الاثنين 2 ديسمبر 2019 06:03 م

تزامنت إقامتي الأخيرة في إيران مع الحدث الأكثر إثارة للعناوين في العام؛ حيث ارتفعت أسعار الوقود بنسبة تتراوح بين 50% إلى 300% من قبل الدولة، وتحولت المظاهرات اللاحقة إلى عنف مدمر وسط حملة قمع وحشية من قبل قوات الأمن.

وتأتي الحلقة الأخيرة من الاحتجاجات في حين تعاني إيران من أسوأ أزماتها الاقتصادية بسبب سلسلة من العقوبات الصارمة التي فرضتها الولايات المتحدة عليها، فضلا عن سوء الإدارة والفساد الحاد داخل النظام الإيراني.

وهكذا، يبدو الأمر كما لو أن الإيرانيين يواجهون جبهتين؛ الأولى تحالف دولي برئاسة الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية بعيدة المدى على البلد بأسره ويحمل السكان مسؤولية النظام المارق، والثانية نظام استبدادي ينظر إلى أي نوع من الاحتجاج والنقد من جانب شعبه على أنه تهديد أمني، ويعتمد على العنف المسلح والتدابير القمعية لإسكاتهم.

وتسدل الأحداث الجارية، التي بدأت في 15 نوفمبر/تشرين الثاني، الستار النهائي على قصة ثورة عام 1979 التي جاءت محملة في البداية بطموحات لجعل إيران حرة وديمقراطية ومزدهرة لجميع الإيرانيين.

وفي أعقاب الاضطرابات الأخيرة، يجب على المدافعين عن الحكومة الإيرانية والداعين للتغيير والإصلاح من داخل النظام أن يعتبروا أنفسهم متواطئين في الجرائم التي ارتكبتها الدولة، وقد تراجعت السياسة في إيران، ودخل النظام نفقا مسدودا، بينما يضرب الفساد أوصال السلطة، يبدو الشعب مقيدا في التغيير.

ولا يفعل النفاق أي شيء سوى إدامة الوضع الراهن، أي الحكم بالخوف والترهيب الداخلي والإكراه وإراقة الدماء، في ظل مجتمع مدني مصاب بالشلل، باختصار، لقد ماتت الثورة، إلى جانب كل ما تمثله.

تآكل المثل العليا

ومن أجل تقدير أهمية الانتفاضات الجماهيرية الأخيرة باعتبارها المسمار الأخير في نعش ثورة 1979، ينبغي للمرء أيضا أن ينظر إلى الاحتجاجات الطلابية في يوليو/تموز 1999، وكذلك احتجاجات عام 2009، التي أصبحت تعرف باسم "الحركة الخضراء".

وفي الحالة الأولى، كانت الحكومة الإصلاحية للرئيس "خاتمي" قد جاءت إلى السلطة بعد انتخابات عام 1997، وكان الحماس العام لرئاسته منتشرا في كل مكان؛ بعد حملة انتخابية ركزت على مفاهيم المجتمع المدني والسياسات الاقتصادية الليبرالية وسيادة القانون.

وقيل إن "خاتمي" قد نصح أعضاء حكومته بقراءة كتاب "المجتمع المفتوح وأعداؤه" لـ"كارل بوبر" باعتباره المرجع للحركة الإصلاحية الجديدة التي كان يقودها لتعزيز الحوار مع كل القوى الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة.

ومع ذلك، مارس مكتب المرشد الأعلى غير المنتخب، الذي يعمل كدولة موازية في مقابل السلطة التنفيذية، ضغوطا على الحكومة من خلال سلطته على القضاء والاستخبارات حيث أمر القضاء بإغلاق العديد من الصحف الليبرالية، فيما تم استهداف العديد من الشخصيات الإصلاحية من الكتاب والمثقفين المعارضين بحملة اغتيالات شهيرة في عام 1998.

