الأربعاء 20 نوفمبر 2019 07:52 م

بعد إنشاء الدولة العراقية عام 1921، اختار الشيعة العراقيون إلى حد بعيد تجنب السياسة لعقود من الزمن، حيث تأثروا بالانقسام المرير الذي وضعهم في مواجهة السنة، ولطالما كانوا فخورين بجذورهم اليمنية والحجازية، لكنهم لم ينجذبوا أبدا إلى القومية العربية.

ومع ذلك، فقد استوعبوا التأثيرات القومية العربية في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1958 الذي أطاح بالملكية الهاشمية، والأهم من ذلك، بعد الانقلاب البعثي المتطرف الذي أوصل "صدام حسين" إلى السلطة عام 1968، فقد غمر النظام البعثي الشيعة العراقيين بالخطاب السياسي والثقافي القومي، وخلال زمن الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، تحول هذا الخطاب إلى دعاية معادية للفارسية.

وتجاهل الشيعة اضطهاد "صدام"، الذي توِج بإعدام رجل الدين المعارض البارز "محمد باقر الصدر"، الذي أصدر مرسوما دينيا يحظر العضوية في حزب البعث، وقاتل معظمهم من أجل العراق ضد إيران، وهي دولة ذات أغلبية شيعية.

وقد لعب الشيعة، الذين يمثلون ثلثي سكان العراق، دورا حاسما في كسب الحرب؛ ما أدى في النهاية إلى زيادة الهوية الوطنية العربية لديهم، مع العداء على نطاق واسع لقيام دولة ذات أيديولوجية شيعية.

تسييس الهوية الطائفية

وبدأت انتفاضة 1991 في البصرة، التي انتشرت في جميع أنحاء جنوب العراق، من قبل جندي عراقي شعر بالإهانة من الهزيمة في حرب الخليج الأولى، وتسبب سحق الحرس الجمهوري الوحشي للانتفاضة الشيعية في تحول الشيعة إلى التقوقع، وتحول تركيزهم من القومية العراقية إلى المخاوف الطائفية.

وأدى سقوط نظام "صدام" في عام 2003 إلى نظام سياسي جديد قائم على التسوية الطائفية، التي أعطت الشيعة مكانهم داخل أروقة السلطة العراقية، ومنحتهم سيطرة ساحقة على الدولة ومواردها.

وأصبح فيلق "بدر"، الذي تم إنشاؤه في طهران عام 1982، الجناح العسكري لحزب سياسي شيعي يُعرف باسم "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق"، وقادت المنظمة التي قاتلت إلى جانب إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية، التمرد عام 1991، وانضم إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة للإطاحة بنظام "صدام" في عام 2003، كما استفادت من الفراغ الذي خلفه انهيار الحكومة بعد ذلك.

وبحسب مقال "هلال خشان" الذي  ترجمه "الخليج الجديد" عن مركز "جيوبوليتيكال فيوتشرز" الأمريكي، فقد سمح سوء التخطيط بعد الحرب من قبل الأمريكيين لإيران باستخدام "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، والميليشيات الشيعية التي تمولها إيران، لسحق العراق واختراق مراكز قوته.

وعلى الرغم من الانتشار السريع للنفوذ الإيراني في العراق، وخاصة في الجنوب، لم ينسجم الترويج الإيراني لهوية طائفية بشكل جيد مع معظم الشيعة، الذين يعتبرون أنفسهم أحفاد قبائل كبرى تنحدر من الجزيرة العربية.

وسعى "إبراهيم الجعفري"، قائد الحكومة الانتقالية في العراق في الفترة (2005 - 2006) إلى استبدال التراث العربي الشيعي العراقي بهوية طائفية ضيقة، ولطالما سعت المؤسسة الدينية الإيرانية للسيطرة على الشيعة العراقية واستبدال "آية الله علي السيستاني"، الذي لا يوافق على ولاية "الخميني"، بزعيم روحي موالٍ.

وقد أدت هذه السياسة إلى نتائج عكسية، وعلى الرغم من الدعم المالي الإيراني للطلاب في الأكاديميات الدينية في النجف، ظل الحجاج الإيرانيون غير مرحب بهم عموما في المدينة المقدسة.

ومنذ عام 2003، ظهر ما يقرب من 70 من الميليشيات الشيعية التي ترعاها إيران، ومعظمها تم شرعنته من قبل الحكومة في بغداد، ودعمت إيران هذه الجماعات ماليا، بما في ذلك قوات "الحشد الشعبي"، التي كانت نشطة في قتال تنظيم "الدولة الإسلامية".

ولم تنجح هجمات المتشددين على الأضرحة الشيعية المقدسة في أوائل القرن العشرين، واستيلاء تنظيم "الدولة الإسلامية" على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، في إقناع سوى أقلية شيعية فقط بأنه ينبغي النظر إلى إيران كحليف موثوق به.

وعلى العكس، تعمق انعدام الثقة بإيران في العراق، وامتد عبر الخطوط الطائفية. وعلى الرغم من التصريحات التي لا تنتهي حول التضامن مع العراق، فإن إيران، التي لا تزال تتألم من ذكرى هزيمتها في حرب السنوات الثمانية، وتساهم في عدم استقرار البلاد من خلال تزويد الميليشيات المختلفة بالأسلحة والمتفجرات؛ لذا فهم شيعة العراق أن إيران تريد أن يبقى بلدهم دولة ضعيفة ومجزأة.

أزمة هوية

ولا تعد الشكوك حول إيران في العراق مفاجئة على الإطلاق؛ لأن الشيعة والسنة العراقيين، الذين ينحدرون من نفس القبائل، متجانسون ثقافيا وعرقيا.

