الاثنين 2 ديسمبر 2019 08:09 ص

ما بعد احتجاجات لبنان: بين "حزب الله" وحزب الشعب

بعد الاحتجاجات المُزلزلة ما المقاربة الفضلى في المرحلة المقبلة؟

نجح المتظاهرون اللبنانيون في تحقيق أحد مطالبهم، وهو استقالة رئيس الوزراء المحاصَر.

أفضى تمسُّك "حزب الله" بالوضع القائم إلى تشويه الصورة التي يُحبّذ الظهور بها كمدافع عن الفقراء والمظلومين.

تمكّن "حزب الله" مع أنه طرف أساسي في الحكومة، من التملّص من أي مساءلة عن أوضاع البلاد المؤسفة.

*     *     *

بقلم | مهى يحيى

في 28 تشرين الأول/أكتوبر، قدّم رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته بعد أسبوعَين من موجة الاحتجاجات التي عمّت مختلف أنحاء البلاد. وفي حين أن الشرارة وراء اندلاع التظاهرات كانت اقتراح فرض ضريبة على استخدام الاتصالات الهاتفية عبر الإنترنت، سرعان ماتحوّلت الحركة الاحتجاجية إلى إدانة أوسع نطاقاً للقيادة السياسية في البلاد والأزمة الاقتصادية المستفحلة والمنظومة الطائفية لتقاسم السلطة.

بلدٌ مأزوم

بلغت الأزمة الاقتصادية في لبنان مرحلة الغليان، إذ يُقدَّر الدين العام بـ150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتُسجّل البلاد نمواً اقتصادياً سلبياً، ويشهد سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار تذبذبات في السوق السوداء، وتلوح مؤشرات التضخّم، في ظل ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية بنسبة تتراوح من 15 إلى 30 في المئة.

في غضون ذلك، تُسجّل مدركات الفساد معدلات مرتفعة غير مسبوقة. فلبنان يشغل المرتبة 138 ضمن تصنيف منظمة الشفافية الدولية للدول الأكثر فساداً في العالم. وفي حين أن التململ الاقتصادي كان القشّة التي قصمت ظهر البعير وأدّت إلى اندلاع الاحتجاجات.

ثمة هوّة سحيقة بين الأفرقاء السياسيين في لبنان من جهة، وبين المواطنين الذين يمثّلهم هؤلاء الأفرقاء. ويعتبر المتظاهرون أن سوء إدارة الطبقة السياسية المذهبية للبلاد سياسياً واقتصادياً أفضى حصراً إلى انتفاع أفراد النخبة. وقد انخفض المستوى المعيشي للمواطنين من مختلف المذاهب، وتراجعت آفاقهم المستقبلية.

وندّد المشاركون في الاحتجاجات أيضاً بالمنظومة المذهبية السائدة لتقاسم السلطة في البلاد، والتي تُوزَّع المناصب الحكومية بموجبها بين المذاهب والمجموعات الإثنية المختلفة بغية ضمان تمثيل الطوائف والجماعات كافة في الحكم، والحد من احتمالات نشوب نزاع طائفي. بيد أن المنظومة أتاحت للنخب السياسية المذهبية، وتحديداً لأمراء الحرب الذين تحوّلوا إلى سياسيين، اختطاف التمثيل الطائفي وإنشاء شبكات محسوبية على حساب الدولة.

لماذا كانت هذه الاحتجاجات مختلفة

تميّزت الاحتجاجات الراهنة في إقدام المتظاهرين من مختلف الأطياف، ولأول مرة، على انتقاد زعمائهم الطائفيين. وكان حجم الاستياء صاعقاً للنخبة السياسية، إذ لم يوفّر زعيماً أو حزباً سياسياً.

ولعل المفاجأة الأكبر هي المعارضة التي ظهرت في صفوف الطائفة الشيعية التي نادراً ماتُوجّه انتقادات علنية لزعماء التنظيمَين السياسيين الأساسيين، حزب الله وحركة أمل.

