الأربعاء 13 نوفمبر 2019 04:49 م

قبل أقل من شهرين، هددت الحرب الأهلية في اليمن بإغراق الشرق الأوسط الكبير بالفوضى. وأدى القتال بين الحوثيين المدعومين من إيران والقوات المدعومة من التحالف الذي تقوده السعودية إلى مقتل ما يقدر بنحو 100 ألف شخص، وتسبب في ما اعتبرته الأمم المتحدة أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وإذا لم يكن ذلك سيئا بما فيه الكفاية، فقد خاطر الانقسام الذي حدث داخل التحالف الهش المناهض للحوثيين، في أغسطس/آب، بإشعال حرب أهلية داخل الحرب الأهلية الأوسع. وأثار الهجوم، الذي زعم الحوثيون مسؤوليتهم عنه على منشآت "أرامكو" السعودية النفطية في سبتمبر/أيلول تهديدات بالانتقام من إيران من قبل الرياض وواشنطن. وسواء داخل حدود اليمن أو خارجها في المنطقة الأوسع، بدا أن المزيد من الدماء المسفوكة أمر لا مفر منه.

ومع ذلك، في تحول غير متوقع للأحداث، يبدو أن هذه العمليات قد فتحت طريقا للسلام. وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني، وقّع الخصوم الرئيسيون في الكتلة المناهضة للحوثيين، حكومة الرئيس "عبدربه منصور هادي" المعترف بها دوليا، والمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، اتفاقا لتقاسم السلطة يُعرف باسم "اتفاق الرياض". وتوسطت المملكة العربية السعودية في الاتفاق، في خطوات متوازية مع جهودها لتخفيف حدة الصراع عبر الحدود مع الحوثيين والحد من الضربات الجوية في اليمن. وأوقف الحوثيون جميع الهجمات على المملكة، وتفيد التقارير أنه يجري الآن مناقشة مبادرة أوسع للحد من التصعيد بين الحوثيين والسعوديين. وإذا نجا كل من اتفاق الرياض والمبادرة السعودية الحوثية، وتمكن وسطاء الأمم المتحدة من نسجهما في مسار تفاوضي واحد، يمكن حينها التوصل إلى تسوية سياسية وطنية يمنية.

وسيتطلب الوصول إلى تسوية سياسية وطنية في اليمن القضاء على التدخل العسكري بقيادة السعودية، وسد الفجوات الهائلة بين العديد من الجماعات المسلحة والفصائل السياسية في البلاد. ومن الممكن تماما أن تتوقف المفاوضات الحالية أو تنهار. وإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن يتعمق الصراع ويتوسع. وستعمل كل من السعودية وإيران على تكثيف صراعهما على النفوذ، وسينقسم اليمن أكثر فأكثر إلى دول صغيرة متحاربة، وسوف يكون لكل منها نصيبها من الدعم الدولي.

  • الطريق إلى السلام

وبدأ انزلاق اليمن إلى الحرب الأهلية عام 2014، عندما سيطر المتمردون الحوثيون على العاصمة صنعاء، مما أجبر حكومة "هادي" على التراجع إلى مدينة "عدن" الساحلية الجنوبية، ثم إلى الرياض في العام التالي. ونظرت السعودية إلى الحوثيين كوكيل إيراني، وقادت تدخلا عسكريا إقليميا لردعهم. لكن الصراع سرعان ما اتخذ أبعادا محلية وإقليمية معقدة. وكان تحالف القوات اليمنية الذي دعمه السعوديون لمناهضة الحوثيين متحدا من الناحية النظرية، ولكن من الناحية العملية، كان أعضاؤه يتصرفون بشكل مستقل، وغالبا ما تقاطعت مصالحهم.

كما تسبب التضارب في الأهداف بين السعودية والإمارات في حدوث مشكلات. وفي أوائل عام 2016، اتفقت الحكومتان الخليجيتان على أن تعمل الرياض مع حلفائها في شمال اليمن لمحاربة الحوثيين، في حين تبني الإمارات، التي ساعدت سابقا المقاتلين اليمنيين على طرد الحوثيين من عدن، قوات جديدة في الجنوب. لكن على الرغم من أن الإماراتيين أيدوا "هادي" اسميا، إلا أنهم لم يرغبوا أبدا في العمل مع "حزب الإصلاح"، وهو حزب إسلامي سني له صلات بجماعة الإخوان المسلمين ويعد جزءا من ائتلاف "هادي". وبدلا من ذلك، دعم الإماراتيون المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو مجموعة انفصالية جنوبية مناهضة للإخوان ترى المنتمين للإصلاح على أنهم "غزاة" شماليون أقرب إلى الحوثيين.

