يوشك أن يكمل الحراك في الجزائر عامه الأول، وسط تحديات تواجه الرئيس الجديد "عبدالمجيد تبون" الباحث عن شرعية الشارع، بعد الفوز بأوراق الصندوق، دون أن ينال إلى الآن تأييد الشارع الثوري في الجزائر.

"الله أكبر، الانتخاب مزور"، "الله أكبر نحن لم نصوت، ورئيسكم لن يحكمنا"، "تبون جاء به العسكر بالتزوير".. جميعها هتافات تتواصل في الشارع الجزائري الذي خرج إلى الميادين للجمعة الـ47 لإعلان تمسكه بضرورة إحداث تغيير جذري للنظام السياسي في البلاد، والتخلص من "فلول" العهد السابق.

ما بين شرعية منقوصة، وتحديات قائمة، إلى نظام سابق يسعى للحفاظ على وجوده في موازاة حراك فاعل في الشارع، يبدو أن "تبون" سيواجه ولاية رئاسية ساخنة، في بلد تحظى فيه المؤسسة العسكرية بحضور نافذ، ومعارضة تحاول الاستفادة من دروس الربيع العربي في تسيير سفينة حراكها السلمي دون صدام.

تحديات الشرعية

أول تلك التحديات التي تواجه الرئيس الجديد هو ما تظهره القراءة الأولى في نتائج فوز "تبون" في الانتخابات بنسبة بلغت 58.13% من الأصوات، في استحقاق انتخابي بلغت نسبة المشاركة فيه 39.88%، وهي الأدنى على الإطلاق في تاريخ البلاد، وسط مقاطعة وعزوف قطاع كبير من الجزائريين عن المشاركة في رئاسيات ديسمبر/كانون الأول الماضي.

يفاقم من مأزق "تبون" (رئيس سابق للحكومة مايو/أيار إلى أغسطس/آب 2017)، أن المحتجين في الشارع، يرون أن الرجل لا يعدو أن يكون واحدا من رجال نظام الرئيس "عبدالعزيز بوتفليقة" المستقيل في أبريل/نيسان الماضي بعد 20 عاما قضاها في سدة الحكم.

ويعزز تلك الاتهامات تشكيلة الحكومة الجديدة برئاسة "عبدالعزيز جراد"، والتي ضمت 11 وزيرا سبق لهم أن تولّوا حقائب وزارية في واحدة أو أكثر من حكومات "بوتفليقة".

إضافة إلى ذلك، تبرز تحديات منها ملفات تعديل الدستور، والانتخابات النيابية والمحلية، والمعتقلين السياسيين، وحرية الإعلام، والوضع الاقتصادي في البلاد، ووضع المؤسسة العسكرية بعد وفاة رئيس الأركان "أحمد قايد صالح"، الشهر الماضي.

تفكيك الألغام

وقد سارع الرئيس الباحث عن حوز شرعية الشارع، واحتواء الحراك، سارع إلى مغازلة المحتجين الجزائريين، معتبرا في خطاب تنصيبه عقب أداء اليمين الدستورية، أن "نجاحه الكبير هو ثمرة من ثمرات الحراك الشعبي المبارك الذي بادر به شعبنا الكريم عندما استشعر بسريرته وضميره أنه لا بد من وثبة وطنية لوقف انهيار الدولة ومؤسساتها".

ولم يفوت "تبون" (74 عاما) الفرصة، ودعا الحراك إلى حوار جاد يحقق مصلحة البلاد ووحدتها، بعيدا عن الإقصاء، والسعي إلى لم الشمل، متعهدا بدمج الشباب الجزائري في الحياة السياسية والاقتصادية.

وفي بادرة حسن نية، اعتبرها المراقبون محاولة لتهدئة الشارع الثائر، أفرج القضاء الجزائري عن 76 من الناشطين في الحراك، بينهم "لخضر بورقعة" أحد رموز الاستقلال وثورة التحرير الجزائرية إبان الاستعمار الفرنسي.

