الثلاثاء 14 يناير 2020 12:22 م

رغم أنه كان عدوهما اللدود، ومن المفترض أن مقتله يمنحهما الفرصة لتنفس الصعداء، غير أنه يمكن القول إن كلا من (إسرائيل) والسعودية تبنتا موقفا غامضا وحذرا في الوقت ذاته تجاه اغتيال الجنرال الإيراني "قاسم سليماني" الشهر الجاري في العراق.

وقتل "سليماني" قائد فيلق "القدس" في الحرس الثوري الإيراني، في ضربة جوية أمريكية قرب مطار بغداد ليلة الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري.

ويبدو أن هذا الغموض ينطلق من حسابات معقدة ترتبط بسياقات داخلية وخارجية لدى كل من الرياض وتل وأبيب.

وتسعى السطور التالية لاستكشاف تأثير مقتل "سليماني" على سياسات الدولة العربية الخليجية الأكبر والدولة العبرية، وهما الدولتان اللتان كان العداء المشترك لإيران سببا رئيسيا في التقارب الغريب بينهما وراء الكواليس خلال الأعوام الأخيرة.

الخطر الحقيقي

لسنوات، كان "قاسم سليماني" العقل المدبر لتوسيع النفوذ الإيراني، سواء في لبنان أو العراق أو سوريا أو أي مكان آخر، عبر التخطيط لشن هجمات أو تعزيز حلفاء طهران ووكلائها في تلك البلاد.

وبالنسبة لـ(إسرائيل)، ظل قائد فيلق القدس على منظار الدولة العبرية لفترة طويلة، خاصة مع اقترابه خلال السنوات الأخيرة من حدود (إسرائيل)، عبر قواته ووكلائه، في لبنان وسوريا.

وفيلق القدس، هو فرع من فروع قوات الأمن الإيرانية المسؤولة عن العمليات العسكرية في الخارج.

وفي هذا الصدد، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "إيهود باراك" في تصريحات لصحيفة "دير شبيجل" الألمانية إن اسم "سليماني" كان معروفا تماما في الدوائر الأمنية بالدولة الصهيونية منذ أكثر من 25 عاما، مؤكدا: "لقد وضعناه على رادارنا منذ أجيال".

وقال "باراك": كان سليماني بمثابة صداع لنا جميعا".

وفيما يتعلق بالسعودية، كان "سليماني" ناشطاً في دعم الحوثيين في اليمن على الحدود الجنوبية للمملكة، وربما يكون الجنرال قد لعب دورا رئيسيا في الهجوم الذي جرى في سبتمبر/أيلول الماضي والذي ألحق ضررا كبيرا بمنشأة النفط في بقيق، وأدى إلى توقف نحو نصف إنتاج المملكة من النفط لعدة أيام.

وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت التوترات بين الرياض من جهة، وطهران من جهة أخرى، بعد سلسلة هجمات على ناقلات نفط ومنشآت نفطية تم اتهام إيران بالوقوف خلفها.

وتوفر تصريحات نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي "أبومهدي المهندس"، الذي قتل برفقة "سليماني" في الغارة الأمريكية، والتي أعرب فيها عن تمنياته بإلحاق الدمار بالسعودية دليلا على التهديدات التي كانت تواجهها الدولة الخليجية سواء من "سليماني" أو حلفائه.

وأظهر مقطع فيديو متداول نائب الحشد الشعبي السابق وهو يتحدث بالفارسية إلي صحفي إيراني، قائلا إنه يتمنى الموت والدمار للرياض وليس (إسرائيل).

تجنب التورط

رغم الإقرار بالتهديدات التي كان يمثلها، لكن (إسرائيل) لم تجرؤ طيلة الـ25 عاما الماضية على الإقدام على قتل "سليماني".

وكما نقلت صحيفة "دير شبيجل" الألمانية عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي سابق، فإن (إسرائيل) قدرت أن تكلفة التخلص من "سليماني" كانت مرتفعة جدا، حيث لم ترغب الدولة العبرية في خوض حرب مفتوحة مع إيران.

ونتيجة لذلك، فرغم أن تل أبيب والرياض من المرجح أنهما شعرتا بالابتهاج لمقتل "سليماني"، فإنهما حرصتا على النأي بنفسيهما في العلن عن الخطوة الأمريكية.