وانهارت "قشة الوحدة" تماما في أغسطس/آب، عندما حول المجلس الانتقالي الجنوبي بنادقه إلى القوات الموالية لـ "هادي" المدعومة من الرياض، ما أجبرهم على الخروج من عدن. ومنح الانقسام ميزة عسكرية للحوثيين، وهدد بإراقة مزيد من الدماء. ولكن حرصا على منع انهيار الجبهة المناهضة للحوثيين، أقنعت الرياض المجلس الانتقالي وحكومة "هادي" بتوقيع صفقة لتقاسم السلطة. وإذا ظل اتفاق الرياض قائما، فلن يمنع ذلك الاقتتال الداخلي بين الفصائل المناهضة للحوثيين فحسب؛ بل سيخلق حكومة يمنية أكثر تمثيلا يمكن للسعوديين أن يستخدموها بشكل أفضل لتحقيق اتفاق سلامٍ وطني.

وتحسنت كذلك العلاقات بين الحوثيين والسعوديين. وانتقد براجماتيون داخل الحركة الحوثية هجوم "أرامكو"، حيث يُقال إنهم كانوا منزعجين من خطر الدخول في حرب إقليمية إلى جانب طهران. ومع محاولة الرياض للتقارب، رأى الحوثيون فرصة لتغيير المسار. وفي 20 سبتمبر/أيلول، أعلن الحوثيون عن تعليق أحادي الجانب لهجمات الطائرات بدون طيار والصواريخ على المملكة، وطلبوا من السعوديين تعليق ضرباتهم وتخفيف القيود على الواردات إلى المناطق التي يسيطروا عليها والتي عانت من نقص الغذاء والوقود بسبب الحصار الذي تفرضه السعودية.

وقد استجابت الرياض بشكل إيجابي، حيث قامت بالرد بتقليص الهجمات إلى مناطق حدودية محدودة، وسهلت استيراد الوقود، وأعادت فتح الحوار عبر القنوات الخلفية، التي تطورت لاحقا إلى محادثات مباشرة. ومن الواضح أن السعوديين شعروا بالقلق من عدم رد الولايات المتحدة على هجوم "أرامكو" السعودية، الذي كشف عدم موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية. وفي هذا السياق، سعت الرياض التأكد من ألا يستمر اليمن كنقطة اشتعال على الحدود الجنوبية للمملكة. ويبدو أن السعوديين قد استنتجوا أنهم حتى لو لم يتمكنوا من هزيمة الحوثيين عسكريا، فيجب عليهم على الأقل توجيه إسفين بين المتمردين ومؤيديهم الإيرانيين عن طريق توفير حوافز مالية وسياسية. ولكي ينجحوا في ذلم، يجب عليهم الفوز بتأثير على المتشددين الحوثيين، أو على الأقل التخفيف من تأثيرهم، مع تعزيز أيدي البراجماتيين الحوثيين من خلال خفض مستوى العنف، وتحقيق مكاسب اقتصادية، وفي نهاية المطاف إنهاء الأعمال القتالية عبر الحدود.

وربما تأثر اهتمام المملكة بإحياء المحادثات مع الحوثيين بقرار الإمارات الأخير بخفض قواتها في اليمن. وبدأ الإماراتيون سحب قواتهم في وقتٍ سابق من هذا العام، لأنهم لم يروا أي سبب يذكر لمواصلة القتال بعد أن أوقفت اتفاقية سلام سابقة برعاية الأمم المتحدة تقدمهم في ميناء "الحديدة" الحيوي على البحر الأحمر. ومن المحتمل أن يكون قرار الانسحاب مرتبطا أيضا بمخاوف الإمارات بشأن التوترات المتزايدة مع إيران، والحاجة إلى التركيز على أمنها الداخلي. وتعمل السعودية الآن على تولي قيادة التحالف في عدن، وترسل أعداد كبيرة من القوات البرية إلى الجنوب.

وتشكل كل هذه التطورات مجتمعة طريقا للتوصل إلى تسوية سياسية في اليمن. وفي أفضل الحالات، سيلتزم كل من المجلس الانتقالي وحكومة "هادي" باتفاق الرياض. وفي الوقت نفسه، فسوف يضفي السعوديون والحوثيون الطابع الرسمي على الجهود الدبلوماسية وعملية خفض التصعيد. ومن شأن كلا الخطوتين أن تعززا موقف البراغماتيين الحوثيين، وتقدما للمملكة قدرا من الطمأنينة حول قدرتها على دعم عملية السلام في اليمن بأمان دون تعريض مصالحها للخطر. وأخيرا، ستقوم الأمم المتحدة، بدعم من القوى الإقليمية وخاصة السعودية، بالتوسط في المحادثات بين حكومة "هادي" الجديدة التي تضم الجنوبيين، وبين الحوثيين. وسوف يكون الهدف هو وقف إطلاق النار ثم التوصل إلى تسوية سياسية وطنية.

