الخميس 7 نوفمبر 2019 10:38 ص

باكستان.. العودة إلى سياسات «درنا»

من الصعوبة نجاح هذه التظاهرات دون دعم سياسي أو عسكري.

شراكة علنية بين الحكومة والعسكر ومن الصعب فكّها على الأقل الآن.

بعد وصول عمران خان للسلطة وجد أن دولة عميقة جذورها أحزاب سياسية عريقة لا تزال بأيدي آخرين.

الخلافات البينية وسط الطبقة والأحزاب السياسية تصبّ لمصلحة عمران خان الذي تراه المؤسسة العسكرية خيارا وحيدا.  

*     *     *

أعادت سياسات التظاهر والاعتصام داخل العاصمة الباكستانية إسلام آباد، الذاكرة من جديد إلى المربع الأول؛ مربع التظاهرات والاعتصامات في داخل العاصمة من أجل إسقاط الحكومة. سياسة اتبعها من قبل عمران خان نفسه حين سعى إلى إسقاط حكومة نواز شريف قبل أعوام، واتُّهم حينها بتعاونه مع المؤسسة العسكرية.

لم يمضِ كثير وقت على تحركات عمران خان يومها لينجح في إبعاد حزبين رئيسيين عريقين عن الساحة السياسية، ويستأثر بالمشهد السياسي من بعدهما، وهو ما أزعج الحزبين؛ لكنهما وقفا عاجزين عن فعل شيء بعد اعتقال قادتهما والزجّ بهم في السجون.

وصل عمران خان إلى السلطة؛ لكنه أدرك لاحقاً أن الدولة العميقة لا تزال في أيدي آخرين، لمس ذلك بتراجع كبير في الروبية الباكستانية وغيرها على الساحة الاقتصادية، فكان من الصعب عليه الحكم بشكل كامل في ظل وجود دولة عميقة جذورها أحزاب سياسية عريقة وقديمة يصل تاريخها إلى نشأة البلاد نفسها.

ومع غياب قادة الأحزاب السياسيين في السجون، لم يبقَ سوى مولانا فضل الرحمن زعيم جمعية علماء الإسلام في الميدان السياسي للتحرك ضد الحكومة الحالية.

دافعه وحافزه لذلك كله هزيمة انتخابية أمام عمران خان نفسه حين خسر مقعده الانتخابي لأول مرة، وخسر معه عدة مقاعد انتخابية من جماعته لصالح النجم الصاعد الجديد، وهو ما أثار خوفا وقلقا سياسيا في نفس مولانا فضل الرحمن، فتحرك على أثره بدافع الانتقام السياسي والانتخابي.

اليوم تحرّك مولانا فضل الرحمن بقاعدته الشعبية المتمثلة في المدارس الدينية، وهو أحد الشخصيات السياسية القليلة القادرة على حشد الشارع وتعبئته ضد الحكومة رافضاً كل عروض الحوار والتفاوض مع عمران خان، ومشدداً على أن الحل هو استقالة الحكومة.

وهو ما يتعذر فعله اليوم؛ فاستقالة الحكومة بزعامة عمران خان تعني نهاية الحوار والتفاوض التي لن يكون لها معنى سياسي حينها. أما المؤسسة العسكرية، فعلى ما يبدو لا تزال ترى في عمران خان الخيار الوحيد ما دام قادة الأحزاب الآخرين مثل آصف زرداري ونواز شريف وابنته مريم نواز في السجن.

أما الخلافات البينية وسط الطبقة السياسية، فتأتي لتصبّ في صالح عمران خان؛ فحزب مثل حزب الشعب الباكستاني ليس من مصلحته الوقوف مع مولانا فضل الرحمن الذي وقف ضده في قانون التجديف.

إذن تظل الخيارات المطروحة ضيقة ومحدودة؛ ولذلك عرض عمران خان بشكل غير مباشر الإفراج عن نواز شريف؛ أملاً في التنفيس عن الشارع الباكستاني الذي التحق بعضه باعتصامات مولانا فضل الرحمن.

لكن حتى الآن، لا يبدو في الأفق أن ثمة ما يوحي بانفراج؛ فالظاهر أنه من الصعوبة نجاح هذه التحركات التظاهرية بعد أن بقي وحده في الميدان دون دعم سياسي أو عسكري، وهو ما بدأ بالتلميح إليه عن دعم المؤسسة العسكرية لحكومة عمران خان.

عمران خان لم يعد يمسك بالملفات السياسية والاقتصادية كحال أسلافه، ما دام الاقتصاد والإعلام والمفاصل السياسية المهمة في قبضة المؤسسة العسكرية.

يتجلى ذلك بشكل شبه يومي في لقاءات قائد الجيش مع المؤسسات الاقتصادية وتصريحاته التي تهم الشأن المالي، بعد أن كانت المؤسسة تُحجم عن التدخل في مفاصل كهذه؛ كل هذا يعني أن الشراكة العلنية والظاهرية بين الحكومة والعسكر قد تمت، ومن الصعب فكّ الشراكة بينهما الآن على الأقل.

* د. أحمد موفق زيدان إعلامي وكاتب صحفي سوري

المصدر | باكستان.. العودة إلى سياسات «درنا»