وقد تسبب فشل السلطة التنفيذية في الوفاء بوعودها في استياء واضطرابات، خاصة في الجامعات، وتحولت حركة الاحتجاج التي قادها الطلاب إلى أخطر تحدٍ شعبي يواجه الحكومة منذ الثورة، وبالتالي، كانت الحملة الأمنية اللاحقة شديدة أيضا حيث تم اعتبار أي دعوات إلى الحوار المجتمعي والانفتاح السياسي والتسامح مع وجهات النظر المتعارضة تهديدا كبيرا.

وكانت "الحركة الخضراء" لعام 2009 سياسية بالدرجة الأولى، لأنها تعلقت بالمشاركة العامة في العملية الحكومية، وعلى الرغم من عدم وجود أدلة على الاتهامات المحيطة بالانتخابات الرئاسية لعام 2009، يبدو من المقبول على نطاق واسع أن النتائج تم التلاعب بها لصالح المرشح المفضل من قبل المرشد الأعلى.

ولا توجد في إيران انتخابات حرة في الحقيقة، لأن عملية التصفية المؤسسية متعددة المستويات تضمن أن تترشح فقط الشخصيات المتعاطفة مع الأيديولوجية الأساسية للدولة، وفي المقابل، يتم منح الإيرانيين الحق في الاختيار من بين المرشحين المعتمدين، ويكون فرز الأصوات قانونيا.

ومع ذلك، تم حجب هذا الحق شبه الديمقراطي في التصويت عام 2009، ليتم حرمان الجمهور، مرة أخرى، من وسائل التغيير والإصلاح من داخل النظام.

واندلعت احتجاجات حاشدة في أعقاب رفض كبار المرشحين قبول النتائج، وقامت قوات الأمن، بما في ذلك الشرطة وأفراد من ميليشيا الباسيج وجنود الحرس الثوري الإيراني، بسحق الاحتجاجات بعنف بعد دعوة من المرشد الأعلى للقبول بالنتائج، وتم وضع قادة الحركة الاحتجاجية، "مير حسين موسوي" و"مهدي كروبي"، قيد الإقامة الجبرية دون محاكمة منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.

خلال هذه الموجة الاحتجاجية، ظهرت لأول مرة إلى العلن مقاطع فيديو تم تسجيلها بواسطة الهواتف المحمولة للمتظاهرين، أظهرت مستوى الوحشية التي تمارسها الدولة بما يشمل قتل العشرات واعتقال المئات.

وبعد أن تم منع المعارضين من إصلاح النظام من خلال الانتخابات، أيقن الإيرانيون أنه حتى الحق في التصويت يمكن إهداره إذا تعارضت النتيجة مع إرادة النظام، وكان معظم المتظاهرين في هذه الموجة من شباب من الطبقة المتوسطة وخريجي الجامعات في المدن والمراكز التي عانت تحت حكم "أحمدي نجاد" الذي استبعد المتعلمين تعليما جيدا من فرص العمل.

غضب شامل

وكانت إحدى المجموعات التي امتنعت عن المشاركة في احتجاجات يوليو/تموز 1999 ويونيو/حزيران 2009 هم عمال المصانع والأسواق الأقل تعليما، وكذلك التجار الأثرياء الذين كانوا مهتمين بشكل أساسي بتدفق الأعمال.

وبالنسبة لهذه الفئة، طالما تم دفع الأجور وكانت الأرباح كافية، فإن كل الأمور الأخرى تظل ثانوية، ومع ذلك، تغيرت الظروف الاقتصادية بعد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والحروب الإقليمية باهظة التكلفة التي تورطت فيها الدولة الإيرانية داخل العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وفي حين وفر الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 متنفسا مؤقتا للاقتصاد، فإن رئاسة "ترامب"، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي تسببا في تراجع الأمور.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن مستوى الفساد داخل النظام، وعناوين الأخبار التي لا تنتهي بشأن اختفاء مبالغ نقدية ضخمة، تصل إلى ملياري دولار، أغضبت الفئات ذات الدخل المنخفض، ما زاد من العداء والغضب ضد النظام.

