السبت 7 ديسمبر 2019 11:43 ص

كانت "معجزة إنسانية"، هكذا وصفت "لينا عطاالله"، رئيسة تحرير "مدى مصر"، أحد منافذ الصحافة المستقلة القليلة المتبقية في مصر، إطلاق سراحها بعد فترة وجيزة من احتجازها على أيدي السلطات المصرية. وفي الواقع، كانت النتيجة مفاجأة سعيدة في بلدٍ يحتل باستمرار المرتبة الأولى في قائمة سجناء الصحافة في جميع أنحاء العالم، وهي معجزة جاءت نتيجة للضغط العام.

ويبدو أن تقارير التحقيق الخاصة بـ"مدى مصر" مثل تلك المتعلقة بإبعاد ابن الرئيس من مركزه في جهاز الاستخبارات، هي ما أشعلت شرارة تلك الغارة على مكتبهم؛ حيث لعبت هذه التقارير دورا حاسما في تعزيز فهم التطورات في البلاد، داخل مصر وخارجها على حد سواء. وخلال الأعوام القليلة الماضية، شهدنا اعتقال عشرات الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر. وعادة ما يتم تمديد فترة سجنهم بسلسلة من التجديدات الاعتيادية السابقة للمحاكمة، في نظام قانوني ظاهريا، لكنه مصمم لاحتجاز المشتبه بهم إلى أجل غير مسمى أكثر مما يسعى لتقديم أدلة دامغة تصلح للمحاكمة. وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني، عندما ظهرت الأخبار الأولى حول الحملة، بدا من المحتمل أن ينضم صحفيو "مدى مصر" إلى العديد من الآخرين الذين تحدثوا عنهم في هذه الحلقة القانونية التي لا نهاية لها على ما يبدو. لكن منعهم من الخضوع لهذا المصير يعد "معجزة إنسانية"، على الأقل حتى الآن.

  • الحكومة المصرية والضغوط الدولية

وخلال الأعوام القليلة الماضية، كان هناك شعور متزايد بين العديد من البعثات الأجنبية في مصر، وكذلك في العواصم التي تمثلها، بأن الضغط الدولي لم يعد فعالا مع الحكومة المصرية؛ حيث يبدو أن الرئيس "عبد الفتاح السيسي" والنخبة الحاكمة أصبحوا غير مهتمين بشكل متزايد بمدى ضرر ممارساتهم القمعية على سمعة مصر الدولية، فيما يواصل الجهاز الأمني ​​اعتقال وتعذيب نقاد النظام والصحفيين المستقلين وشخصيات المعارضة. وعلى الرغم من هذا التصعيد الخبيث، أصبحت انتقادات المجتمع الدولي أكثر هدوءا على مر السنين. ولم يجد الاستفتاء الأخير على الدستور، الذي تم تصميمه لتوسيع سلطات "السيسي" وتمديد حكمه، أي رد دولي على الإطلاق، على الرغم من حقيقة أن التعديلات دعت إلى تمديد قبيح لحكم السلطة، وأن الناشطين الذين نظموا حملات لرفض التعديلات تم القبض عليهم.

وكانت الحملة ضد "مدى مصر" مختلفة؛ حيث أبرزت كيف يمكن للنهج الأكثر حزما أن يسفر عن نتائج أفضل. وصدرت العديد من البيانات القوية، بعضها من أماكن غير عادية، ردا على الحملة على آخر منفذ إخباري مستقل في مصر. وأثار وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" القضية شخصيا في مؤتمر صحفي. وأصدر الاتحاد الأوروبي بيانا سريعا، وكذلك فعلت حكومات ألمانيا والمملكة المتحدة وكندا. وبصرف النظر عن هذه التصريحات العلنية، تم إجراء مكالمات أكثر أهمية بشكل خاص وفوري عندما اندلعت أنباء الحملة. وكانت هذه الاستجابة السريعة شبه محورية في إطلاق سراح "عطاالله" وزملائها الثلاثة، "محمد حمامة" و"رنا ممدوح" و"شادي زلط"، في نفس الليلة. وفي الواقع، كانت "عطاالله" مع اثنين من المحررين الآخرين، يتم اقتيادهم إلى نيابة أمن الدولة، عندما تلقى الضباط الذين يرافقونهم مكالمة تأمرهم بالعودة وإطلاق سراحهم. ببساطة، لقد نجح الضغط.