رد فعل حزب الله

إن رد حزب الله على الاحتجاجات عبّرَ عنه أمينه العام حسن نصر الله في خطابَين. فقد أبدى في البداية تفهّمه لغضب المتظاهرين، لكنه رفض المطالبات باستقالة الحكومة ورئيس الجمهورية وبإجراء انتخابات نيابية مبكرة استناداً إلى قانون جديد. واعتبر أن الاحتجاجات التي تعمّ مختلف أنحاء البلاد والغضب الشعبي من الوضع القائم والأوضاع الاقتصادية المتدهورة يندرجان في إطار مؤامرة لتقويض حزب الله وشرعيته. وعلى هذا الأساس، اختار الإبقاء على الوضع القائم وعلى منظومة سياسية أمّنت الحماية لحزبه، ملتقياً في موقفه هذا مع رد الفعل الذي أظهره أيضاً الأفرقاء الموالون لإيران في العراق حيث لقي مئات المتظاهرين مصرعهم في الأسابيع القليلة الماضية.

في غضون ذلك، وصف المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي، وهو بمثابة العرّاب الإقليمي لحزب الله، التظاهرات في لبنان والعراق بأنها مؤامرة خارجية ضد البلدَين.

التداعيات السياسية

إن استقالة الحريري - بسبب ضغط الشارع وعدم استعداد شركائه لإيجاد حل سياسي للأزمة – سمحت له باستعادة بعضٍ من رصيده السياسي.

بيد أن الثمن الذي تكبّده حزب الله وشريكه الأساسي، رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره، وزير الخارجية جبران باسيل، كان كبيراً. ففي مايتعلق بعون، سدّدت استقالة الحكومة ضربة قوية لعهده، شأنها في ذلك شأن العداء الملموس حيال جبران باسيل في الشارع. وفي مايتعلق بحزب الله، فقد أُضعِف شريكه المسيحي الأساسي في لبنان.

كذلك، أفضى تمسُّك حزب الله بالوضع القائم إلى تشويه الصورة التي يُحبّذ الظهور بها كمدافع عن الفقراء والمظلومين. لقد تمكّن الحزب، مع أنه طرف أساسي في الحكومة، من التملّص من أي مساءلة عن الأوضاع المؤسفة التي آلت إليها البلاد.

لكن، قُوِّضَت مكانته كمدافع عن حقوق الشيعة في لبنان. فالشيعة، على غرار سائر اللبنانيين، يعتبرون أن الأوضاع المتردّية ناجمة عن سياسة المحسوبيات وشبكات الزبائنية التي ساهمت المنظومة الحاكمة، التي يُعتبر حزب الله جزءاً منها، في نشوئها.

يعتبر حزب الله أن التعامل مع المعارضة الداخلية طريقٌ شاق. إنه حزب عسكري وديني يتّصف بالطابع الأبوي وبالتراتبية الهرمية الشديدة. وقد اضطُرّ الحزب إلى خفض الرواتب والحد من خدماته الاجتماعية جراء تناقص أمواله. وفي مواجهة الاحتجاجات الواسعة، كان رد فعله الأولي اللجوء إلى تكتيكات القوة والترهيب.

السؤال المطروح الآن هو الآتي، إلى أي حد يُبدي حزب الله استعداده للوصول من أجل قطع الطريق أمام المعارضين؟ لقد اكتفى الحزب، حتى الآن، بإرسال بلطجية لفضّ الاحتجاجات في بيروت وجنوب لبنان.

وإلى جانب حركة أمل، الحزب السياسي الشيعي الأساسي الآخر، قطعَ حزب الله الطريق أيضاً على تنظيم احتجاجات أو ظهور بوادر معارضة في القرى والبلدات الواقعة جنوب لبنان. قال لي أحد المتظاهرين الشباب في المنطقة: "ما المشكلة في ترك الأشخاص يعبّرون عن رأيهم؟ تقول لهم أنت جائع، فيجيبونك أنت عميل أجنبي".

المرحلة المقبلة

يواجه الرئيس عون وحزب الله معضلة. فمنحُ تنازلات للمتظاهرين قد يولّد انطباعاً بأنهما ضعيفان. لكن اللجوء إلى مزيد من العنف لن يؤدّي سوى إلى التسريع في الانهيار الاقتصادي ومايترتب عن ذلك من تداعيات اجتماعية.

نظراً إلى الأوضاع الاقتصادية، ينبغي على الطبقة السياسية في لبنان المبادرة سريعاً إلى تسمية رئيس جديد للحكومة يكون مقبولاً منها ومن المتظاهرين على السواء. لاتملك البلاد ترف إضاعة الوقت في المساومات التي تحصل عادةً عند تشكيل الحكومات.

