الأربعاء 16 أكتوبر 2019 01:26 م

حرب اليمن.. تداعيات قد تنتهي إلى "زلازل جيوسياسية"

حرب اليمن ستؤدي إلى زلازل جيوسياسية جديدة بالمنطقة فالأزمة لم تعد يمنية وتحولت إلى أزمة إقليمية.

ثمة من يريد إشعال حرب إقليمية من خلال السعودية التي تواجه مخاطر انقسام حقيقية بينما إيران والإمارات تبدوان في صف واحد.

لعبت الإمارات بإعلان سحب قواتها من اليمن دوراً هاماً في تحفيز الحوثيين المدعومين إيرانياً لزيادة هجماتهم ضد السعودية.

الظروف تجبر السعودية على الخروج من مستنقع اليمن وخطوات الرياض ستكون موجهة ومحدِدة لمستقبلها ومن حيث أزمة اليمن أيضاً.

الخلاف بين الرياض وأبوظبي يؤثر بعمق على سير الأزمة اليمنية ويفتح الطريق أمام أزمات إقليمية جديدة تتعلق بالسعودية ومشروع الشرق الأوسط الكبير.

رغم أن السبب الظاهر للتدخل السعودي باليمن تقليص دور إيران وكسر "الهلال الشيعي" لكن الوصول لبحر العرب ظل حلما جيوسياسيا بارزا في الرياض.

تعمل أمريكا على إنشاء "اليمن الكبير" بحيث يشمل جزءاً من أراضي السعودية لتحقيق هدفاً آخر ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير.

*     *     *

بقلم | محمد سيف الدين أرول

عند اندلاع الحرب الشيشانية الأولى عام 1991، قال جنرال روسي إنهم قادرون على هزيمة الشيشانيين خلال 48 ساعة.

لكن في نهاية المطاف، وبعد مرور عامين على بداية الحرب، كانت القوات الروسية، هي من تعرضت لهزيمة كبيرة وحلت بها الكارثة.

المنطق نفسه كان سائداً لدى التحالف العربي، الذي تشكّل عام 2015 بقيادة السعودية والإمارات، عندما تم الإعلان عن أن حل الأزمة اليمنية سيكون خلال شهور فقط.

واقع الحال الآن يقول إن الحرب انتقلت إلى الأراضي السعودية، ولم يعد يُذكر من التحالف العربي سوى اسمه، تزامناً مع تصاعد الخلاف بين أبوظبي والرياض، أكبر شريكين في التحالف.

وبالتالي، فإن هناك بعداً جديداً يسود العلاقات بين الأطراف الإقليمية والعالمية في حرب اليمن. في هذه الحالة، لا بد من طرح الأسئلة التالية: إلى أين يتجه اليمن؟، ما هو المستقبل الذي تتجه إلىه الحرب اليمنية؟.

كذلك ما هي ماهية اليمن الذي تستهدفه الأطراف وكيف ستؤثر الأهداف المختلفة على سير الأزمة؟ ما هو التغيير الذي سيحدثه هذا التوتر في الوضع الجيوسياسي الإقليمي؟.

لا شك أن الإجابة على هذه التساؤلات تستوجب توضيح أهداف أطراف الأزمة اليمنية ومصالحها المتضاربة.

أبرز العناصر العالمية ذات العلاقة بالأزمة اليمنية، هي الولايات المتحدة والصين، إلى جانب روسيا وإسرائيل، ولو بشكل غير مباشر، أما الأطراف الإقليمية فهي إيران، والسعودية والإمارات.

إلا أن اللافت للنظر هنا، هو الخلاف السائد بين الرياض وأبوظبي والذي بات يؤثر بعمق على سير الأزمة اليمنية، ويفتح الطريق أمام أزمات إقليمية جديدة، وبالأخص ما يتعلق السعودية ومشروع الشرق الأوسط الكبير.

