الجمعة 8 نوفمبر 2019 06:25 م

لحظة تاريخية مناسبة لفكر جديد

مسيرة التاريخ لن تنتظر المترددين والخائفين، واللحظة الحالية هي لحظة وخطوة في تلك المسيرة.

فرصة تاريخية وستكون كارثة لو ضاعت واكتفت أكثرية الجماهير وأقلية المفكرين بالتغييرات السياسية وأهملت الفكر والثقافة.

قطيعة حقيقية مع إرث مريض أعمى العيون ودجّن العقول عبر العصور وكان غطاء لتبرير الجوع والعري وقلة الحيلة.

*     *     *

نحن في محطة تاريخية عربية قابلة للصعود العظيم المذهل، أو السقوط المأساوي المذل. ما يميز هذه المحطة التي يعيشها الوطن العربي منذ عشر سنوات، والذي لم يرَ تاريخه الحديث مثل تألق الإمكانيات الهائلة الحالية، لحدوث تغيرات كبرى في حياة العرب، ومثل الاستعداد الواعي المجتمعي لدى الملايين العرب لقبول أفكار عقلانية ذاتية تجددية، وممارسة سلوكيات حياتية عصرية.

لحظة المنعطف التاريخي الحالية، إذن، هي فرصة للمفكرين التجديديين والمثقفين الملتزمين العرب، لطرح ما كان يصعب طرحه في الماضي، بسبب ممانعة ورفض الكثيرين من أفراد الأمة سابقا لمثل تلك الطروحات، إما لأسباب دينية متوهمة، أو بسبب التمسك بمسلمات متخلفة قديمة عفى عليها الزمن، أو بسبب الاعتقاد الخاطئ بأن الانغماس في الحاضر يغني عن الأهمية الكبرى لتفكيك ونقد وتجاوز كل ما في الماضي من تراث متخلف، أو تراث بدائي، إن كان قد صلح لزمانه فإنه ما عاد صالحا لأزمنة الحاضر المعقدة.

المشهد إذن مهيأ.. فحتى التراث الفقهي يحتاج بالفعل لمراجعة نقدية واسعة، تبرز نقاط ضعفه، وملابساته التاريخية، وتزمت أصحابه غير المبرر، وكون كثير منه تأويلات أو اجتهادات أو فهوم بشرية قابلة للنقاش.

وقبول الملايين لتلك المراجعة سيكون أقوى وأكثر انتشارا، إذا تمت مراجعة التراث من خلال إبراز التراث المستنير العقلاني، فهناك تراث تنويري عقلاني قادر على الرد على تراث ظلامي.

هذا مدخل كبير واعد يحتاج إلى كتلة تاريخية من المفكرين والمثقفين العرب، ليقوموا به. وبالطبع لن يكون الرد على التراث بالتراث فقط، وإنما ستسنده وتغنيه منظومة هائلة من مدارس فلسفية وعلوم اجتماعية حديثة، تحتاج إلى إيصالها إلى أذهان الملايين من العرب المتعطشين الآن لقراءة وسماع منظومة فهم وفكر إسلامي جديد.

تسقط كل ما في تراث الماضي من نواقص، أو سوء فهم، أو دس أو استعمال انتهازي، ليحل محله دين العدالة والقسط والميزان والتراحم والتسامح والأخوة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، الدين الذي بشر به نبيه الثوري العظيم.

الأمر نفسه ينطبق على اقتناع الملايين من جماهير العرب بأن الروابط القبلية والعشائرية والجهوية والعرقية، التي استعملها الفاسدون والناهبون عبر العصور، ليغطوا على امتيازاتهم وهيمنتهم على مصادر القوة والثروة والجاه، هي التي وراء أنظمة سياسية متخلفة، قامت على المحاصصات الطائفية والقبلية والجهوية، على حساب معيشتهم وكرامتهم الإنسانية.

يسمع الإنسان كلمات التبرؤ من تلك الروابط في السياسة والدين والاقتصاد، من خلال أفواه الشباب الثائرين المرابطين في ساحات وشوارع شتى مدن وطن العرب. إنها كلمات قطيعة حقيقية صادقة مع إرث مريض، أغمض عيونهم ودجّن عقولهم عبر العصور، وكان غطاء لتبرير جوعهم وعريهم وقلة حيلتهم.

إضافة لكل تلك المهمات المناطة بالمفكرين والمثقفين العرب، التي أصبحت أسهل وأمضى في ظل ظروف التغيرات الذهنية والنفسية الحالية المتعاظمة، سنحتاج إلى كتلة مؤرخين تقوم بتبيان تجارب الآخرين في مواجهة أوضاع مشابهة لأوضاعنا.

فعلى سبيل المثال هناك التجربة الأوروبية في التعامل مع الصراعات الدينية والمذهبية، التي اجتاحت أوروبا إبان العصور الوسطى، والتي أكلت الأخضر واليابس في طول وعرض أوروبا القرون الوسطى.

إن في خروج أوروبا من تلك المحن دروسا وعبرا يمكن تبني الإيجابي منها، وتجنب السلبي، هذا إذا كانت الدراسة موضوعية وعقلانية ومتوازنة وغير تقليدية عمياء.

فهم مثل تلك التجارب، في الغرب والشرق على السواء، يحتاج أن يكون رافعة في جهود إحداث التغييرات الكبرى في الحياة العربية، جهود متناغمة ومتساندة ومتفاعلة. الملايين مهيأة، فهل أن القلة المفكرة المثقفة الملتزمة المطلوبة مهيأة هي الأخرى؟

إنها فرصة تاريخية، وستكون كارثة لو أنها ضاعت، خصوصا إذا اعتقدت الأكثرية الجماهيرية والأقلية المفكرة بأن التغييرات السياسية وحدها كافية، وأهملت التغييرات الفكرية والثقافية الضرورية المطلوبة. مسيرة التاريخ لن تنتظر المترددين والخائفين، واللحظة الحالية هي لحظة وخطوة في تلك المسيرة.

* د. علي محمد فخرو كاتب ومفكر بحريني.

المصدر | الشروق المصرية