ومن المتوقع أن تتواصل عملية الإفراج على المعتقلين في الأسابيع المقبلة ضمن إجراءات التهدئة التي ينتهجها "تبون" سعيا لإطلاق حوار وطني ناجح، مدعوما بوعود رئاسية بتقليص صلاحيات الرئيس وتعديل الدستور ومحاربة الفساد وإعلاء دولة القانون واستعادة الأموال المنهوبة.

ولا شك أن وفاة "صالح"، رئيس أركان الجيش، الذي كان يعد الحاكم الفعلي للبلاد، منحت "تبون" حرية أكبر للتحرك، الأمر الذي بدا جليا في غياب منصب نائب وزير الدفاع الذي كان يشغله الفريق الراحل في تشكيلة الحكومة الجديدة، مع احتفاظ الرئيس بحقيبة وزير الدفاع.

خيارات الحراك

في مقابل تحديات الشرعية التي تواجه الرئيس، فإن الحراك الثوري في الشارع الجزائري يواجه اختبارا هو الآخر، بعد أن أصبح انتخاب "تبون" أمرا واقعا، وسط مخاوف من انقسام القوى السياسية، وعدم وجود سقف زمني لتلك الاحتجاجات، التي قد تفقد زخمها وقوتها مع مرور الوقت.

هذا الهاجس دفع حركة "مجتمع السلم"، أبرز حزب إسلامي في الجزائر، إلى قبول عرض "تبون" للحوار، بل الدعوة على رئيس الحزب "عبدالرزاق مقري"، إلى منحه الفرصة كاملة لينجح في مهمته.

كذلك اعتبر القيادي في "حركة عزم" (شبابية معارضة)، "حمزة حسام"، أن "الحديث عن شل قدرات الرئيس لم يعد ممكنا، وأنه ينبغي على جميع القوى الانخراط في مسار التغيير، عبر أدوات جديدة، تسهم في استكمال مسار الانتقال الديمقراطي".

في السياق ذاته، دعت جبهة القوى الاشتراكية إلى حوار جاد عبر تهيئة جو من التهدئة، لاسيما من خلال إطلاق سراح معتقلي وسجناء الرأي واحترام حريات التعبير والتظاهر والاجتماع.

ولفت الناشط "رمزي سعودي" من "التيار الأصيل"، في تصريح صحفي، إلى أن "لدى تبون فرصة تاريخية لحل أزمة الشرعية والمشروعية"، مطالبا السلطة بالاستجابة للمطالب العالقة، وداعية كذلك القوى الفاعلة لتحديد موقفها من استحقاقات الحوار والبرلمان والتعديل الدستوري.

ويمكن القول، في ضوء المعطيات السابقة، أن مستقبل الحراك الجزائري يتوقف على مدى قدرته على الاستمرار والحفاظ على الزخم، وتطور آلياته في الضغط السلمي لانتزاع مكاسب جديدة عبر المحطات المختلفة لولاية "تبون" التي ستشمل مرحلة انتقالية تتضمن تعديل الدستور، مع إمكانية حل البرلمان والمجالس المحلية، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة.

ولا يمكن بحال من الأحوال، إغفال دور المؤسسة العسكرية الجزائرية خلال المرحلة المقبلة، وسط ترقب لطموحات ودور رئيس الأركان الجديد، اللواء "سعيد شنقريحة"، المعروف عنه حبه للعمل الميداني، وابتعاده عن الأضواء وغرف السياسة.

يقود "تبون" إذن الانتقال السياسي في الجزائر بحكم الواقع، تحيطه هتافات شارع ثائر يطالب بالإصلاح وتفكيك تركة النظام السابق وتقليص دور الجيش في السياسة. ويبقى أن نرى إذا كانت الجماهير في الجزائر سوف تكون قادرة على الحفاظ على الزخم الكافي لضبط مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، أم أن ربيع الجزائر سوف ينحسر هو الآخر كما حدث في العديد من دول الربيع العربي المجاورة.

المصدر | الخليج الجديد