 

السعودية والإمارات من الاتفاق إلى الاختلاف

رغم أن السبب الظاهر للتدخل السعودي في اليمن، هو تقليص دور إيران وكسر "الهلال الشيعي" في المنطقة، إلا أن الانفتاح على بحر العرب، ظل دوماً حلماً جيوسياسياً بارزاً في ذهن الرياض.

 وبالتالي فهي تهدف لتكون عنصراً بارزاً في المسار الممتد بين البحرين الأحمر والعرب، وذلك عبر السيطرة على خليج عدن.

وبغية تحقيق هذا الهدف، يتعين السيطرة على كامل اليمن الذي يمتلك حدوداً برية مباشرة مع السعودية.

وهذا هو أحد أبرز الخلافات الراهنة بين الرياض وأبوظبي، فالأخيرة (وعلى عكس السعودية) تتبع سياسات تدعم انقسام اليمن إلى جنوب وشمال.

فالإمارات تعتقد أن نمو السعودية واكتسابها مزيداً من القوة يتناقض مع مصالحها. وأبعد من ذلك، تعدّ الرياض تهديداً بالنسبة لأبوظبي. وهذا ما اعترف به سفير الأخيرة لدى واشنطن، يوسف العتيبي، خلال مراسلاته التي تم تسريبها.

لذا كان من الملفت جداً للنظر، الدعم الإماراتي، غير المباشر، إزاء هجمات الحوثي مؤخراً ضد السعودية.

فقد شكل إعلان الإمارات عزمها سحب قواتها من اليمن، وما تبعه من نتائج نفسية وانعكاسات على أرض الواقع، الحافز الأساسي للحوثيين لشن الهجمات على السعودية.

حتى هذه السياسات بحد ذاتها، كافية لكشف النوايا الحقيقية للإمارات تجاه السعودية.

 

استهداف الإمارات للسعودية من خلال اليمن

من غير الصحيح القول إن الخلاف السعودي الإماراتي مقتصر على الملف اليمني فقط، فثمة نقاط اختلاف مذهبية وأيديولوجية بين البلدين.

بل وأبعد من ذلك، وجود تنافس بينهما على القيادة التاريخية والإقليمية، لا سيما مع تعاظم طموح امتلاك المزيد من القوة الاقتصادية والتجارية في ظل الأوساط الجيوسياسية الجديدة التي تتشكل عبر بسط السيطرة على الموانئ والممرات البحرية.

وتعاظمت تلك الرغبة بالتزامن مع الإعلان عن مشروع "الحزام والطريق" الصيني، ولا تزال تحتل أهمية ومكانة هامة.

وإلى جانب رفضها دور السعودية، في كونها "الشقيق الأكبر" للعرب، فإن الإمارات تستعدّ لتتبنى دور "الشقيق الأكبر الجديد" للعالم العربي.

لذا فإن دعم أبوظبي لجميع الحروب القذرة في المنطقة، بدءاً من الخليج ومروراً بشمالي إفريقيا، وصولاً للحرب السورية، سببه أطماعها الجيوسياسية.

عند التمعّن في هذه الخلافات بين البلدين، فضلاً عن الخلاف المتعلق باليمن، يبرز لنا المشهد التالي، يتم دفع السعودية بشكل تدريجي، وبمساهمة من الإمارات، إلى حرب مع إيران، وذلك من خلال الحرب اليمنية وغيرها من الأزمات الإقليمية، والعمل على تقسيمها إلى أجزاء كما هو مقترح في مشروع الشرق الأوسط الكبير.

ومن المثير في هذا الإطار، توجيه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى إيران عقب استهداف منشآت "أرامكو" النفطية السعودية، وعملية "نصر من الله" الحوثية، والتي جاءت عقب إعلان الإمارات اعتزامها سحب قواتها من اليمن.

لقد بدأ اليمن، وبإسهام إماراتي غير مباشر، في التحول إلى مستنقع بالنسبة للسعودية.