  • طريق طويل

لكن لا يزال هناك الكثير من العقبات التي قد تعكر صفو كل هذا. ويمكن لخطأ واحد مثل صاروخ حوثي يتم إطلاقه على المملكة أو غارة جوية سعودية في اليمن أن تعيد استئناف دورة العنف. وهناك أيضا خطر من أن تستخدم المملكة الاتفاق بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة "هادي" لا لمواصلة محادثات السلام ولكن لتكثيف المجهود العسكري ضد الحوثيين. وهذا بالضبط ما يخشاه العديد من الدبلوماسيين والمحللين، ويقابل رغبة من بعض الجماعات المناهضة للحوثيين والمسؤولين في حكومة "هادي".

كما أن الاتفاق الذي توسطت فيه السعودية لا يقل خطورة. فلا يزال العداء بين الفصيلين حاضرا بصورة كبيرة، ويعبر المسؤولون من كلا المجموعتين عن تشاؤمهم من متانة الاتفاق. وتأخر حفل التوقيع مرارا وتكرارا، وذلك بفضل القتال الذي دار بين الحكومة وقوات المجلس الانتقالي. ويريد المجلس جنوبا مستقلا، وسيحاول استخدام الاتفاق مع حكومة "هادي" لتعزيز موقفه المحلي وتعزيز مكانته الدولية. ومن جانبها، ستعمل حكومة "هادي" على إفشال طموحات المجلس الانتقالي الجنوبي السياسية وإضعاف قدراته العسكرية.

وقد تمت صياغة الاتفاق بشكل غامض، ولم يقدم الكثير من الإرشادات حول مسار أو كيفية تنفيذ بنوده، وهو يحدد جدولا زمنيا غير واقعي لدمج القوات العسكرية والأمنية المتنافسة، ويترك آلية حدوث هذا الاندماج دون تحديد، فيما يكرر الاتفاق أوجه قصور شابت الاتفاقات الفاشلة السابقة في اليمن. وقد بادر كل من حكومة "هادي" والمجلس الانتقالي بالإعلان عن الاتفاق بوصفه نصر لصالحه، ولم يُظهر أي طرف رغبة في التنازل عن السلطة للآخر. وتوجد أيضا مخاوف بشأن قدرة الرياض على إدارة تنفيذ الاتفاق. ونظرا لدعم الرياض المستمر لـ "هادي"، يمكن للبعض في معسكر الرئيس أن يستنتج أن لهم اليد العليا. وإذا شعرت حكومة "هادي" بمثل هذه الثقة المفرطة، فقد لا تكون حريصة على منع تجدد القتال مع المجلس الانتقالي الجنوبي.

وحتى لو تم تثبيت اتفاق تقاسم السلطة بين الحكومة والمجلس الجنوبي، واستمرت عملية خفض التصعيد السعودية الحوثية في المسار الصحيح، فسوف يبقى الطريق إلى سلامٍ دائمٍ في اليمن طريقا طويلا. ولن يمكن بسهولة محو نحو 5 أعوام من القتال اجتاحت أجزاء كبيرة من النظام القديم وغيرت المشهد السياسي في البلاد. وفي بداية الحرب، كان كل من الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي من القوى الناشئة. والآن، تحول كل منهما إلى قطب من أقطاب النفوذ في البلاد، حيث يسيطر الحوثي على شمال غرب البلاد، ويسيطر المجلس الانتقالي على عدن ومحيطها المباشر. وتأتي حكومة "هادي" وحلفاؤها في السلطة، بمن في ذلك "الإصلاح" والجنوبيون خارج سيطرة المجلس الانتقالي، كطرف ثالث في صراع النفوذ يتمتع بالهيمنة فقط في شرق اليمن.

وسوف يعتمد نجاح السعودية في تحقيق السلام في اليمن على مدى قجرتها على إدارة المفاوضات بين الأطراف المختلفة، وإقناع حكومة "هادي" بضرورة السلام مع الحوثيين. لكن حتى في الوقت الذي يسهل فيه السعوديون المفاوضات داخل اليمن، فإن اليمنيين هم الذين سيقررون النتيجة. ويمكن القول إن تسوية النزاعات الدائرة في اليمن أصبحت أقرب الآن مما كانت عليه في أي وقت خلال الأعوام الماضية، لكن هذا لا يعني أن السلام بات قاب قوسين أو أدنى. ولم يتم حل بعض القضايا الجوهرية مثل مسألة ما إذا كان الجنوب سينفصل في النهاية أم لا، وقد تؤدي تلك المسائل الشائكة إلى مزيد من العنف بغض النظر عما يحققه الدبلوماسيون. ومع ذلك، توجد الآن فرصة نادرة للبدء في إنهاء الحرب، ولا ينبغي تفويتها.

المصدر | ترجمة وتحرير الخليج الجديد - فورين أفيرز