ووفق تقارير صحيفة، وصف "نتنياهو" هجوم الطائرة بدون طيار الذي استهدف "سليماني" باعتباره "فعلا أمريكيا"، مضيفا أن (إسرائيل) يجب أن تبقي بعيدة عن أن تبعات للغارة الأمريكية التي أودت بحياة الجنرال الإيراني.

ويعد موقف "نتنياهو" هذا انحرافا واضحا عن مطالباته السابقة بضرورة أن تقصف الولايات المتحدة الأمريكية، المنشآت النووية الإيرانية، غير أنه في الوقت الحالي، على الأقل، قررت الحكومة الإسرائيلية أنها تفضل الاستمرار في توجيها هجمات سرية ضد إيران، دون تحمل تكلفة تصعيد المواجهة إلى العلن.

وقد عزز المحلل العسكري الإسرائيلي، "روني دانيال"، من مخاطر وخيمة جراء تقارير أمريكية تحدثت عن تزويد تل أبيب، واشنطن بمعلومات استخباراتية مهمة قادت لقتل "سليماني"، وأن "نتنياهو" هو الزعيم الوحيد الذي جرى إطلاعه على العملية بشكل مسبق.

وقال"دانيال" إن الجانب السيئ في هذا الأمر "هو أن (إسرائيل) يتم الزج بها رغما عنها إلى تلك الدوامة التي تشغل الإيرانيين حول هوية المتورطين في مقتل سليماني وطبيعة الانتقام المطلوبة لمقتله".

بدوره حذر وزير الخارجية الإسرائيلي السابق "أفيجدور ليبرمان"، في وقت سابق المسؤولين في (إسرائيل) من مغبة توريط تل أبيب في عملية قتل "سليماني".

وتابع "ليبرمان:" قائلا: "علينا أن نبتعد قدر المستطاع عن هذا الأمر، الغموض والصمت هو أفضل ما يمكننا القيام به".

وجاء الموقف السعودي مماثلا لموقف (إسرائيل) إلى حد كبير، حيث التزم القادة السعوديون الصمت تجاه مقتل الجنرال الإيراني، والذي أثار مقتله مخاوف من تصعيد للنزاع في المنطقة بعد أن تعهدت طهران بالانتقام لمقتله.

بخلاف ذلك، سعت الرياض للنأي بنفسها من الغارة الأمريكية في بغداد، مع تصريح مسؤول سعودي لوكالة "فرانس برس"، أن واشنطن لم تتشاور مع الرياض بشأن الضربة التي قُتل فيها الجنرال الإيراني.

كما بعثت الرياض في وقت لاحق بوفد سعودي إلى واشنطن رأسه نائب وزير الدفاع الأمير "خالد بن سلمان"؛ لإجراء مباحثات لخفض التصعيد.

وحث العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبد العزيز" العراق على اتخاذ إجراءات لنزع فتيل الأزمة.

ويرى "حسين ايبش" الخبير في معهد دول الخليج العربية في واشنطن أنه "من الواضح أن السعوديين لا يرحبون بهذه الأزمة على الرغم من أنه عليهم يتوجب أن يكونوا سعداء بمقتل سليماني".

وبحسب "إبيش" فإن السعوديين "يعلمون أنهم سيكونون في مرمى النيران حال اندلاع حرب، لذلك يقومون بكل ما بوسعهم لتخفيض" التصعيد.

واتخذت السعودية وغريمتها إيران عدة خطوات مؤخرا نحو محادثات بوساطة عراقية في مسعى لنزع فتيل التوترات في منطقة الشرق الأوسط.

وقال "كريستيان أولريخشن" من معهد "بيكر" للسياسة العامة بجامعة رايس الأمريكية إن "هجوم سبتمبر/أيلول الماضي على السعودية أظهر عجز واشنطن عن حماية مواقع البنى التحتية من هجمات غير تقليدية".

وبحسب "أولريخسن" فإنه "بينما تتحضر السعودية وحليفتها الإمارات لاستضافة أحداث عالمية هذا العام، قمة العشرين في الرياض وإكسبو 2020 في دبي، فإنهما تسعيان بكل جهد لتجنب أي تصعيد".

