين داخلياً، يُقيمون في المحافظة، وإلى أنهم قد يُدفَعون باتجاه الحدود التركية مع تقدُّم الجيش السوري شمالاً.

وتقضي عملية أستانة أيضاً بتشكيل لجنة لوضع دستور جديد لسورية، عملاً بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.

وتعتبر أنقرة أن دورها في عملية أستانة يمنحها نفوذاً يتيح لها استبعاد جميع الشخصيات التابعة لوحدات حماية الشعب من المفاوضات بشأن مستقبل سورية، بما يؤدّي إلى حرمان هذه الوحدات من أي وضع قانوني يمنحها حكماً ذاتياً في شمال شرق سورية. ولهذا تنظر تركيا إلى وحدة الأراضي السورية بأنها أولوية.

وتوافقها موسكو الرأي في هذا المجال، وقد أعادت تفسير مفهوم وحدة الأراضي كي يتناسب مع السياسة التركية. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تصريح علني إن بلاده تنظر إلى التوسيع التركي للمنطقة الآمنة في شمال شرق سورية بأنه يساهم فعلياً في حماية وحدة الأراضي السورية.

لكن التعاون التركي-الروسي في سورية تعتريه مشاكل. فالفريقان يختلفان في الرأي بشأن مستقبل الرئيس بشار الأسد والانتقال السياسي. ففي حين تعتبر روسيا أن نظام الأسد هو الحكومة الشرعية في سورية، تجادل تركيا بأن السلام لن يحل في البلاد من دون رحيل الأسد.

بل ويُشكّل الوضع في إدلب وتل رفعت مصدر تصعيد محتمل. لقد نصّت مذكرة سوشي في أيلول/سبتمبر 2018 على إنشاء منطقة منزوعة السلاح على طول الجبهة الأمامية في إدلب، التي كان يُفترَض أن تنسحب منها المجموعات المتشددة على غرار هيئة تحرير الشام. ولكن هذه الأخيرة لاتزال في مكانها، وتعتقد روسيا أن تركيا لم تبذل جهوداً كافية لطردها.

في المقابل، يعترض الأتراك على عدم تصدّي الروس لقوات وحدات حماية الشعب في تل رفعت علماً بأن هذه القوات شنّت هجمات على المناطق الخاضعة للحماية التركية في عفرين وشمال حلب.

وحالت روسيا أيضاً دون شن عملية مدعومة من تركيا في منبج في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بعد قيامها بنشر قوات في بلدة العريمة من أجل تعطيل شنّ حملة ضد وحدات حماية الشعب. وقد أقدمت على ذلك بهدف الحفاظ على التوازن في المنطقة. فمن مصلحة روسيا استخدام وحدات حماية الشعب ضد الأتراك.

ولم يكن السلوك التركي مغايراً. فقد استغلت تركيا علاقتها بأميركا لتحقيق بعض أهدافها في سورية. فمثلا، ساعد دعم دبلوماسي أميركي وألماني وفرنسي تركيا على إقناع روسيا بإعلان وقفٍ لإطلاق النار في إدلب من شأنه أن يُفضي إلى تطبيق مذكرة سوشي، علمًا بأن روسيا وإيران كانتا قد أعربتا عن رفضهما لهذا الأمر خلال قمة عُقِدت في طهران في 7 أيلول/سبتمبر 2018.

وكذلك، حصل الموقف التركي على جرعة زخم من خلال رفض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تمويل إعادة الإعمار في سورية من دون حدوث انتقال سياسي حقيقي، ومن خلال دعمهما الدبلوماسي لتركيا في الأمم المتحدة.

لهذه الأسباب وسواها، تحتاج تركيا إلى أميركا والاتحاد الأوروبي لإرساء ثقل موازن لروسيا في سورية، مثلما تحتاج إلى روسيا للضغط في وجه الأميركيين.

لكن هل سيدوم هذا التوازن؟

فإذا اضطرت تركيا إلى حسم خيارها بالوقوف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، قد تكون روسيا خياراً أكثر براغماتية، شرط ألا تمثّل موسكو تهديداً للأمن القومي التركي من خلال دعمها لهجوم يشنّه النظام السوري في إدلب، ويدفع بملايين السوريين النازحين إلى التدفّق نحو تركيا.

علاوةً على ذلك، ولكي تستمر العلاقات التركية-الروسية على قدم وساق، قد تُضطر أنقرة إلى التخلّي عن فكرة الانتقال السياسي في سورية، مقابل التوصل إلى تسوية تُستبعَد منها وحدات حماية الشعب.

وتُفضي إلى إنهاء الإدارة الذاتية بحكم الأمر الواقع في المناطق الخاضعة إلى سيطرة هذه الوحدات، وإلى تسهيل عودة اللاجئين السوريين من تركيا. لكن أنقرة ستواصل، في الوقت الراهن، السير على حبل رفيع لأطول فترة ممكنة.

  • د. مهنّد الحاج علي - مدير الاتصالات وباحث مقيم بمركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت
  • عمر أوزكيزيلجيك - كاتب وباحث تركي في العلاقات الدولية
المصدر | مركز كارنيغي للشرق الأوسط