الجمعة 17 يناير 2020 05:00 م

مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يقيّم جيران إيران الإقليميون موقفهم في حالة حدوث تصعيد خطير.

فقد تراجعت واشنطن وطهران عن حافة الحرب في أعقاب الاغتيال الأمريكي للعسكري البارز "قاسم سليماني"، لكن في حالة حدوث مثل هذا التصعيد بين الطرفين مرة أخرى، أو شموله لمدى أكبر أو استمراره لفترة أطول، فإن الخليج يخاطر بأن يُنظر إليه على نحو متزايد على أنه بيئة أعمال تجارية مميتة؛ ما يمكن أن يكون له تداعيات اقتصادية دائمة على أعضاء مجلس التعاون الخليجي.

ليس لدول مجلس التعاون الخليجي سيطرة تذكر على نزع فتيل هذا التهديد أو على استراتيجية واشنطن الإقليمية؛ حتى عندما يكون أمنها في مواجهة الخطر مباشرة، كما يتضح من الضربة الإيرانية على منشآت النفط السعودية في سبتمبر/أيلول الماضي.

وبالتالي، فإن المخاوف من مواجهة أخرى بين الولايات المتحدة وإيران والعواقب الاقتصادية ستدفعهم إلى النظر في جهودهم الخاصة لتخفيف التصعيد في الخليج.

المخاطر الاقتصادية للتصعيد

بالنسبة لدول الخليج العربي؛ فإن التأثير الأكثر ترجيحا للتوترات الأمريكية الإيرانية المتصاعدة هو تداعيات اقتصادية طويلة الأجل بسبب تصاعد المخاطر في المنطقة.

لقد شهدت صناعات الشحن والطيران الإقليمية آثارا سلبية مؤقتة من أحدث تصعيد بين إيران والولايات المتحدة، وبالنسبة للشركات التي توفر التأمين على الشحن، تصاعدت قيمة أقساط "مخاطر الحرب" خلال الأسبوع الماضي.

استؤنفت الرحلات الجوية إلى المجال الجوي العراقي والإيراني، والتي أُلغيت على خلفية الفوضى، لكن يمكن أن تؤدي أوامر حظر الطيران المستمرة إلى اضطرابات اقتصادية دائمة، لا سيما في منطقة تعتمد اعتمادا مكثفا على حركة الطيران الدولية.

وتعكس الرحلة الدولية الأوكرانية التي أسقطتها الصواريخ الإيرانية في 8 يناير/كانون الثاني، الخطر الجديّ الذي لا يزال يشكله التصعيد على قطاع الطيران في المنطقة.

أما بالنسبة لصناعات الطاقة الحيوية لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن الأحداث الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة لم تسبب سوى تقلبات مؤقتة في أسعار النفط. لكن أي هجوم خطير على البنية التحتية يوقف إنتاج كميات كبيرة من النفط الخام؛ قد يُولّد تأثيرا طويل الأجل على الأسعار.

وإذا ظلت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران عالية، فإن دول مجلس التعاون الخليجي سوف تكافح أيضا على المدى الطويل لإقناع المستثمرين والسائحين ورجال الأعمال الأجانب بأن منطقة الخليج وجهة مستقرة، ما يمكن أن يقوض خطط التنويع الاقتصادي على المدى الطويل، حيث تعمل دول الخليج جميعها - بدرجات متفاوتة - على تقليل اعتمادها على النفط والغاز والعمالة الأجنبية من خلال تشغيل المزيد من سكانها الوطنيين، لتخفيف وطأة التباطؤ الاقتصادي الذي لا مفر منه في العقد القادم.

تروج السعودية مثلا لصناعة السياحة الناشئة وترحب بمزيد من الأعمال التجارية الدولية، لكن المخاوف من مواجهة أخرى بين الولايات المتحدة وإيران ستُعقِّد قدرة الرياض على القيام بذلك، لا سيما إذا كان ذلك يؤثر على عائدات النفط والغاز الضرورية لتمويل خطط التنويع.

وقد تؤدي وطأة العداء الدائم بين الولايات المتحدة وإيران أيضا إلى إعاقة السياح والمستثمرين العقاريين والزوار من حضور الفعاليات في دولة الإمارات، مثل معرض "إكسبو 2020" في أكتوبر/تشرين الأول القادم، والذي تم الترويج له كثيرا، كما يُصعّب جذب الكويت وعُمان وقطر للعمالة الوافدة التي تشتد الحاجة إليها كذلك.