وبالإضافة لذلك، أعلنت السعودية مؤخرا عن "قناة مفتوحة" مع المتمردين الحوثيين في اليمن الذين تقاتلهم على رأس تحالف عسكري منذ 5 سنوات، ما أدى إلى تراجع في الهجمات من الجانبين.

ويرى "ستفين سيش"، نائب رئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن أن "اغتيال سليماني، يهدد بتقويض هذا التقدم".

ويعقب "سيش" قائلا إن اغتيال "سليماني" "يزيد من احتمال وجود رغبة لدى عناصر من الحوثيين مقربين من طهران، لشن ضربة في عمق السعودية، وهذه خطوة بالتأكيد ستقوض مبادرة السلام الجارية".

وذكر "بروس ريدل"، زميل معهد بروكينغز، أن القصر الملكي بالرياض تشغله هواجس شديدة إزاء الخطوة التالية لمقتل "سليماني" وكيف ومتى ستنتقم إيران، وهم يخشون أن الإيرانيين سيسعون لاستغلال العملية لطرد الأمريكيين من العراق.

ويضيف "ريدل": "في حال نجح الإيرانيون في ذلك، فلن يدوم الحضور السعودي في تلك البلاد. وبذلك، ستكون إيران قد عزّزت نفوذها على الحدود الشمالية للمملكة العربية السعودية".

أقل ثقة

يعزى الموقف السابق لـ(إسرائيل) والسعودية، جزئيا إلى حقيقة أنهما باتتا أقل ثقة في الدعم الأمريكي الآن مما كانوا عليه في الماضي.

في هذا السياق، علق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "إيهود باراك" قائلا إن "العديد من قرارات ترامب ربما كانت جيدة لـ(إسرائيل)؛ قرار نقل السفارة الامريكية إلى القدس، والاعتراف رسميا بضم الجولان، لكن ترامب لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، ولا يمكن لـ(إسرائيل) أن تكون على يقين من أن أمريكا ستقف إلى جانبها في جميع الظروف".

وعلى نفس المنوال قال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية الأسبق، "أهارون زئيفي فركاش"، إن الإيرانيين على الأقل "يتصرفون بعقلانية،" مضيفا أنه لا يستطيع بالضرورة أن يقول الشيء ذاته عن "ترامب".

وعلى الرغم من اعتماد ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" على دعم الولايات المتحدة لسنوات في الصراع مع إيران، فإنه أدرك مدي خطورة هذه الاستراتيجية عندما لم يفعل "ترامب" شيئا بعد الهجوم الذي استهدف المنشآت النفطية في الخريف الماضي، كما توضح صحيفة "دير شبيجل".

ومنذ ذلك الحين، غير ولي العهد السعودي استراتيجيته، وهو يبحث الآن عن وقف التصعيد، وأرسل "بن سلمان" وفدا إلى واشنطن، الإثنين بعد مقتل "سليماني"، ولكن على عكس الزيارات السابقة، لم يكن مبعوثوه يسعون لإقناع الأمريكيين بضرورة المواجهة مع إيران، لكنهم حاولوا هذه المرة إقناع واشنطن بنزع فتيل التصعيد.

الانتخابات الإسرائيلية

وبعيدا عن الهواجس الأمنية للدول الصهيونية، يلقي اغتيال "سليماني" بظلاله على المشهد الانتخابي في (إسرائيل)، وربما يمنح "نتنياهو" قبلة الحياه مجددا رغم الاتهامات التي تلاحقه.

ووفق "ألوف بن" محرر الشؤون السياسية في صحيفة "هآرتس"، قد يسهم التخلص من "سليماني" في تمكين "نتنياهو" من تشكيل الحكومة المقبلة.

ويري "ألوف بن" أن الرابح الأكبر من اغتيال "سليماني" هو "نتنياهو" الذي يواجه 3 لوائح اتهام بالفساد تهدد مسيرته السياسية، بخلاف اضطراره للذهاب لانتخابات مبكرة بعد فشله في تشكيل الحكومة مرتين متتاليتين.

بخلاف ذلك، أعاد مقتل "سليماني" التحديات والأوضاع الأمنية إلى الواجهة في السجالات الانتخابية، بعد أن كانت قد خفتت نسبيا لصالح اتهامات الفساد والقضايا الداخلية.

المصدر | الخليج الجديد