وينحدر معظم الشيعة العراقيين من البدو السابقين، تبنوا المذهب الشيعي في القرن التاسع عشر بعد تطور النجف إلى مدينة إقليمية ومركز اقتصادي في وسط العراق، وهم جزء من الصراع الوطني بين العرب والفرس، الذي يعود إلى الفتح الإسلامي لبلاد فارس وسقوط الإمبراطورية الساسانية في القرن السابع.

وقد اختفى هذا الصراع المتجذر منذ قيام "الخميني" بثورة إسلامية، لكن الشيعة يشتركون مع السنة في الاعتقاد بأن النفوذ الإيراني يضر فعلا بالعراق، ويجادلون بأن إيران ترى العراق كقاعدة لها في الحرب مع الولايات المتحدة، وجزءا رئيسيا من خطتها لتأسيس نفسها كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط.

ومن الأمثلة على المظالم العراقية ضد الإيرانيين، سياسات طهران بشأن إدارة المياه. فبعد عام 2003، قامت إيران بتسريع سياسة الشاه في بناء السدود وتحويل روافد نهر دجلة الرئيسية، مثل "الزاب الصغير" و"كارون"، التي تغذي شط العرب جنوب بغداد.

وتقوم إيران بإلقاء المخلفات في النهر، وهو المصدر الرئيسي للمياه في البصرة، ويلومها العراقيون على نقص المياه وزيادة ملوحتها، وكذلك تدميرها المتعمد لصناعة صيد الأسماك في بلادهم.

ويشعر العديد من الشيعة العراقيين، الذين مزقتهم الهيمنة القمعية البعثية ثم هيمنة الميليشيات الجشعة المؤيدة لإيران، والتخلي عنهم من قبل الدول العربية الغنية في الخليج، بأنهم فقدوا شعورهم بالهوية، ويرون أنفسهم على أنهم سكان محاصرون، فيما يصورهم العرب السنة على أنهم غير جديرين بالثقة بينما يتلاعب بهم الإيرانيون.

وفي الواقع، يريد عدد كبير من الشيعة العراقيين حل أزمة الهوية، ويبدو أنهم استقروا على الهوية القومية العربية، وفقدوا الأمل في أن نظام ما بعد "صدام" سيحررهم من القمع الذي عانوا منه، وخلصوا إلى أن الوقت قد حان لينتهي هذا النظام.

وخلال الشهر الماضي، اندلعت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في العديد من المدن، بما في ذلك البصرة وبغداد. وقام المتظاهرون الغاضبون بإحراق صور "الخميني"، الذي يحظى باحترام من قبل الأحزاب السياسية والميليشيات الشيعية العراقية، وأشعلوا النار في القنصلية الإيرانية في كربلاء.

وفي البصرة، هتفوا: "إيران برة، البصرة تبقى حرة". وفي الناصرية، جنوب شرق بغداد، أحرقوا مكاتب الأحزاب الموالية لإيران، وكذلك مقر "منظمة بدر".

ويكشف حجم ونطاق المظاهرات التي انتشرت في جميع أنحاء جنوب ووسط العراق، عن حجم الغضب من النفوذ الإيراني في البلاد، الذي أصبح مرادفا للفساد والفقر والبطالة.

وأدى ارتفاع البطالة بين الشباب وارتفاع مستويات الفقر في جنوب العراق الغني بالنفط إلى تأجيج الاحتجاجات، لكن من الواضح أن المظاهرات، التي استخدمت الحكومة القوة المفرطة لإخمادها، تتعلق بأزمة البحث عن هوية حقيقية أكثر مما تفعله بشأن مستويات المعيشة.

ويريد المتظاهرون استعادة كرامتهم وتحرير أنفسهم من قبضة إيران، حيث يرفض معظم العراقيين، سواء كانوا من العرب السنة أو الشيعة، أي صلة ثقافية مع جيرانهم الفرس، ويرون أن علاقتهم بإيران "روحانية بحتة".

إيران راسخة في العراق

وفي الأعوام السابقة، اتجه الشيعة العراقيون إلى إيران على مضض، بعد أن كان "صدام حسين" قد قطع اتصال العراق بالعالم الخارجي واتجاهاته التحررية.

ومع ظهور ثورة المعلومات، نشط الشيعة العراقيون بعد عام 2003، وحاولوا كسر القيود الطائفية التي استخدمتها إيران لربط البلدين معا، بعد أن قدمت ملاذا للمعارضين الشيعة في الثمانينيات، الذين أصبحوا حكام نظام ما بعد البعث في بغداد، وهو ما جعل إيران تسيطر على مراكز القوة في النظام السياسي العراقي وقواته المسلحة.

وفي هذا الصدد، لا يختلف العراق عن الدول العربية الأخرى؛ فعلى الرغم من الانقسام بين الجمهور والحكام الاستبداديين، يستمر هؤلاء الحكام في ممارسة السلطة في القمة؛ لأنهم على استعداد لاستخدام القوة المفرطة لمنع حدوث أي تغيير سياسي حقيقي.

ويبرز المواطنون العراقيون من جميع الطوائف كقوة سياسية حقيقية، لكن أمامهم عملية طويلة ومؤلمة، ولا يمكن للمرء إلا أن يأمل في أن تنمو لتصبح غير قابلة للتدمير. وفي غضون ذلك، تبدو إيران في وضع جيد للحفاظ على سيطرتها على مراكز القوة في العراق لبعض الوقت.

المصدر | هلال خشان - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة الخليج الجديد