النص والفيديو.. عن هذه الفوضى العارمة

إلى أين يأخذنا هذا الجنون؟ وكيف سيواجه الجيل الجديد هذه الموجة الرهيبة من العبث والهراء؟

كوارث بلا حصر تشكّك بكل المقدسات الفكرية والعلمية والطبية والأخلاقية وعهر يُرَوّج بإبداع يتفوّق على البضاعة الصالحة.

ينبغي أن يتصدّى العلماء والمفكرون المخلصون حين يتعلق الأمر بقضايا الدين والأخلاق وتوجيه قضايا الأمة المركزية.

*     *     *

من سيرة طويلة مع عالم المقال المكتوب؛ من الصحافة إلى الكتابة، يمكنني القول إن انتشار الفيديو بات يتفوّق كثيراً على النصّ المكتوب.. فأي مخاطر تطرحها هذه القضية؟

في أشهر المواقع أو الصحف ولأشهر الكتاب، لا يتعدى قرّاء أفضل مقال تحليلي في الفكر أو السياسة، بضعة آلاف من القراء، ونادراً ما يتجاوز ذلك.

وحتى التغريدات في موقع «تويتر»، يتابع المغرد رقماً معيناً، لكن عدد من يطّلعون على التغريدة يمثّل نسبة منهم فقط، فضلاً عن «الفيسبوك» الذي له طرائقه في نشر «البوستات»، بما يجعل انتشارها أقل من ذلك بالطبع.

وحده «الواتس» هو الذي يحقق انتشاراً كبيراً، رغم أن قيوده الجديدة في تحويل المادة إلى عدد محدود من الأصدقاء قد حدّت من الانتشار أيضاً، مع العلم أن أكثر ما يتم تداوله عبر «الواتس» هو الفيديوهات، وليس النصوص المكتوبة.

في عالم «يوتيوب»، تجد العجب العجاب؛ إذ تعثر على أشخاص لم يكتبوا حفنة مقالات في حياتهم، وهم طارئون على عالم السياسة؛ لكنهم يحلّلون كل القضايا السياسية الدولية والإقليمية والعربية، وأحياناً الفكرية، ويحصد بعضهم متابعات بعشرات الآلاف ، أو بمئات الآلاف، مع أن كثيراً منهم يبثّون الكثير من الهراء وحكايات التآمر في تحليل السياسة، أو الضحالة في قضايا الفكر والعلم والطب. وتُصاب بالقهر والحزن حين تعلم أن مقالاً مهماً لمفكر سياسي مرموق أو عالم أو طبيب لم يحصد سوى عدد محدود من القرّاء، باستثناء بعض القضايا ذات الانتشار، وفي مقدمتها الجنس.

إنه زمن الصورة أو «الفيديو» بتعبير أدقّ، وحيث يذهب الناس نحو المشاهدة والاستماع أكثر من القراءة؛ لأن «الموبايل» هو الرفيق الدائم لهم في حلّهم وترحالهم، وحتى في غرف نومهم، وساعة طعامهم.

هذه المعضلة تنشر الثقافة السطحية في أكثر الأحيان، وتحيل الناس إلى الأساطير في السياسة والفكر والعلم والطب. ولا تسأل بعد ذلك عن نشر التفاهة عبر ما يُسمى الفن، وحيث يمكن أن تحصل أغنية تافهة لفنان سخيف بصوت بائس على ملايين المشاهدات في أيام، مع أن هذا قد يندرج في سياق التسلية ولا يؤثّر كثيراً على الفكر، وإن أصاب الذائقة الفنية بالكثير من العطب، لا سيّما حين ترى محدودية المشاهدات لأعمال فنانين وفنانات من العيار الثقيل، من حيث الأداء واللحن والصوت والكلمة. سيقول البعض: ولماذا لا يقتحم الطيبون والمفكرون وأهل العلم عالم «الفيديو» أيضاً، كي تطرد البضاعة الجادة نقيضتها «التافهة»؟

هنا تحضر مسألة الحريات باعتبارها عاملاً بالغ الأهمية؛ إذ إن تحليل الكثير من المواقف -فضلاً عن نقدها- يتطلب مساحة من الحرية لا تبدو متوافرة في العالم العربي، ولا يمكن أن يُطالب المثقّف أو الكاتب بأن ينشر فيديو، ثم يأوي إلى السجن بعد ذلك؛ ولذلك تراه يسدّد ويقارب، ويجد ملاذاً في النص المكتوب الأكثر ضبطاً، والذي يمكن ممارسة التورية من خلاله؛ مع أننا في الزمن الحالي صرنا نرى أنظمة تحاسب حتى على الصمت، وليس على الكلام؛ لأنها تطلب من المثقفين والعلماء أن ينتصروا لباطلها، ولا يكتفوا بالصمت عليه!

في عالم الفيديو، ستعثر على كل الكوارث التي يمكن أن تتخيلها، ولن نتوقف هنا عند كارثة «الإباحية» التي تنتشر كما النار في الهشيم، وتأكل من أوقات الناس الشيء الكثير، بجانب ما تنتجه من مشاكل اجتماعية.

نعم، ستعثر على كوارث بلا حصر تشكّك في كل المقدسات الفكرية والعلمية والطبية والأخلاقية، وستجد العهر في الأرض يروّج لنفسه، وأحياناً بإبداع يتفوّق على البضاعة الصالحة.

إلى أين يأخذنا هذا الجنون؟ وكيف سيواجه الجيل الجديد هذه الموجة الرهيبة من العبث والهراء؟

إنه السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يتصدّى له العلماء والمفكرون المخلصون، بخاصة حين يتعلق الأمر بقضايا الدين والأخلاق، بجانب توجيه الأمة في قضاياها المركزية. وهنا تبدو المسؤولية أكبر على أولئك الذين يعيشون في الخارج، ويمكنهم التحدث بحرية أكبر من دون أن تطالهم عصا القمع.

* ياسر الزعاترة كاتب صحفي أردني/ فلسطيني

المصدر | العرب القطرية