الاثنين 2 ديسمبر 2019 02:34 م

لبنان يحتاج إلى حكومة حالاً

يريد اللبنانيون أن يُقرّروا مستقبلهم بأنفسهم، لكن هل ستفهم النخبة السياسية ذلك؟

جهود صدّ مطالب التغيير تستهدف إعادة عقارب التاريخ للوراء ولن تؤدّي سوى إلى تأجيل المحتوم وقد تدمر البلاد.

*     *     *

بعد انقضاء شهر ونيّف على اندلاع تظاهرات حاشدة في لبنان، وبعد مرور ثلاثة أسابيع على استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، لايزال لبنان يتخبّط في المأزق السياسي. وتستمر النخبة السياسية في التصرف وكأن شيئاً لم يكن، وتخوض خلف الكواليس مساومات لتشكيل حكومة جديدة على وقع المحاولات التي يبذلها المسؤولون السياسيون للإبقاء على نفوذهم. ويأتي ذلك فيما يقف لبنان على حافة انهيارٍ اقتصادي ومالي كامل، مع مايترتب عنه من تبعات كارثية على أبناء البلاد.

تعجز خزينة الدولة عن تسديد خدمة الدين العام البالغ 86مليار دولار. وليست لمصرف لبنان القدرة على تسديد الفوائد السنوية وقدرها 4 مليارات دولار يدين بها للمصارف التجارية مقابل الودائع البالغة قيمتها 60 مليار دولار. وقد سجّلت التحويلات من المغتربين اللبنانيين فضلاً عن الاستثمارات الخارجية المباشرة انخفاضاً شديداً بسبب تراجع الثقة بالبلاد بالإضافة إلى الانكماش المالي العالمي وهبوط أسعار النفط.

هذا وتتخطّى نفقات الدولة إيراداتها. ففي العام 2018، بلغت الإيرادات من الضرائب ومصادر العائدات الأخرى 11.5 مليار دولار، في حين وصلت النفقات إلى 17.7 مليار دولار. وخُصِّص نحو 36 في المئة من هذه النفقات لخدمة الدين العام، فيما أُنفِقت نسبة 11 في المئة على تمويل شركة كهرباء لبنان التي تفتقر إلى الفاعلية.

المحصّلة كارثية للمواطنين اللبنانيين. وسفينة البلاد الاقتصادية والمالية تسير على غير هدى. تعاني المصارف من شح السيولة، ويتخطى الطلب على الدولار العرض بأشواط كبيرة. تفرض المصارف قيوداً على التحويلات إلى خارج البلاد أو مايُعرَف بالـ"كابيتال كونترول"، ولو بصورة انتقائية.

وعمدت أيضاً إلى خفض السقف الائتماني للشركات، مايُلقي بدوره بثقله على الاقتصاد الذي يعتمد إلى حد كبير على الواردات. ونتيجةً لذلك، تُغلق شركات أبوابها، ويجري تسريح الموظفين أو يُقتطَع جزءٌ من رواتبهم. وفي غضون ذلك، ارتفعت أسعار السلع الأساسية من 5 إلى 15 في مئة خلال الشهر المنصرم، ويُتوقَّع حدوث نقص فيها.

وفيما يحافظ المصرف المركزي، رسمياً، على سعر صرف الليرة عند 1507 ليرات لبنانية مقابل الدولار، بدأت قيمة الليرة بالتراجع، مع بلوغ سعر الصرف لدى الصرّافين – الذين باتوا المصدر الوحيد للدولار – 1900 ليرة لبنانية مقابل الدولار.

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، من شأن تراجع سعر صرف الليرة بنسبة 30 في المئة أن يؤدّي إلى ارتفاع معدّل الفقر إلى أكثر من 50 في المئة من السكان، بسبب مايترتب عن ذلك من تضخم وتراجع في قيمة الرواتب والمعاشات التقاعدية من جملة أمور أخرى.

السؤال المطروح بالنسبة إلى النخبة السياسية في لبنان هو الآتي، مَن سيتحمّل الفاتورة السياسية والاقتصادية التي يتسبب بها سوء الإدارة الشديد لشؤون البلاد؟ على الصعيد السياسي، تواجه القوى السياسية الرئيسة تحدّياً وجودياً.

فجميع الأفرقاء ارتبطت صورتهم بالانتماءات الفئوية أكثر منه بالأفكار. وقد اختزلت الطبقة السياسية في لبنان حسابات السياسة المعقّدة بمسألة واحدة هي البقاء في مواقعها.

اليوم، يخشى السياسيون في لبنان أنّ الموجة الديمغرافية والاجتماعية تنقلب ضدهم. وعندما يتكوّن انطباعٌ لدى القوى السياسية التي مارست السلطة لوقت طويل، بأن أفولها محتوم، سوف تستميت من أجل الحفاظ على الامتيازات التي اكتسبتها، مهما كلّفها الأمر. وقد يشتمل ذلك على اللجوء إلى العنف بمختلف أشكاله.

في هذا السياق، إغواء الاستعانة بالقوى الخارجية للحصول على دعمها، كبيرٌ جداً، مثلما درجت العادة في لبنان. لقد عبّرت كل من روسيا وإيران عن دعمٍ لالبس فيه للوضع القائم الذي يتجسّد من خلال التحالف بين حزب الله والتيار الوطني الحر.