 

السعودية ومشروع الشرق الأوسط الكبير

باختصار، بينما كانت السعودية تخطط لإيجاد حل لحرب اليمن، انتقلت الحرب إلى أراضيها، لا سيما وأن استهداف منشآت "أرامكو" مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، وسيطرة الحوثيين على ما يقارب 350 كيلو متر مربع من أراضي نجران جنوبي السعودية، وتحييدها 3 ألوية عسكرية تابعة للأخيرة، كشف عن وجود مشاكل أمنية كبيرة.

تلك المشاكل الأمنية أبعد بكثير من الأضرار الاقتصادية الناجمة عن هذه الأحداث، لقد باتت الحرب على الأراضي السعودية، فيما اتضح للجميع أن الرياض لا تملك القوة العسكرية الكافية لإنهائها.

كما رأينا من خلال ما سبق، أن هناك محاولات للزج بالسعودية في أزمات إقليمية، وتجفيف مواردها، وإضعاف قوتها، وكسر مقاومتها أمام الثنائية الأمريكية الإسرائيلية ومشاريعهما، ودفعها لقبول "السعودية كما هي في مشروع الشرق الأوسط الكبير".

الجانب الملفت للنظر هنا، هو أن سياسات الإمارات تخدم، ولو بشكل غير مباشر، أهداف مشروع الشرق الأوسط الكبير، المتعلقة بالسعودية.

 تهديد الحرب الداخلية اليمنية لمستقبل السعودية على أبعاد مختلفة، يبدو أنه دفع الرياض إلى للبحث عن مساعي جديدة فيما يخص أزمة اليمن.

إذ أن السؤال الرائج حاليًا هو "كيف هي السعودية التي سنراها بعد الآن؟".

وانطلاقاً من هذا قد تتخذ الرياض خطوات مختلفة خلال الأيام المقبلة، وهذا ما تؤكده لنا التغييرات الطارئة مؤخراً على بعض سياسات السعودية الداخلية منها والخارجية.

فمساعي إطلاق حوار متبادل مع إيران مؤخراً، تظهر الحذر السعودي من الانخراط في حرب مباشرة مع طهران (رغم الضغوط الأمريكية الكبيرة عليها في هذا الخصوص).

هنا بالتحديد، تعتبر تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني، خلال الدورة الـ74 للجمعية العامة للأمم المتحدة، ملفتة ومثيرة.

فقال روحاني، في معرض تعليقه على هجمات "أرامكو"، إن "أمن السعودية لن يتحقق باستدعاء الأجانب، ولن يتحقق إلا بوقف الاعتداء على اليمن"، الأمر الذي فسره البعض بأنه دعوة للرياض للمباحثات.

وفي محاولة منه لنقل الأفضلية، التي حققها في اليمن عبر الحوثيين، إلى طاولة الدبلوماسية، طرح روحاني ما وصفه بـ"مبادرة هرمز للسلام" أو "تحالف الأمل " بهدف تحقيق التقدم والرخاء، وتأسيس علاقات ودية، وإطلاق عمل جماعي لتأمين إمدادات الطاقة وحرية الملاحة، والتي وعد من خلالها بضمان أمن نقل الطاقة من قبل بلدان المنطقة.

مع أن إيران وعبر مبادرتها هذه، تستهدف طرح تحالف بديل لذلك الذي تسعى واشنطن لتشكيله في منطقة الخليج، في خطوة لضمان مكتسباتها المتعلقة بــ"الهلال الشيعي" والتي حققتها في كل من سوريا والعراق.

من الواضح أن إيران تلجأ هنا لتغيير تكتيكها، لتنقل من تهديد الأطراف إلى جمعهم تحت سقف تحالف واحد ضد "تهديدات مشتركة."

هناك أطروحتان حول اليمن، تتصدران من جديد المرحلة التي تم التوصل إليها، إما الحفاظ على وحدة اليمن أو انقسامه إلى قسمين. في الوقت الذي تدافع فيه الرياض عن بقاء اليمن واحدة، تؤيد أبوظبي انقسامها إلى شمال وجنوب (شرط أن تسيطر هي على الجزء الجنوبي). فيما تتحدث الولايات المتحدة وإيران عن احتمال ثالث، ألا وهو "اليمن الكبير".

