الاثنين 2 ديسمبر 2019 03:53 م

التعذيب ينقذ معتقلي غوانتانامو من الإعدام

شاركت عشرات الحكومات منها 25 أوروبية ببرنامج استجوابات سرية وسجون سرية على أراضيها.

مساهمة حكومات بالقبض على المشتبه بهم ونقلهم واستجوابهم وتعذيبهم وتقديم معلومات استخباراتية للأمريكيين قد يكون مستمرا حتى اليوم.

عدم الكشف عن تقرير لجنة الاستخبارات حول التعذيب والاكتفاء بملخص تنفيذى (8% من التقرير) لا يظهر نية لطي هذه الصفحة السوداء من التاريخ الأمريكى.

*     *     *

بدأت شاشات السينما الأمريكية منذ عدة أيام عرض فيلم «التقرير The Report» الذى يلقى الضوء على استخدام وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سى آى إيه) للتعذيب كوسيلة أساسية فى تحقيقات مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.

ويركز الفيلم على شخصية دانيال جونز، وهو أحد العاملين بلجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ ممن تولوا مسئولية التحقيق فى مخالفات (سى آى إيه) المتعلقة بالتعذيب، وتكشف أحداث الفيلم أن تبعات وآثار عمليات التعذيب مستمرة حتى اليوم، وتؤثر بصورة لم يتوقعها أحد فى محاكمات المتهمين بالإرهاب بمعتقل جوانتانامو الذى يضم حاليا 40 معتقلا.

وأشرف جونز على إعداد تقرير مفصل عن التعذيب جاء فى 6700 صفحة، إلا أنه بقى سريا حتى يومنا هذا لتضمنه ما يضر بالأمن القومى الأمريكى وبسلامة مواطنين أمريكيين حال نشره.

غير أن لجنة الاستخبارات أقرت نشر الملخص التنفيذى للتقرير الذى جاء بدوره فى 525 صفحة عام 2014، وإن قامت بتظليل بعض الأسطر والعبارات حماية لهوية المحققين ولبعض أسرار الأمن القومى.

وفى سبيل إعداد التقرير، اطلع جونز وفريقه على 6.7 ملايين صفحة من الوثائق السرية الرسمية المتعلقة بمعسكر جوانتانانو وغيره من مراكز الاعتقال السرية حول العالم. وجاء فى التقرير أن «برامج التعذيب كانت غير أخلاقية وغير قانونية، إضافة لكونها غير فعالة».

*     *     *

تشير وثائق محاكمة المتهمين فى المعتقل أن «التعذيب وآثاره تعد السبب الرئيسى الذى بسببه لم تنته محاكمة المتهم خالد شيخ محمد وغيره من معتقلى جوانتانامو».

وعرقل تعرض المتهم الرئيسىي والعقل المدبر وراء هجمات 11 سبتمبر خالد شيخ محمد للتعذيب فى التشكيك فيما يقدمه الادعاء ضده، إذ يرد الدفاع أن هذه القرائن والاعترافات تم الحصول عليها أثناء تعذيب المتهم.

كما أن «الاستمرار فى الاحتفاظ ببعض الأسرار مثل إخفاء أسماء من قاموا بالتعذيب، أو مواقع مراكز الاعتقال السرية حول العالم، تعرقل إجراءات المحاكمة»، كما ذكر محامى الدفاع.

وتشغل قضية التعذيب أغلب أوقات المحاكمات التى تجرى داخل قاعات بمعسكر جوانتانامو. «تعرض المتهمين للتعذيب هو سبب إبطاء المحاكمات وعدم حسم القضايا. يتم استدعاء تعرض المتهمين للتعذيب فى كل الجلسات، وبالطبع هذا سلوك مبرر ويمكن تفهمه، ويبدو أن من قام بالتعذيب لم يكن ليدرك ذلك»، طبقا لشهادة من أخت أحد ضحايا 11 سبتمبر والتى تحضر بعض الجلسات.

ودفع الكشف عن تفاصيل بعض عمليات التعذيب إلى سجالات ومعارك قانونية لا تنتهى بين محامى المتهمين وبين المدعين ممثلى الحكومة الأمريكية.