في حال حدوث انهيار اقتصادي وتراجع سعر صرف الليرة، قد يخسر المواطنون اللبنانيون مداخيلهم ومعاشاتهم التقاعدية ومدّخراتهم، ومن الممكن أن يصبح نصف الشعب اللبناني ضمن مستوى الفقر. عندئذٍ قد يبلغ الغضب الشعبي مستويات أكبر بكثير مما شهدناه حتى تاريخه.

ثلاثة خيارات

في هذا السياق، غالب الظن أن حزب الله وحلفاءه سيتفاوضون مع الأفرقاء السياسيين الآخرين في البلاد على واحد من ثلاثة خيارات:

- الخيار الأول هو الطلب من الحريري تأليف حكومة جديدة يكون وزراؤها تكنوقراطاً من غير السياسيين أو مزيجاً من وزراء سياسيين ومستقلين تختارهم مختلف الأحزاب السياسية. هذا الخيار مستبعَد في المرحلة الراهنة، نظراً إلى أنهم رفضوا في الأصل إجراء تعديل وزاري في حكومة الحريري في ذروة الاحتجاجات.

- الخيار الثاني الأكثر ترجيحاً هو الموافقة على تشكيل حكومة إنقاذ وطني برئاسة شخصية سنّية مستقلة تحظى بموافقة الحريري. وستتألف هذه الحكومة أيضاً من وزراء مستقلين غير متورطين في الفساد، أو من مزيج من الاختصاصيين والسياسيين. وستكون مهمتها تنفيذ خطة إصلاح اقتصادية، لكنها لن تنظّم بالضرورة انتخابات مبكرة، وفقاً للمطلب الذي يرفعه المتظاهرون.

ويُعتبَر التوصل إلى إجماع بين مختلف مكوّنات الطبقة السياسية ضرورياً لتشكيل حكومة مماثلة. تتأثّر مؤسسات الدولة إلى حد كبير بالأفرقاء السياسيين المختلفين، لأنهم يمتلكون القدرة على عرقلة عمل الوزراء أو دعمه. وقد يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين إلى التوصّل إلى توافق، عندما يدركون أن البلاد قد تغرق في الفوضى إذا لم يبادروا إلى التصرّف.

- الخيار الثالث، وهو الأقل مؤاتاةً في المرحلة الراهنة، يتمثّل في اتخاذ حزب الله موقفاً رفضياً، بالتنسيق مع حركة أمل والتيار الوطني الحر أي تيار عون.

من شأن هذه الخطوة أن تُعرِّض البلاد لأخطار أكبر، لأنها قد تنطوي على تشكيل حكومة من دون كتلة الحريري، الأمر الذي سيثير امتعاض أنصاره ولن يكون أيضاً موضع ترحيب من المجتمع الدولي الذي سيعتبر على الأرجح أن حزب الله يضع، من خلال هذه الخطوة، يده على البلاد.

وقد ينطوي هذا الخيار أيضاً على استعراض أوسع للقوة ضد المتظاهرين العزّل، ما سيؤدّي إلى تدهور إضافي على مستوى استقرار البلاد، ومن الممكن أن ينزلق لبنان نحو نزاعٍ أهلي. هذا الخيار مستبعد في المرحلة الحالية، نظراً إلى حرص حزب الله على الحفاظ على الاستقرار في ضوء التحدّيات الإقليمية.

صحوة وطنية

يُصنَع التاريخ راهناً في لبنان. تقف البلاد وشعبها عند أحد أهم المنعطفات على مدار مئة عامٍ من ولادة لبنان الكبير. ويُحفّز شعورٌ بالصحوة الوطنية المطالبة بالانتقال من سياسة قائمة على الهوية إلى حكومة تُركّز على حقوق المواطَنة وواجباتها.

وهذا يعكس تغييراً مجتمعياً جوهرياً سوف يؤثّر في مستقبل لبنان. فإما تدفع القيادة السياسية والمواطنون اللبنانيون في الشارع بالبلاد نحو مسارٍ أكثر إشراقاً واستدامة، وإما ينتهي بهم الأمر عالقين من جديد في براثن نزاعٍ أهلي مرير.

* مهى يحيى مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، مهتمة بالمواطنة والتعددية والعدالة الاجتماعية عقب الانتفاضات العربية.

المصدر | مركز كارنيغي للشرق الأوسط