الأربعاء 16 أكتوبر 2019 04:37 م

كان الانفجار "النادر" للمظاهرات في جميع أنحاء مصر دليلا كافيا على وجود شعور شجاع بالتحدي بين العديد من المصريين، الذين أبدوا استعدادا متجددا لتحمل مخاطر التعبير عن غضبهم تجاه "السيسي"، على الرغم من القمع والقبضة الحديدية.

وفي مشاهد تذكرنا بالانتفاضة الشعبية عام 2011، خرجت أعداد صغيرة من المصريين إلى ميدان التحرير في القاهرة، والعديد من المدن الكبرى الأخرى، في 20 سبتمبر/أيلول، تطالب "السيسي" بالتنحي. ويقول الخبراء إنه على الرغم من قلة أعدادهم، تمكن المتظاهرون من كسر حاجز الخوف الناشئ عن حظر "السيسي" للاحتجاجات العامة في أعقاب انقلابه العسكري عام 2013.

وقالت "ميشيل دن" وهي مديرة برامج الشرق الأوسط في مؤسسة "كارنيغي" للسلام الدولي: "لقد رأينا الجمهور المصري يخرج من الزاوية، حيث تصاعدت معارضة المصريين للطريقة التي يدير بها الرئيس السيسي البلاد وبدأت الاحتجاجات في الظهور. وأعتقد أنه سيكون هناك المزيد من الاحتجاجات في مصر قريبا".

واشتعلت شرارة هذا الاحتجاج العام النادر عندما نشر "محمد علي"، وهو مقاول سابق عمل في مشروعات الجيش ويعيش الآن في المنفى، مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، متهما الرئيس المصري وبعض كبار ضباط الجيش بالفساد وتبديد مليارات الدولارات على بناء القصور الرئاسية الفخمة ومشاريع لا لزوم لها.

ونظرا لكونه عضوا من الداخل، حيث عمل سابقا مع الجيش الذي وسع قبضته على الاقتصاد المصري، فقد مس "علي" الوتر الحساس للمصريين العاديين، في الوقت الذي ارتفع فيه عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 32% العام الماضي، من 27% قبل عامين. ودعا "علي" المصريين إلى النزول إلى الشوارع.

وصدمت الجولة الأولى من الاحتجاجات، في 20 سبتمبر/أيلول، قوات الأمن، لأنها لم تكن مستعدة حيث أُخذت على حين غرة بعد مباراة مهمة في كرة القدم.

وقال "مايكل حنا"، الخبير في شؤون مصر في مؤسسة "القرن" في نيويورك: "بمجرد استيعاب الأمر، كان رد فعل النظام واضحا بموجة كبيرة من الاعتقالات".

تكتيكات من كتاب القمع القديم

وأسفرت الجولة الأولى من الاحتجاجات عن اعتقال أكثر من 2000 شخص من قبل قوات الأمن في جميع أنحاء البلاد. ودعا "محمد علي" المصريين إلى إطلاق مسيرة مليونية يوم الجمعة التالي، في 27 سبتمبر/أيلول.

وكان الرد مختلفا هذه المرة. فلم تترك قوات الأمن أي فرصة؛ حيث نشرت عصابات من رجال ملثمين مسلحين، وشرطة مكافحة الشغب، وسدت جميع الطرق المؤدية إلى ميدان التحرير، الذي شهد المشهد الملحمي للانتفاضة الشعبية عام 2011. وتم إغلاق بعض محطات المترو في وسط القاهرة، بينما قام ضباط الشرطة بلباسهم الأبيض بإيقاف الناس بشكل عشوائي، والتحقق من بطاقات هوياتهم، والبحث في محتويات حسابات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهم على هواتفهم الذكية. وأجهضت هذه التدابير أي محاولة للتجمع في مظاهرات كبيرة.

وكان الوجود المكثف لقوات الأمن المصرية في القاهرة بمثابة عرض تخويف لردع أي محاولة للاحتجاج العام.