وتدهورت الظروف التي تواجه الطبقات الدنيا والمتوسطة مع زيادة فجوة الثروة في المجتمع. وجاءت أولى علامات عدم الرضا في احتجاجات يناير/كانون الثاني 2018، حيث خرجت شرائح العاطلين عن العمل والفقراء في المجتمع إلى الشوارع.

وكانت هذه بداية لسلسلة من أعمال الشغب التي تقودها هذه المجموعات، والتي عاودت الظهور على مدار العام في نطاقات وأجزاء مختلفة من البلاد.

وأدى الارتفاع الأخير في أسعار البنزين إلى زيادة حدة الغضب والسخط. ومع ذلك، كانت الحكومة مستعدة لمواجهة لأي نوع من الانتفاضات منذ احتجاجات عام 2009.

وإلى جانب الرد المعتاد، الذي يتضمن ممارسة منهجية ومنظمة للقوة والعنف، اتخذ النظام خطوة جذرية أخرى بإغلاق الإنترنت وفصل إيران عن بقية العالم.

وبينما ارتكب المتظاهرون أعمال تخريب من خلال إحراق مباني البنوك ومحطات الوقود المملوكة للدولة عكست الاستياء المتراكم، اتخذ الحرس الثوري تدابير قمعية غير مبررة لمواجهة الانتفاضة وقارن أحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني مع الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، بينما وصف آخر الاحتجاجات بأنها "حرب عالمية" قام بها أعداء إيران داخل حدودها.

السيناريو الأسوأ للثورة

ومن منظور بانورامي، عكست احتجاجات يوليو/تموز 1999، والحركة الخضراء لعام 2009، وتظاهرات العامين الأخيرين التدهور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في إيران على التوالي.

ففي البداية، تم قمع الحق في مجتمع مدني مفتوح يتمتع بحرية التعبير وحرية الصحافة وحكم القانون، ولاحقا، تم التلاعب بحق التصويت في نظام شبه ديمقراطي، وتم رفض المشاركة الجماعية في العملية السياسية، وأخيرا تم انتهاك الحقوق الاقتصادية الأساسية بسبب سوء الإدارة والفساد الحكومي، إلى جانب العقوبات الاقتصادية القاسية المفروضة على البلاد، ناهيك عن تقييد الحق في الوصول إلى الإنترنت لمدة أسبوع على الأقل.

وهكذا، تراجعت المُثُل العليا لثورة 1979، التي كانت تطمح نحو إيران حرة وديمقراطية ومزدهرة، لصالح دولة مركزية شمولية وقمعية.

ولم يقتصر الأمر على استبعاد الإيرانيين تدريجيا من عمليات صنع القرار في البلاد، لكنهم يجري حرمانهم اليوم من التعبير عن أي شكل من أشكال النقد والمعارضة، ومع تركيز السلطة الإدارية والتنفيذية في يد عدد قليل من الشخصيات الاستبدادية والمؤسسات غير الديمقراطية، يتم دفع الجماهير بعيدا عن شؤون الدولة، ما يؤدي إلى انفصال أكبر بين الدولة والشعب.

ومع تزايد اندماج الحرس الثوري الإيراني في جهاز الدولة، ووجود رئيس دولة غير منتخب (المرشد الأعلى) كسلطة نهائية، تحولت الجمهورية الإسلامية إلى دولة بوليسية شمولية تعطي الأولوية للنفعية والبقاء للنظام الأيديولوجي قبل أي شيء آخر، بما في ذلك حياة مواطنيها.

وتجعل أوجه القصور الهيكلية هذه من الإصلاح الداخلي للنظام أمرا غير محتمل، ومع القليل من الشرعية الدولية والداخلية، وسفك دماء عشرات الآلاف، أصبحت الدولة الإيرانية في أسوأ حالاتها، ويمكن القول إن النظام الحالي هو الأكثر تدميرا ودموية في التاريخ الإيراني الحديث.

المصدر | علي الصددي | أوبن ديموكراسي - ترجمة الخليج الجديد