الخميس 7 نوفمبر 2019 09:17 ص

الأزمة الخليجية وثلاثية الرياض المركزية

انهار رهان السعودية لاستغلال الخلاف الموهوم بين موسكو وأنقرة.

مؤشرات رعاية الحكم السعودي العلاقة الخاصة مع المجتمع العقائدي الإسرائيلي واضحة.

لا يهم الرياض لا مصالحة خليجية، ولا رفع قبضة القمع الأمنية، والشعب هو من يسدّد فواتير حساباتها الكارثية

*     *     *

قبل أشهر وبرغبة كويتية، وجه المسؤولون في قطر بتهدئة للتغطية الإخبارية والرأي مع السعودية، أظنها لا تزال قائمة. التهدئة تشمل الصحف المحلية والإعلام الذي تشرف عليه المؤسسة القطرية للإعلام، باعتبار أن المؤسسة هي الجهة التي تتعامل عبرها قطر مع دول الخليج والوطن العربي، ممثلة توجه الدولة، وربما المجتمع، في بعض مسارات السياسة الخارجية.

وهنا سؤال: ماذا عن قوة المشاريع الإعلامية الضخمة، وخصوصاً شبكة الجزيرة، التي لا يقارن إعلامها وشعبيته بإعلام قطر المحلي؟

يخضع هذا الأمر لقواعد لعبة قبل الأزمة وبعدها، لكنه بالطبع لن يكون قطعاً بهذا الإيقاع، ولا بهذه اللغة، بعد انتهاء الأزمة، فاليوم تتعامل الدوحة مع إعلان استهدافها عسكرياً أو سياسياً بأنه حالة حرب باردة حتى اللحظة، حيث لا يوجد إنهاء لأبرز مظاهرها، وهو الحصار، والحقيقة أن عناصر الاصطفاف المطلق مضرٌّ بالجميع، حتى قطر التي تعلم ذلك، ولكنها تراه استراتيجية دفاع.

على سبيل المثال، بشأن وضع تركيا الجديد بعد اتفاقها مع موسكو والنظام في سورية، انهار رهان السعودية لاستغلال الخلاف الموهوم بين موسكو وأنقرة، بعد التنسيق الجزئي مع واشنطن، في تحييد المليشيات الكردية، وعاد الاتفاق الأصلي ليحدد خريطة المشهد النهائي، بناءً على قواعد اتفاق سوتشي لتصفية الثورة السورية، بين موسكو وطهران وأنقرة.

والدوحة، حسب التقدير الاستراتيجي المفترض لمصالحها، ليست مضطرّة للاصطفاف مع كل تقلبات الحرب والأحداث، بقدر ما هي حريصة على علاقتها بتركيا حليفا في الأزمة، وقاعدة عسكرية في قطر لها بُعدٌ فارق في خريطة الخليج الجديد.

وهنا أحد أسباب الفشل المتكرّر للتقدير السعودي للأحداث، آخذين في الحسبان إشكالية تحديد معالم المصالح للسعودية نفسها، في خريطة الأحداث، بسبب أن ما تمارسه من سياسةٍ لا يقوم على هذا الاعتبار، وهي حالة فارقة في معضلة السعودية اليوم.

وملخص هذه النقطة أن الرياض توقف الوساطة مع قطر، أو تُطيلها فجأة بناء على أن هناك أزمة إقليمية أو دولية ستواجهها الدوحة، وفي كل مرة يسقط هذا الخيار. وقد أرهق هذا النوع من التعامل الوسيط الكويتي، أخذاً بالاعتبار صحة أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد، وتعقّد المشهد الإقليمي للكويت.

لذلك السؤال اليوم: هل ستنجح هذه الوساطة، على الرغم من تأكيد الكويت ذلك؟ وكيف تخترق الكويت الأزمة في ظل مزاج الرياض الصعب؟

كيف نفهم ذلك بعد أن فشلت وساطة عمران خان بين طهران والرياض بطلب الأخيرة، رغم أن مسقط أقرب للرياض، ومهما اختلفت التقديرات، هناك مصالح استراتيجية قد تجمعهما، وخصوصا في التهدئة مع الإيرانيين؟

وفي حالة قطر هناك سؤال آخر: ما هو مفهوم الوساطة الذي ينتظره ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بعد أن أُنهكت الكويت؟

حتى اليوم، فإن طريقة تعاطي الملف، وكثرة التراجع وتأثير الارتباك والقفز السعودي بين عدة مسارات، ثم الارتداد عليها في أكثر من ملف، لا يُعطي أي مؤشّر لمخرج قادم، فآثار حماقات أزمة الخليج ليست إعلامية واجتماعية فقط، ولكنها سياسية واستراتيجية، وبالتالي لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الخامس من يونيو/ حزيران 2017.  

