الجمعة 6 ديسمبر 2019 05:46 ص

لحظة الخليج تظهر أنه ليس نفطًا

الاستراتيجية عدو مصطلح «أُخذ على حين غرة»، أو «وجد نفسه أمام الأمر الواقع».

صار الخليج مركز الثقل العربي بنظام سياسي متجذر في عمق التاريخ الخليجي ويتمتع بشرعية بيئة أهله.

تم رسم معايير حياة تنمو فيها مواهب شابة فيصبح أهل الخليج أفضل صحة وأطول عمراً، وأكثر دخلاً ورفاهية واستقرارًا.

 تحديات أمام دول الخليج لمنعها من دورها المقبل واضحة، لكثرة المؤشرات على امتلاكها ما يؤهلها لقيادة النظام العربي.

الموقع الجيوستراتيجي لدول الخليج كان ولا يزال يتفوق على نفطها، بل سيبقى سبب أهميتها، فهو قلب «قارة الوسط».

استراتيجية عربية تضع الخليج كمركز الثقل لمواجهة الاستراتيجيات التي تسعى إلى اقتلاع النفوذ الإسلامي والعربي.

*     *     *

يتفق الكثيرون أن تطور الحضارة الإنسانية ارتكز -بالإضافة للكتب السماوية- على كتب قليلة، ساعدت في بناء وتطوير نظم الحكم والفكر السياسي ثم النهوض بالأمم. ونضيف أن كبار السياسيين غالباً ما تبنوا أفكاراً أكاديمية بحتة، فقد كان ولا يزال مريحاً الانتقال من العالم الأكاديمي إلى عالم صنع السياسات وحل مشاكل العلاقات الدولية؛ ككتاب «الأمير» لمكيافيلي.

وهو دراسة في الفقه السياسي قيل إن هتلر وموسوليني اتخذوها مرجعاً لسياساتهم؛ ثم أخذ لينين والسوفييت ماركس، ونجحوا طوال سبعين عاماً في تبني ما كتب.

مما دفع تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة 2000-2008 لتبني أفكار كتاب «صدام الحضارات»، وإعادة تشكيل النظام العالمي لهنتنجتون 1996، وفيه أن المسارين الحضاريين الإسلامي والكونفوشي يشكلان التحدي الأكبر للحضارة الغربية.

ثم كتاب نهاية التاريخ لفوكوياما الذي طالب هو بنفسه المحافظين الجدد بإزالة الدكتاتوريات كنظام صدام والقذافي وطالبان. لذا تغيرت حياة الناس في الشرق الأوسط، جراء القيام بعمل يحقق ما طرح فيها.

وليس من باب التفاخر الاستعلائي الأجوف القول إن الحواضر العربية تعيش مرحلة تسليم الراية للخليج المرتبط بتراجع أدوار القوى العربية التقليدية لتداعيات عدة، حيث تصدرت دول الخليج منذ مطلع القرن الراهن واجهة الفعل السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي والدبلوماسي في المشهد العربي.

وفي تقديرنا أن هذا التحول في عالمنا العربي لم يكن إلا بناء على دراسات وأبحاث وكتب تنبأت وشجعت مثل هذا التحول؛ ومنها كتاب «الخليج ليس نفطاً» 1983 للمفكر الكويتي د. محمد الرميحي، الذي عنى بقضايا جذرية مطلوب تحقيقها لتطور مجتمعات الخليج، وفيه أن الخليجيين يعتبرون الثروات الطبيعية ليست ملكاً للخليجيين فحسب، بل للعرب أيضاً.

لذا بنى الكثير من الشباب العربي مستقبلهم من نقاط بداية ما في الخليج، كما حرّض الكتاب بحدة على التنمية، واقتناص الفرصة النفطية لبناء قاعدة إنتاجية مستدامة أساسها تنمية الإنسان، ورأس المال البشري.

أما الكتاب الثاني فهو كتاب وصف بأنه إشكالي بامتياز، يحفز للتساؤل لفهم الخليج، وهو «لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر»، تأليف د. عبدالخالق عبدالله 2018م. وقد تضمن ثلاث أفكار رئيسية تشير إلى أن هناك خليجاً جديداً تشكل في الخمسين عاماً الماضية؛ كما يشير إلى أن الجزء الخليجي حالياً أكثر تأثيراً في الكل العربي من تأثير الكل العربي في الجزء الخليجي؛ بل إن 6 دول خليجية هي أكثر تأثيراً من 16 عربية.

وآخر الأفكار أن الخليج صار مركز الثقل العربي بكل أبعاده. كما تم رسم معايير الحياة المطلوبة، والتي تنمو فيها مواهب شابة، فيصبح أهل الخليج أفضل صحة وأطول عمراً، وأكثر دخلاً ورفاهية واستقراراً بنظام سياسي متجذر في عمق التاريخ الخليجي، يتمتع بشرعية بيئة أهله.