نعلم جيداً أن الولايات المتحدة تعمل على تحقيق هذا المقترح الذي يقوم على إنشاء "اليمن الكبير" بحيث تشمل جزءاً من الأراضي السعودية أيضاً، لتحقق عبره هدفاً آخر ضمن أهداف مشروع الشرق الأوسط الكبير.

بدورها، تستهدف إيران وضمن إطار سياسات "الهلال الشيعي"، لتمزيق العالم العربي من خلال اليمن، والقضاء على منافستها السعودية، والسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية عبر اليمن والانفتاح على إفريقيا.

 لذا فإن "اليمن الكبير" الخاضع لنفوذها، تناسب مصالحها أكثر، لا سيما وأن طهران اكتسبت خبرة كبيرة في إنشاء الدول الموازية، كما صنعت في لبنان عبر حزب الله، وفي العراق عبر الحشد الشعبي.

 

الولايات المتحدة ومشروع "اليمن الكبير"

تستهدف الولايات المتحدة، من خلال مشروع "اليمن الكبير":

 1- تعميق الانقسام السياسي العربي وتأمين ظهور معارك دموية جديدة بينهم.

2- ترسيخ الانقسام الراهن في العالم الإسلامي.

3- توجيه السعودية، التي تميل للخروج من السيطرة، بما يتناسب مع ما هو مقترح في مشروع الشرق الأوسط الكبير وخلق مساحات فوضى جديدة في المنطقة.

4- الانتشار في المنطقة بشكل أقوى من قبل، والسيطرة على منطقة ذات أهمية استراتيجية/جيوسياسية هامة لدى "الشرق الأوسط الأمريكي".

5- السيطرة على الممرات المائية وتعزيز قبضتها فيما يخص أمن الطاقة ومشروع الحزام والطريق.

يبدو أن واشنطن ستواصل استغلال ورقة إيران لحين تحقيق أهدافها هذه، وستقوم - إن تطلب الأمر - بتحويل إيران إلى أفغانستان أخرى، ما يعني تحوّل السعودية إلى باكستان أخرى.

عند النظر إلى التطورات الأخيرة، نجد أن الرياض يتم إقصاؤها أكثر يوماً بعد آخر وبشكل ممنهج، وتتعرض لاستنزاف قوتها على مختلف الأبعاد وعلى رأسها الاقتصاد.

ومما يؤكد هذا، انتقال الحرب إلى أراضيها ومشاكلها الأمنية وأزمات سياستها الداخلية. وهذا ما يكشف لنا الوظيفة أو الرؤية التي تم تحميلها لحرب اليمن، ضمن إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير.

 

خلاصة

يبدو أن حرب اليمن ستؤدي إلى زلازل جيوسياسية جديدة في المنطقة. الأزمة خرجت من أن تكون ذات بعد يمني، وتحولت إلى أزمة إقليمية.

ثمة هدف بإشعال فتيل حرب إقليمية من خلال السعودية التي تواجه مخاطر انقسام حقيقية بما تعنيه الكلمة، وإيران والإمارات تبدوان بمظهر الواقفتين في الصف نفسه ضد الرياض.

لعبت الإمارات، عبر إعلان عزمها سحب قواتها من اليمن، دوراً هاماً في تحفيز جماعة الحوثي المدعومة إيرانياً، في زيادة هجماتها ضد السعودية.

الظروف تجبر السعودية على الخروج من مستنقع اليمن. لا شك أنّ الخطوات التي ستخطوها الرياض بعد الآن، ستكون موجهة ومحددة من حيث مستقبلها هي، ومن حيث أزمة اليمن أيضاً.

* البروفسور محمد سيف الدين أرول أستاذ بجامعة حجي بيرام ولي بأنقرة، ورئيس مركز أنقرة لدراسة الأزمات والسياسات.

المصدر | وكالة الأناضول