فواقع الخليج ضعيف جداً ومتصدّع أمام التطورات الإقليمية، والحسابات اليوم تقوم على فرديةٍ مطلقة، جديدها حقيبة الحراك الإماراتي الصامت الذي يحاول تعويض انتكاسة مشروعه، وهو يقوم على رؤى قُطرية بحتة، لا علاقة للمستقبل السعودي بها.

ويصعب التكهن بمصير هذا الوضع، خصوصا أنه مع المزاج المتقلب الذي رُبط نفسياً بقطر، والمفهوم الهزلي (علّم قطر) مرتبط أيضاً بحالة سعودية صعبة ومعقدة، لا نعرف ما الذي ستصبح عليه ضحى الغدِ. وهناك ثلاثة مسارات رئيسية تحدد، فيما يبدو، توجهات السياسة الحالية للرياض، كضمان لدعم ولي العهد:

أولاً ضمان تأمين متطلبات المصالح الاقتصادية للغرب، وخصوصا الأميركيين. والثاني التوجه المركزي لإيجاد علاقة فارقة مع تل أبيب، تتجاوز المفهوم النظري لقضية التطبيع الذي تمارسه كل دول المجلس، بما فيها قطر، والتحول إلى شراكة تنفيذية فاعلة، وعلاقات شعبية مع المجتمع الصهيوني نفسه، لا الإنسان اليهودي.

ولذلك، النظر إلى أن ما تم أخيرا من حملة علاقات حميمية، بأنها تصرفات فردية في معزلٍ عن توجهات سياسة الدولة غير صحيح، فمؤشرات رعاية الحكم السعودي العلاقة الخاصة مع المجتمع العقائدي الإسرائيلي واضحة.

والمشكلة تورّط عدد فعاليات عربية بصب ردة فعلهم على المجتمع السعودي، وهو يحوي كغيره شخصيات مريضة أو تخضع لخطاب الكراهية الذي يسوّقه الحكم الحالي، لتعزيز حالة الفرز للسعوديين، عن الشعب العربي، وإقناعهم بان البديل توازن إقليمي مع الإسرائيليين، وربما مع غيرهم في المستقبل.

أما البعد الثالث في سياسة الرياض اليوم، فهو الاندفاع في ما يسمّى تسليع الشعب لمطالب الليبرالية السلوكية المطلقة للغرب، وهي هنا ليست قضية انفتاحٍ على الفنون والآداب وغيرها، من مساحة الحياة المدنية التي حُرم منها الناس، زمن تحالف الحكم العنيف مع المؤسسة الدينية الوهابية وتيارات مساندة، وإنما حالة تثوير غرائز مطلق بلا حدود، يُقنع الغرب بأن السياسة الجديدة ستقيم مجتمعاً متفقاً مع أي صناعة استراتيجية كبرى للشرق الأوسط، لا على صعيد الدول بل المجتمعات ذاتها.

وهو رهان تعتقد الرياض الجديدة أنها ستفرضه على الواقع الشعبي اليوم، غير أني أعتقد، وعلى الرغم من انفجار الصراع الاجتماعي، وتأثير فوضى الخطاب القهري على الناس، أن المجتمع قد يتوجه، بعد مدة، إلى توازن جديد مختلف، لن يجد فيه المشروع الغربي ــ الإسرائيلي المشترك هدفه النهائي، غير أن ما يمكن أن نؤكّده هنا أن هذا الرهان الثلاثي بالفعل هو الذي يشغل مركزية القرار السعودي، فلا يهمه بعدها لا مصالحة خليجية، ولا رفع قبضة القمع الأمنية، والشعب هو من يسدّد فواتير حساباته الكارثية.

* مهنا الحبيل كاتب عربي مستقل مقيم بكندا

المصدر | العربي الجديد