ويدور الخلاف على نقاط، منها سرية المعلومات، وأى الاعترافات المعتبرة، وحصول المتهمين على علاج للتعذيب الذى تعرضوا له، وقانونية نيل المتهمين عقوبات مخففة بسبب تعرضهم للتعذيب.

ويكشف الفيلم كذب ادعاءات "سي آي إيه" أن وسائل التعذيب القاسية المتبعة لن تترك آثارا طويلة المدى على المتهمين، وفى سبيل ذلك استعانت بأطباء متخصصين أثناء عمليات التعذيب. لكن الواقع كان غير ذلك، وعانى المتهمون ممن تعرضوا للتعذيب من آثار مستمرة حتى اليوم.

*     *     *

أشار تقرير الكونغرس إلى عدم فعالية برامج التعذيب وذلك على عكس ادعاءات "سي آي إيه" التى كررت أن التعذيب منع سقوط ضحايا أبرياء جدد. وكشف التقرير أن المعلومات التى ذكرها المعتقلون ممن خضعوا للتعذيب كانت معروفة بالفعل للأجهزة الاستخباراتية من مصادر أخرى، أو تم الحصول عليها من المعتقلين قبل خضوعهم للتعذيب.

ولا يؤمن الكثير من الأكاديميين والخبراء بوجود رغبة جادة من الحكومة الأمريكية فى وقف التعذيب بصورة شاملة ومانعة. ويستشهدون فى منطقهم بأن قرار منع التعذيب أصدره الرئيس باراك أوباما جاء فى صورة أمر رئاسى تنفيذى يمكن لأى رئيس آخر أن يوقف العمل به فى أى وقت يشاء.

كما أن مبادرات بعض أعضاء الكونغرس لتمرير قوانين تمنع التعذيب ما زالت تحتاج تحديث قواعد العمل وطرق التحقيق من جهات أمنية مختلفة.

ويرى هؤلاء الخبراء أن عدم الكشف الكامل عن تقرير لجنة الاستخبارات حول التعذيب، والاكتفاء بنشر الملخص التنفيذى الذى يمثل فقط 8% من حجم التقرير لا يبشر بوجود نية كاملة لطى هذه الصفحة السوداء من التاريخ الأمريكى.

ويستشهد الخبراء كذلك بتعيين جينا هاسبل مديرة لـ"سى آى إيه"، وحصولها على دعم واسع من أعضاء مجلس الشيوخ والتغاضى عن ماضيها. وجدير بالذكر أن هاسبل قد أشرفت شخصيا على معسكر اعتقال سرى فى تايلاند عام 2002 حيث جرى استخدام برامج تعذيب وحشية ضد متهمين بالإرهاب كما أشارت مراسلات سرية تم الكشف عنها من قبل.

*     *     *

رغم قيام واشنطن باعتقال وتعذيب السجناء بطريقة غير مشروعة حتى قبل وقوع هجمات 11 سبتمبر، إلا أن أحدا لم يخضع من المسئولين عن تلك الجرائم للمساءلة سواء من داخل جهاز الاستخبارات أو من الإدارة الحاكمة. وتخلص مسئولى "سي آي إيه" من أشرطة الفيديو التى توثق أساليب التعذيب بالغمر بالماء وغيره من الأساليب القذرة.

ولم ينل أحد منهم أى عقاب، ولليوم فشلت كل المحاولات الرامية لتقديم مرتكبى تلك الجرائم للمحاكم بذريعة حماية أسرار الأمن القومى الأمريكى. ولا يجب أن ننسى أن الولايات المتحدة استعانت بالكثير من الدول من خلال شبكات عابرة للقارات من السجون السرية.

ومن المؤكد أن الكثير من الممارسات التى كشفتها منذ عدة أعوام منظمة «مبادرة عدالة المجتمع المفتوح» الأمريكية فى تقرير مهم لها أن حكومات 54 بلدا أجنبيا، منها 25 دولة أوروبية، شاركت فى برنامج الاستجوابات السرية بأساليب مختلفة.

بما فى ذلك فتح سجون سرية على أراضيها والمساهمة فى القبض على المشتبه بهم ونقلهم واستجوابهم وتعذيبهم وتقديم المعلومات الاستخباراتية للأمريكيين، قد تكون مستمرة حتى يومنا هذا.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن

المصدر | الشروق المصرية