الثلاثاء 21 يناير 2020 04:18 م

لم يكن إعلان السعودية اعترافها بسيادة قبرص الرومية (اليونانية) على كامل أراضي جزيرة قبرص (بما يعني عدم اعترافها بقبرص التركية الشمالية)، مفاجئا لمتابعي مسار العلاقات السعودية التركية، خلال الشهور القليلة الماضية.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بين هذا الاعتراف وبين ما تمر به العلاقات السعودية التركية من توتر متصاعد، وسط توقعات بمزيد من التدهور في العاقات بين الرياض وأنقرة.

ويأتي التقارب السعودي مع جمهورية قبرص (اليونانية) متماهيا مع موقف مصر، التي سعت منذ سنوات للتحالف مع قبرص واليونان لمواجهة النفوذ التركي شرقي البحر المتوسط.

  • توقيت الخطوة

في سبتمبر/ أيلول الماضي، أجرى وزير الخارجية السعودي السابق؛ "إبراهيم بن عبدالعزيز العساف"، زيارة رسمية إلى قبرص تعد الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين البلدين.

والتقى "العساف" خلال الزيارة، الرئيس القبرصي "نيكوس أناستاساديس"، ووزير الخارجية "نيكوس خريستودوليديس"، وعدد من المسؤولين القبارصة؛ للتباحث حول تعزيز العلاقات بين البلدين.

وجاءت الخطوة ضمن سياق تقارب ناشيء بين الرياض ونيقوسيا، تضمن تعيين "خالد بن محمد الشريف"، كأول سفير للمملكة في جنوب قبرص، وإعلان شركة طيران "ناس" السعودية، تدشين خط مباشر إلى لارنكا القبرصية، وإطلاق حملة لتشجيع السياحة إلى قبرص بدلا من تركيا.

وفي إطار هذا التقارب، استقبل العاهل السعودي، الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، وزير خارحية قبرص الذي يزور البلاد الأسبوع الجاري؛ لبحث العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها، إضافة إلى تباحث قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك، بحسب وكالة الأنباء السعودية "واس".

  • الرد التركي

ولم يمر التقارب السعودي مع قبرص مرور الكرام، لكنه أثار امتعاض أنقرة، التي عبرت من خلال مستشار الرئيس التركي "ياسين أقطاي"، عن رفضها لزيارة "العساف"، في سبتمبر/ أيلول، معتبرا أنها تعد "تحديا لتركيا".

وصرح "أقطاي" خلال مقابلة متلفزة، بثتها وسائل إعلام تركية، أن "هذه الزيارة تتناقض مع علاقات الصداقة بين تركيا والسعودية"، متسائلا عن مصلحة السعودية في هذه الزيارة وسر تأسيس العلاقات مع قبرص (الجنوبية))، غير المعترف بها من قبل تركيا.

لكن "أقطاي" عاد وذكر الرياض بجريمة مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، في قنصلية المملكة في إسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018، ملمحا إلى أن الموقف التركي من القضية هو السر وراء رغبة الرياض في التقارب مع نيقوسيا.

ومنذ مقتل "خاشقجي"، ومطالبة أنقرة بمحاكمة مسؤولين سعوديين تورطوا في الجريمة، يشن الإعلام السعودي حملات ضارية ضد تركيا، وسط دعوات لمقاطعة السياحة والبضائع والمنتجات التركية، ناهيك عن انحياز الدبلوماسية السعودية إلى مواقف معادية لأنقرة في العديد من القضايا مثل الصراع في ليبيا.

وقبل أيام، نددت الخارجية السعودية في بيان لها بموافقة البرلمان التركي على إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، معتبرا الخطوة "تهديدا للأمن والاستقرار في ليبيا، وتهديدا للأمن العربي والإقليمي، وتدخلًا في الشأن الداخلي لدولة عربية، في مخالفة سافرة للمبادئ والمواثيق الدولية".