الوقوع في مرمى النيران

الخطر الأكبر والأقل ترجيحا هو احتمال حدوث هجمات مادية من قبل إيران نفسها أو من قبل وكلائها الإقليميين. ففي حالة حدوث تصعيد خطير يشمل ضرب إيران لأهداف أمريكية في جميع أنحاء المنطقة؛ فإن جميع دول الخليج ستكون عرضة لضربة واسعة النطاق، بالنظر إلى أن كل دولة منهم تستضيف قواعد وقوات عسكرية أمريكية داخل حدودها.

لكن من المحتمل أن تجد بعض دول الخليج العربي نفسها واقعة في مرمى نيران إيران أكثر من غيرها، حيث تحتفظ السعودية والبحرين - على وجه الخصوص - بعلاقات أكثر عدائية مع طهران، وبالتالي فهي أكثر عرضة لخطر الاعتداءات المادية على بنيتها التحتية الحيوية، بما في ذلك مرافق النفط وتحلية المياه.

أما علاقات عُمان وقطر والكويت مع إيران، فقد تجعلها أقل عرضة للهجوم المادي، فيما تقع دولة الإمارات في مكان ما في الوسط، حيث تعارض حكومتها الفيدرالية في أبوظبي إيران أكثر من بعض الحكومات الإقليمية في بقية إمارات الدولة.

تجدر الإشارة إلى أن بعض أنشطة وكلاء إيران تشكل أيضا مخاطر أمنية دائمة على دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يشن المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران هجمات بانتظام بالقرب من الحدود السعودية في اليمن.

لكن تجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران قد يدفع الحوثيين أيضا إلى تقوية علاقتهم بطهران والبدء في مقاومة بعض جهود الرياض للدخول في حوار مباشر مع الجماعة المتمردة، وبالتالي يطول الصراع اليمني في وقت تسعى فيه السعودية إلى مخرج.

إسفين في العلاقات الأمريكية الخليجية

ولكن، في مواجهة هذه المخاطر الاقتصادية والأمنية؛ تدرك دول الخليج العربية أنها لا تملك أبعد من مجرد التأثير على استراتيجية واشنطن المعادية لإيران، ولا يمكنها السيطرة عليها.

وبالتالي؛ فللحد من أحدث جولة من التصعيد، اتبعت السعودية والإمارات خطى عُمان والكويت من خلال محاولة تخفيف حدة التوتر (في حالة الرياض من خلال التواصل غير المباشر مع إيران).

ومن جانبها؛ فإن إيران تحاول الموازنة بين ضغط العقوبات الأمريكية الذي لا هوادة فيه من جهة، وحماية علاقاتها الاستراتيجية مع الأطراف الفاعلة الإقليمية وحلفائها من ناحية أخرى.

وفي نهاية المطاف، يتمثل أحد الأهداف الرئيسية لطهران في خفض الدرجة الكلية للتأثير الأمريكي في منطقة الخليج من خلال طرد القوات الأمريكية من القواعد العسكرية الممتدة على طول شبه الجزيرة العربية.

ولكن للقيام بذلك، تحتاج إيران أولا إلى إبعاد جيرانها عن واشنطن من خلال الانخراط في حوار مباشر؛ ما قد يحد من استعدادها لضرب أهداف مجلس التعاون الخليجي مباشرة في المستقبل.

هذه الفترة من العداء الأمريكي الإيراني والمخاطر الإقليمية اللاحقة تغذي طفرة حديثة في العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة بمرور الوقت.

وبدون القدرة على التأثير أو تشكيل الإجراءات الأمريكية التي قد تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية شديدة؛ فإن ثقة دول مجلس التعاون الخليجي بالولايات المتحدة قد تتدهور بمرور الوقت.

على المدى القريب؛ يمكن للولايات المتحدة أيضا زيادة مطالبها بأن تتخذ دول مجلس التعاون الخليجي موقفا أكثر تشددا مع إيران، ما يزيد من خطر عقوبات أمريكية تجبر دولا مثل قطر وعُمان على قطع علاقاتها الاقتصادية المستمرة مع طهران.

لكن من خلال إجبار الولايات المتحدة لدول الخليج العربي الموجودة تحت جناحها دون أن يكون لهم حق إبداء رأي في تصرفاتها ضد إيران، تخاطر واشنطن بتفاقم الاضطراب الإقليمي بدلا من تخفيفه.

المصدر | إيميلي هاوثرون/ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد