الثلاثاء 14 يناير 2020 11:17 ص

إذا خاضت الولايات المتحدة الحرب مع إيران، فستكون حربًا اختيارية؛ أو بالأحرى اختيار "دونالد ترامب"، فمن خلال إصدار أمر بقتل اللواء "قاسم سليماني"، كفل الرئيس انتقام قادة إيران من المصالح الأمريكية بشكل أو آخر.

لم يكن بإمكان "ترامب" توقع كيفية تحديد قادة إيران للثأر بالضبط، لكنه كان يعلم أن الانتقام العسكري الكبير كان ممكنًا.

وبينما توجد علامات مشجعة على أن كلا الجانبين حريصان الآن على تخفيف التوترات، فإن خطر دفع "ترامب" أمريكا إلى حرب مدمرة مع إيران لا يزال مرتفعًا بشكل غير مقبول.

تضييع فرص الدبلوماسية

عندما تولى "ترامب" منصبه؛ كانت علاقة أمريكا بإيران مشحونة؛ فقد كان البلدان في حالة حرب غير تقليدية لبعض الوقت، لكنه كان صراعًا شنه الوكلاء في الظلال؛ ونادراً ما انطوى على خطر صراع مادي لقواتهم المسلحة النظامية مع بعضها البعض.

كان الوضع بعيدًا عن الكمال، وبالتأكيد لم يرُق لأن يكون سلامًا، ولكن كان هناك على الأقل احتمال في تحسن العلاقة.

كان يمكن للاتفاق النووي الإيراني، الذي كانت طهران تمتثل له على نطاق واسع، أن يكون بمثابة أساس لانفراجة إقليمية أكثر طموحًا، خاصة أن "ترامب" قد انتخب على أساس بدء خفض التمثيل العسكري في الشرق الأوسط.

وبالتالي، لم يكن من المستبعد أن تجد الولايات المتحدة وإيران طرقًا لحل النزاع في مسارح مثل العراق وسوريا واليمن.

إن السياسة الخارجية الحقّة القائمة على شعار "أمريكا أولاً" كانت لتتبنى تركيزاً يتمحور حول الأمن الأمريكي، وكان هذا ليعني تقليل التشابكات في الشرق الأوسط، والسعي إلى حلول دبلوماسية للخلافات التي لا تعد ولا تحصى الموجودة بين الجانبين، مع الاستمرار في الحماية ضد الهجمات الإيرانية على أساس "التوازن المستهدف"، مثل الاستثمار في الاستخبارات والأمن السيبراني.

وكان من الممكن أن يستغل "ترامب" قتل السعودية الوحشي للصحفي المقيم في الولايات المتحدة "جمال خاشقجي" والاشمئزاز المحلي من حرب الرياض في اليمن لتبرير إعادة توازن القوات في الخليج، مع استمرار الولايات المتحدة في دور الضابط للأمور من بعيد.

لكن هذا عكس ما قام به "ترامب"، فبدلاً من تقليص بصمة أمريكا في الشرق الأوسط، حافظ "ترامب"، وفي بعض الحالات، وسّع التزاماته العسكرية في المنطقة.

لقد أعاقت إدارته الدبلوماسية بالانسحاب من الصفقة النووية الإيرانية وتفريغ دور وزارة الخارجية، وزاد "ترامب" الطين بلة بالتحالف مع عدو إيران الإقليمي اللدود؛ السعودية.

ثم جاء اغتيال "سليماني"، في هجوم عسكري تقليدي على مسؤول إيراني رفيع المستوى؛ حسب بعض الروايات، هو ثاني أقوى رجل في إيران.

حرب اختيارية

لحسن الحظ، اختار قادة إيران الرد على مقتل "سليماني" بضبط النفس، وأطلقوا الصواريخ على مواقع الولايات المتحدة في العراق مع تدابير لتقليل خسائر الأرواح لأدنى حد (بالفعل لم يتم تسجيل أي خسائر)، كما أعلن قادة إيران عن رغبتهم في تهدئة التوترات مع الولايات المتحدة، وهو نفس ما ردده خطاب "ترامب" اللاحق من البيت الأبيض.

لكن "ترامب" لم يكن بإمكانه أن يعرف مقدمًا أن رد فعل إيران على مقتل "سليماني" سيكون بلا دم، وكان من الممكن حدوث هجوم فظيع ومازال ممكنًا.

كيف كان رد فعل "ترامب" ليكون على قتل القوات الإيرانية للجنود والمدنيين الأمريكيين؟ كيف سيستجيب لهذا الشيء إذا حدث غدًا، سواء عن تخطيط أو سوء تقدير؟ كيف يمكن أن يستجيب؟

من خلال اختيار تصعيد الصراع مع إيران؛ وضع "ترامب" الولايات المتحدة في موقف يمكن أن تصبح الحرب فيه أمرًا لا مفر منه اعتمادًا على الطريقة التي تتصرف بها إيران ووكلاؤها. هذا بمثابة خوض حرب اختيارية ولا يمكن تركه يمر دون تدقيق.

وكما قال الأكاديمي السياسي "بروس بوكانان"، فإن المساءلة بأثر رجعي عن الحروب المختارة نادراً ما تكون فعالة، المطلوب هو تدخل سياسي قوي خلال حرارة اللحظة لتهدئة المشاعر واقتراح المزيد من خيارات السياسة الرصينة، هذه مهمة يجب على الكونجرس ووسائل الإعلام والجمهور الناخب القيام بها الآن في انسجام.

غياب المبررات المنطقية

في الكونجرس، يجب أن يبقى التركيز على قرار الإدارة قتل "سليماني"، لماذا تم الأمر بمثل هذا العمل المهيّج؟ يشير المسؤولون إلى حقيقة أن "سليماني"، كان العقل المدبر لعدد لا يحصى من القتلى المدنيين، بالإضافة إلى مقتل الجنود الأمريكيين.

هذا صحيح لكنه يجانب النقطة المهمة؛ فشبكة الوكلاء الإقليميين لإيران لم تمُت مع "سليماني"، كما لم ينتهِ اهتمام طهران في تعزيز توازن مواتٍ للنفوذ في الشرق الأوسط.

إن اغتيال قائد قوة القدس لن يحث إيران على تبني سياسة خارجية أكثر هدوءًا مثلما لن يؤدي مقتل مسؤول أمريكي رفيع المستوى إلى إقناع الأمريكيين بالتراجع إلى الانعزالية.

المبرر الوحيد الممكن لقتل "سليماني" هو أن اغتياله كان ضروريًا لمنع هجوم وشيك على القوات الأمريكية، وهذه بالطبع، واحدة من التبريرات الأساسية التي تقدمها إدارة "ترامب"، ولكن لا ينبغي أن تُصدق بسهولة، حيث كانت الأدلة المقدمة لدعمها ضئيلة.

مغامرة بتكرار التاريخ

في هذا الصدد؛ هناك بعض أوجه الشبه التاريخية مع حرب أمريكية أخرى تمت بالاختيار: الحرب المكسيكية الأمريكية في 1846-1848، في ذلك الوقت، أثار الرئيس "جيمس بولك" الحرب مع المكسيك بإرسال قوات إلى منطقة متنازع عليها على طول الحدود الأمريكية المكسيكية.

عندما انتقمت المكسيك، كما هو متوقع، بقتل أعضاء البعثة على الأرض التي صورها "بولك" على أنها أرض أمريكية، اتخذها الرئيس ذريعة حرب، في الواقع، كانت حالة الأرض المعنية غير محددة، وهي نقطة اعترف بها "بولك" في نهاية المطاف، لكن الحرب كانت قد بدأت بالفعل.

على الرغم من أنه من الخطأ المبالغة في إيجاد التشابهات بين "بولك" و"ترامب"، فإن الديناميكية الأساسية هي نفسها: القيام بعمل استفزازي وإلزام الأمة بالحرب اعتمادًا على رد الخصم، وفي حالة "بولك"، نشبت الحرب، بينما في حالة "ترامب"، لم يحدث ذلك بعد.

تم الاعتراف بأن الحرب المكسيكية الأمريكية كانت حربًا بالاختيار في ذلك الوقت، ندد الرئيس السابق "جون كوينسي آدمز" بمناورة "بولك" ووصفها بأنها "شائنة"، في حين اقترح الرئيس المستقبلي "أبراهام لنكولن" سلسلة من القرارات التي سماها بـ "قرارات البقعة" لمجلس النواب.

استهدفت القرارات ثغرات في تأكيد الرئيس بأن "البقعة" التي أريقت فيها الدماء الأمريكية كانت في الواقع تربة أمريكية، وفي الوقت الذي كانت فيه الأعمال القتالية ما تزال مستمرة، تبنت أغلبية حزب اليمين في مجلس النواب قرارًا لإدانة الحرب باعتبارها "بدأت بلا داع وبشكل غير دستوري من قبل رئيس الولايات المتحدة".

بالطبع، لم تنجح أغلبية حزب اليمين في إيقاف حرب "بولك" مع المكسيك، لكن الأكثر فصاحة بينهم كشف عن حجة نقدية مفادها أن الحروب الاختيارية غير شرعية ويجب إيقافها.

مكابح الحرب الممكنة

اليوم، يجب على الديمقراطيين والجمهوريين الوطنيين المضي قدماً باستخدام كل الوسائل التشريعية المتاحة لهم لتقييد حرية "ترامب" في التصرف وتشجيع السعي للدبلوماسية.

يعد "قرار القوى الحربية" الجديد لـ"تيم كين" نقطة بدء جيدة، وقد يكون هناك فرصة جيدة لتمريره إذا نجح النائب الجمهوري "مايك لي"، في إقناع زملائه الجمهوريين بالمصادقة على هذا الإجراء.

الحروب الاختيارية ليست حتمية، إنها نتاج القرارات المتعمدة، والطريقة لتجنب الحروب المختارة هي بالتالي انتزاع عملية صنع القرار بعيداً عن المتهور ووضعها في أيدي أولئك الذين يميلون إلى السلام، هذه مهمة ملحّة أكثر من أي شيء آخر.

المصدر | بيتر هاريس | ناشيونال انترست - ترجمة الخليج الجديد