  • مناكفة سياسية

وفق وثيقة مسربة نشرها مؤخرا موقع "ميدل إيست أي" البريطاني قبل شهور، فإن السعودية تعمل بالتعاون مع الإمارات على إضعاف حكومة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، وإبقائه مشغولا بمواجهة أزمات متكررة في الداخل والخارج، وهو السياق الذي يبرر إلى حد كبير التقارب اللافت بين المملكة وقبرص.

ومنذ عام 1974، تعيش جزيرة قبرص انقساما بين شطرين؛ تركي في الشمال، لا تعترف به سوى تركيا كدولة ذات سيادة، ويوناني في الجنوب يحظى بعضوية الاتحاد الأوروبي ويتمتع باعتراف دولي، وسط توترات متزايدة بين الشطرين، وخلافات حول حقوق التنقيب عن الغاز شرقي المتوسط.

ويرى مراقبون أن إعلان وزير الخارجية السعودي الأمير "فيصل بن فرحان بن عبد الله"، تأييد الرياض لسيادة قبرص الرومية على أراضيها ربما يقطع شعرة معاوية مع أنقرة، والتي لا تعترف بسيادة قبرص إلا على الجزء الجنوبي من الجزيرة.

وتأتي الخطوة السعودية، على غرار خطوة إماراتية مماثلة اتخذتها أبوظبي حين استضافت وزيري الخارجية القبرصي "نيكوس خريستودوليديس" واليوناني "نيكوس ديندياس"، نوفمبر/تشرين الثاني الماضي؛ لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك بين الدول الثلاث.

  • حروب الطاقة

ويبدو أن التوجه السعودي الجديد يتجاوز التصريحات، حيث ترغب المملكة في تقديم قبرص كوجهة سياحية واستثمارية، بديلة عن تركيا.

وبحسب أرقام تقديرية، لا يتجاوز حجم التبادل التجاري بين السعودية وقبرص 170 مليون ريال (45.3 مليون دولار) خلال عام 2018، وهو رقم متدن للغاية، يؤكد أن السياسة لا الاقتصاد هو المحرك الرئيس وراء إعادة توجيه بوصلة الرياض نحو نيقوسيا، بهدف مناكفة أنقرة.

وتشير تصريحات وزير الخارجية القبرصي، "نيكوس خريستودوليديس"، حول تناول المباحثات فرص التعاون في مجال الطاقة، إلى نوايا الطرفين، حيث ترغب الرياض في إقحام نفسها كطرف فاعل في مشروعات استكشاف الغاز بالمياه الإقليمية لقبرص، وتعزيز موقف نيقوسيا في مواجهة خطط التنقيب التركية.

ويعتقد الخبراء بوجود احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي قبالة قبرص تقدر بنحو 227 مليار متر مكعب، خاصة مع توالي اكتشافات الغاز الطبيعي هناك، ومسارعة قوى إقليمية لترسيم الحدود بالبحر المتوسط؛ لنيل حصة من كعكة الغاز.

ويمكن القول، إنه ليس من قبيل المصادفة، توافد وزيري خارجية قبرص واليونان، على الرياض وأبوظبي، خلال الشهرين الماضيين، دون الربط بين تلك الزيارات، وبين توتر علاقات الدولتين الخليجيتين مع تركيا على خلفية قضية "خاشقجي"، والأزمة الليبية، والموقف التركي الداعم لقطر في مواجهة حصار الرباعي العربي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) القائم منذ يونيو/حزيران 2017.

في ضوء ذلك، يبدو أن قبرص مرشحة لتكون نقطة الصدام التالية بين السعودية والإمارات وبين تركيا، في محاولة من الثنائي الخليجي لتصدير أزمة جديدة لحكومة "أردوغان"، واستخدام نيقوسيا كساحة جديدة للصراع السياسي والاقتصادي ضد أنقرة.

المصدر | الخليج الجديد