وليست هذه المرة الأولى التي يثبت فيها الضغط الدولي فعاليته. فبعد أن أقر البرلمان قانون المنظمات غير الحكومية المروع، كانت هناك حملة موحدة من قبل الحكومات الديمقراطية لمعارضته. وأثار دبلوماسيون ووزراء الحديث عن القانون باستمرار في اجتماعاتهم مع المسؤولين المصريين. كما انتقد قادة الكونجرس القانون في بياناتهم الخاصة وكذلك في جلسات الاستماع التي تم عقدها بشأن المساعدات لمصر. وكانت الرسالة واضحة، وهي أن مراجعة هذا القانون أولوية بين تحالف مهم من شركاء مصر، وسيستمر في الإضرار بعلاقتهم مع مصر حتى يتم إصلاحه. وقد نجح ذلك في النهاية. وربما لا يكون قانون المنظمات غير الحكومية الحالي قانونا جيدا، لكنه لم يعد يعاقب مخالفيه بالسجن، وهو تحسن كبير مقارنة بالشكل السابق، ويساعد على حماية العاملين في المنظمات غير الحكومية المصرية. ومن المفهوم على نطاق واسع أن الضغط الدولي كان حاسما لضمان هذا التغيير.

  • حدود الضغط

وتشير هذه الأمثلة بوضوح إلى أن الضغط الدولي يمكن أن يكون فعالا، لكنه يجب أن يركز على تدابير عملية محددة تساعد على حماية وتوسيع مساحة المجتمع المدني المصري دون أن يصل إلى حد اعتباره تهديدا وجوديا للنظام. لكن التهديد ضد "مدى مصر" لم ينته بعد، ففي أعقاب الحملة الأمنية، ادعت نيابة أمن الدولة بشكل سخيف أن "مدى مصر" تم تأسيسه بواسطة جماعة "الإخوان المسلمين"، وهي جماعة سياسية تعرضت لانتقادات متكررة على المنصة الصحفية.

ويعد هذا جزءا من اتجاه مقلق يصنف فيه المسؤولون المصريون منتقدي الحكومة المسالمين على أنهم من المنتمين لجماعة "الإخوان المسلمين"، وذلك لاتهامهم بأنهم أعضاء في "منظمة إرهابية" مزعومة. وتُظهر هذه الادعاءات كيف يستخدم النظام مزاعم الإرهاب لإسكات وقمع الانتقادات المشروعة التي لا تشكل أي تهديد للسلامة العامة. ويجب أن يواصل المجتمع الدولي نقل قلقه بشأن التهديدات التي يتعرض لها "مدى مصر" والإصرار على أن يكون الصحفيون آمنين لأداء عملهم دون تهديدات جسدية أو قانونية. ويزيد الفشل في القيام بذلك من احتمالات أن يكون الإفراج عن صحفيي "مدى مصر" بمثابة انتصار قصير الأجل. وفي الواقع، بعد أيام من غارة "مدى مصر"، تم اعتقال 4 صحفيين آخرين في البلاد، مع ظهور قليل من الاحتجاجات الدولية. ويواجه جميع المتهمين الأربعة تهما بالانتماء إلى جماعة إرهابية؛ ما يعني احتمال بقائهم رهن الاحتجاز لفترة طويلة قبل العرض على المحكمة.

وتُظهر حالات الضغط الناجحة السابقة أن وجود جبهة قوية وموحدة تركز على المطالب العملية قد يحقق نتائج، خاصة عندما يمكن إثبات أن هذه المطالب في مصلحة استقرار الدولة وليست تهديدا لها. وللمضي قدما، من المهم تحديد وترتيب المطالب الواقعية التي تحمي أو توسع الحيز المتاح للمصريين لبناء المجتمع المدني وحماية الحقوق الأساسية، ودفع الحكومات المعنية إلى توحيد ضغوطها حولها. ومن خلال القضاء على استبداد النظام، يمكن للمجتمع الدولي، إلى جانب المجتمع المدني المصري، المساعدة في إحراز تقدم تدريجي يفيد جميع المصريين. وساعتها، من الممكن حماية هذه المعجزة الأخيرة، وربما صناعة بعض المعجزات الجديدة المماثلة.

المصدر | تيموثي كالداس - معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط + ترجمة وتحرير الخليج الجديد