وفي حين اتّهم المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، قوى خارجية بالوقوف خلف احتجاجات لبنان، قال ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي ومبعوث الكرملين الخاص في الشرق الأوسط، في بيان إن روسيا ترفض أي نفوذ خارجي في لبنان.

وجاء بيان بوغدانوف على إثر اجتماعه بأمل أبو زيد، مستشار الرئيس ميشال عون. وقد سارعت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، مورغان أورتاغوس، إلى الرد عبر تأكيد الدعم الطويل الأمد الذي تقدّمه الولايات المتحدة للبنان. وفي منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، أرسلت فرنسا مبعوثاً إلى بيروت لدعم انطلاق حوارٍ بين اللبنانيين.

إن تعويل الطبقة السياسية على الدعم الخارجي لإبقاء الأمور على حالها يحمل في طيّاته خطر تحويل لبنان إلى البؤرة الأساسية لمواجهةٍ جيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران وروسيا، مع مايترتب عن ذلك من تداعيات كارثية على اللبنانيين.

فالأوضاع الراهنة في لبنان دقيقة جداً إلى درجة أن أعمال العنف، ولو كانت محدودة، قد تؤدّي سريعاً إلى زعزعة الاستقرار في البلاد. وفي حين أن الشعور المتنامي باليقظة الوطنية لايزال ربما في بدايته، يكشف النضوج السياسي الذي أظهره الشباب في الشارع أن الجهود الآيلة إلى صدّ مطالب التغيير تهدف في الواقع إلى إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء. وهي لن تؤدّي سوى إلى تأجيل المحتوم، وقد تتسبب بتدمير البلاد.

ينبغي على الطبقة السياسية تجنُّب الهبوط الارتطامي الذي سيكون كارثياً للبنان واللبنانيين، بما في ذلك مناصرو الأحزاب السياسية. وعليها أيضاً أن تردم الهوّة بين الحكومة وشعبها، وكذلك مع المجتمع الدولي.

لذلك من الضروري والملح أن تبادر إلى تكليف رئيس للوزراء، على أن يُسمَح له بتشكيل حكومة من المستقلين المتخصصين في مجالاتهم، والذين يتحلون بالنزاهة الأخلاقية والشجاعة لاتخاذ قرارات صعبة.

ويجب أن يقتصر تفويض الحكومة العتيدة، حصراً، على التركيز على وضع خطة طارئة للنهوض الاقتصادي، وتثبيت دعائم المؤسسات الرقابية، وإقرار قانون انتخابي جديد. ويجب أن تشتمل الخطة الاقتصادية على دعم فوري للموازنة، يؤمّنه على الأرجح المجتمع الدولي أو المؤسسات المالية الدولية.

وينبغي أن تتضمن أيضاً خيارات للإصلاح البنيوي، وخطة لإعادة هيكلة الديون تتيح تقاسم الأعباء على نحوٍ منصف، وحمايات اجتماعية من شأنها تخفيف التأثيرات الاقتصادية عن كاهل اللبنانيين، لاسيما الشرائح الأكثر هشاشة.

يجب أن يأخذ القانون الانتخابي في الاعتبار الوقائع السياسية والاجتماعية الجديدة في لبنان. ويشتمل ذلك على خفض سن الاقتراع إلى ثمانية عشر عاماً من أجل السماح للشباب بالتصويت، مع إفساح مساحة أكثر إنصافاً أمام الأحزاب السياسية الحديثة العهد والمرشحين المستقلين، ليتمكّنوا من التنافس مع الأحزاب والوجوه السياسية التقليدية. وإلا سوف يستمر المحتجّون، وفق ماظهر بوضوح، في الإصرار على تسلّم زمام مستقبلهم بأنفسهم.

وقد ينظر الزعماء السياسيون الحاليون في لبنان، ومعظمهم كانوا لاعبين أساسيين في الحرب الأهلية، في سلوك مسار بديل. ربما يبدو الأمر مستبعداً إلى حد كبير، ولكن قد يُقرّ هؤلاء بأن زمن السياسة القائمة على الهوية وزمن الرأسمالية الزبائنية قد ولّى. ومن أجل تأمين بقائهم، عليهم أن يُفكّروا في طريقة للتحوّل على المستوى الشخصي، وتوسيع قاعدتهم، والانتقال إلى سياسة قائمة على الأفكار وقادرة على حشد الدعم الشعبي.

قد يبدو ذلك وكأنه يعني انتحار القوى السياسية، ولكن ربما يكون المفتاح لبقائها في المدى الطويل. فقد تبيّن خلال الشهر المنصرم أن اللبنانيون يريدون، في الجزء الأكبر منهم، عقداً اجتماعياً جديداً مع دولتهم، يتجسّد من خلال منظومة حكم تعترف بحقوقهم وواجباتهم كمواطنين متساوين.

ويريدون أن يتناقشوا في مابينهم وأن يُعرَفوا من خلال أفكارهم، لا من خلال معتقداتهم الدينية أو أيديولوجياتهم. ويتطلعون إلى أن تساهم تلك الأفكار في النقاشات حول مايجب أن يكون عليه مستقبل لبنان. ينبغي على الأفرقاء السياسيين الإصغاء إلى هذه المطالب إذا أرادوا ألا يفوتهم الركب.

* مهى يحيى مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تهتم بالمواطنة والتعددية والعدالة الاجتماعية عقب الانتفاضات العربية.

المصدر | مركز كارنيغي للشرق الأوسط