وبموازاة الحملة ضد الاحتجاجات المناهضة للسيسي، تم إتاحة الميادين المصرية الأخرى للتجمعات المدعومة من الدولة للإشادة بـ"السيسي"، وتم اعتبار دعوات المحتجين بمثابة مؤامرة ضد الأمة. وأطلقت وسائل الإعلام الحكومية ووسائل الإعلام الخاصة التي تخضع لرقابة مشددة حملة لتشويه المحتجين باتهامهم بأنهم أنصار لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة. ومنعت السلطات المصرية قناة الحرة الأمريكية التي تبث بالعربية، وقناة "بي بي سي العربية"، من تغطية الموجة الأولى من الاحتجاجات.

ولكن وفقا لـ"مايكل حنا"، كانت هذه البداية فقط. حيث قال: "حتى لو لم تحدث احتجاجات شعبية على الفور، فإن ما حدث في مصر الشهر الماضي قادر على تغيير الديناميات السياسية تدريجيا. وهذا ما حدث تدريجيا بين عامي 2000 و2011".

بالإضافة إلى ذلك، اعتقلت الحكومة المصرية عددا من الشخصيات المعارضة البارزة والصحفيين والناشطين، الذين لم يرتبطوا بهذه الموجة الجديدة من المعارضة. وكان من بينهم "خالد داوود"، الزعيم السابق لحزب "الدستور" الليبرالي، والأكاديمي السياسي "حسن نافعة"، والأستاذ "حازم حسني"، الناطق السابق باسم "سامي عنان"، رئيس أركان الجيش السابق، الذي تم احتجازه لمحاولته الترشح ضد "السيسي" في الانتخابات الرئاسية العام الماضي.

رد فعل دولي ضعيف

وأثناء قمة مجموعة السبع الأخيرة، كان الرئيس "ترامب" ينتظر اجتماعا مع الرئيس المصري "السيسي"، وعندما تأخر قليلا، تساءل "ترامب": "أين ديكتاتوري المفضل؟"

وتتخوف "ميشيل دن" من أن رد فعل الإدارة الأمريكية الهزيل على حملة "السيسي" على الاحتجاجات السلمية في مصر قد يتم تفسيره على أنه ضوء أخضر لتكتيكات "السيسي". وقالت: "آمل أن يتم تصحيح الانطباع من قبل المسؤولين الأمريكيين وأعضاء الكونغرس، لأن الولايات المتحدة دافعت عن حق الاحتجاج السلمي في روسيا وهونغ كونغ والسودان وإيران".

وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانا قالت فيه: "تدعم الولايات المتحدة حق المصريين في التعبير عن آرائهم السياسية بحرية. ونحن نتفهم حدوث عدد من الاعتقالات، وندعو حكومة مصر إلى حماية قدرة المواطنين على ممارسة هذه الحقوق بسلام".

ومع ذلك، دعت "سارة ليا واتسون" مديرة قسم الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش"، إلى اتخاذ المزيد من الخطوات والإجراءات، وليس مجرد الكلام. حيث قالت: "الطريقة الوحيدة لتحقيق الاستقرار في مصر هي حكومة تحترم حقوق وحريات الشعب المصري". ودعت "واتسون" حلفاء مصر الغربيين إلى تعليق المساعدات العسكرية لنظام "السيسي".

وتفاعل قلة من أعضاء الكونغرس الأمريكي مع الحملة القمعية في مصر. وأصدر النائب الديمقراطي "إليوت إنجل"، والنائب الجمهوري "مايكل مكول"، وكلاهما عضو في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، بيانا، قالا فيه: "يحق للمصريين الاحتجاج بسلام وممارسة هذا الحق دون خوف من العقاب". ودعا عضوان بالكونغرس إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين في أعقاب احتجاجات سبتمبر/أيلول.

وفي مجلس الشيوخ، كان السيناتور الأمريكي "كريس مورفي" من بين القلائل الذين تناولوا انتهاكات حقوق الإنسان التي تم ارتكابها خلال احتجاجات مصر. وقال: "نتوقع السماح بالمظاهرات في مصر، وسنحمل النظام مسؤولية الرد بالقوة والاعتقالات التعسفية".

ولكن نظام "السيسي" فعل ذلك بالضبط، وأفلت من تحمل مسؤولية أي شيء.

المصدر | إنسايد أرابيا