وضوح الرؤية، ودقة أفكار كتابي الرميحي وعبدالخالق، تعطيهما حق ادعاء محفز اللحظة التأسيسية لخليج القرن 21. فقد طالبا -بأكاديمية رزينة- بقيام الخليج بتسلّم الراية من الحواضر العربية.

*     *     *

إن من الحصافة أن يقرأ أهل الخليج كيف ينظر العرب إلى شعارات قيادة الخليج للنظام العربي، ومن السذاجة الاعتماد على ردات الفعل غير الناضجة في وسائل التواصل جراء بناء جدليات رافضة لا يسندها من التحليل المحكم ما يكفي.

وفي هذا السياق نشير إلى كتاب «استهداف أهل السنّة» 2014، للباحث الجيوستراتيجي اللبناني د. نبيل خليفة، والرجل يشكّل مرجعية أكاديمية بارزة في العلاقات الدولية، ومصطلح «السنّة» كما يقول شرح على الكتاب ليس من منطلق التقسيم على أسس طائفية، فالمقصود هو التقسيم الجغرافي.

كما أن على غلاف الكتاب ما يشير في العناوين الجانبية إلى أن القيادة ستكون خليجية، ويعود الكاتب اللبناني الماروني العروبي إلى القول، إن التحديات أمام دول الخليج لمنعها من دورها المقبل واضحة، لكثرة المؤشرات على امتلاكها ما يؤهلها لقيادة النظام العربي، وهنا نضيف إلى ما قاله بمقابلة 30 أكتوبر2019، ملاحظات داعمة منها:

- كتحدي حلول الإسلام مكان الاتحاد السوفييتي، وسيكون القرن 21 قرن الإسلام، وتحديداً الإسلام السنّي الذي يضم 85 % من مسلمي العالم، وقلب العالم السنّي هم العرب، والخليجيون هم سكان المنطقة العربية التاريخيون والاقتصاديون، فالسلاح وحده لا يكفي، فما قيمة قنبلة نووية واحدة بيد دولة طموحة، وما قيمة 20 فرقة بدون اقتصاد قوي، فقد سقط الاتحاد السوفييتي رغم امتلاكه 4630 قنبلة نووية، فيما لم يكن لدى أميركا إلا 2462 قنبلة نووية، لقد كان السبب هو الاقتصاد الذي كان فيه دخل السوفييتي 4 آلاف دولار سنوياً، فيما كان نظيره الأميركي يحصل على 48 ألف دولار سنوياً.

- القاعدة الديموغرافية أو علم السكّان لصالح الخليج، فالكثافة والنمو السكاني مطرد، سواء من أهله أم من العاملين فيه، بالإضافة إلى إيجابية العوامل الاجتماعية والتغيرات البشرية، كالتنمية والتعليم والتغذية ودخل الفرد وارتفاع المواليد وانخفاض الوفيات.

- الاقتصاد الخليجي ضخم ومتحرك، صحيح أنه كان ولا يزال اقتصاداً يعتمد على أسعار النفط، لكن المنطقة تحولت أيضاً إلى محور استثمار عالمي، وما تم تحقيقه خلال الـ 30 عاماً الماضية تحت مظلة مجلس التعاون يدعو إلى تجاوز الخلافات، فاستمرارية التعاون الخليجي ليست فكرة بل يجب أن تكون إيماناً مطلقاً محركه الاقتصاد.

- الموقع الجيوستراتيجي لدول الخليج كان ولا يزال يتفوق على نفطها، بل سيبقى سبب أهميتها، فهو قلب «قارة الوسط»، كما سماها هنري كيسنجر الذي قال، إن من يسيطر على قارة وسط العالم يسيطر على العالم. - كما أن في الخليج ديناميكية دينية روحية، وانفتاحاً جديداً، وهناك حيوية شبابية، بل إن الأكثرية العربية السنّية الفاعلة تعمل من الخليج.

- كما يشير د. خليفة إلى أن التحديات التي تواجه العالم السنّي وقلبه الخليج العربي، لا تتمثل كما يعتقد البعض في قضية السنّة والشيعة، بل يركز على مواجهة اليهود والصينيين، وفي مواجهة العالم المسيحي، بفرعه البروتستانتي بأميركا، وفرعه الكاثوليكي في أوروبا، وفرعه الأرثوذكسي في روسيا، فالكتلة السنّية وقلبها الخليج ستكون في مواجهة مع الحضارات المتحدية خلال القرن الحالي.

الاستراتيجية عدو مصطلح «أُخذ على حين غرة»، أو «وجد نفسه أمام الأمر الواقع» والكتب الثلاثة تشكل مدخلاً لصياغة استراتيجية عربية تضع الخليج كمركز الثقل لمواجهة الاستراتيجيات التي تسعى إلى اقتلاع النفوذ الإسلامي والعربي.

* د. ظافر محمد العجمي المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج.

المصدر | العرب القطرية