الأحد 16 فبراير 2020 06:14 م

قد لا يكون منح البرلمان اللبناني الثقة لحكومة "حسان دياب" الجديدة، كافيا في بلد يعاني أزمة اقتصادية، ومديونيات ضخمة، ويشهد احتجاجات شعبية منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وشكل "دياب" الحكومة من 20 وزيرا غير معروفين، معظمهم من الأكاديميين وأصحاب الاختصاصات.

ويبلغ عدد نواب البرلمان اللبناني 124 نائبا، حضر منهم 84 جلسة مناقشة البيان الوزاري (خطة عمل الحكومة)، وصوت 63 لصالح منح الثقة للحكومة، بينما رفض 20، وامتنع نائب واحد عن التصويت.

وتعني الأرقام السابقة، أن نحو نصف "النواب اللبناني" لم يؤيد حكومة "دياب"، ناهيك عن الشارع اللبناني المفعم بالغضب، بما يعني أن الحكومة الجديدة سوف تباشر مهامها وسط انقسامات سياسية حادة، وانتقادات شعبية كبيرة، ودون خطة واضحة لمعالجة المشاكل الاقتصادية والإنمائية، مثل ملف الكهرباء والأزمة المالية.

رسائل تهدئة

ويدرك "دياب" حجم المأزق الذي تواجهه حكومته التي تخلف وزارة "سعد الحريري"، التي قدمت استقالتها في 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تحت وطأة ضغوط شعبية مستمرة إلى الآن.

وبين رسائل التهدئة والاستعطاف، ووعود الإصلاح ودعوات الاصطفاف، حمل بيان "دياب" أمام مجلس النواب اللبناني، رسائل متعددة.

وفي محاولة لنفي الاتهامات الموجهة إليه بضم وزراء لهم ولاءات سياسية، والاتهامات الموجة له نفسه بموالاة "حزب الله"، أكد "دياب" أن "هذه الحكومة هي حكومة اختصاصيين غير حزبيين"، دون أن ينكر وجود هوى سياسي لبعض وزرائها، لكنهم جميعا، وفق تأكيده "ينسجمون مع الإطار العام الذي وضعه منذ اليوم الأول لتكليفه".

وحمل خطاب "دياب"، الثلاثاء الماضي، مغازلة للشارع اللبناني، قائلا: "لولا انتفاضة اللبنانيين في 17 تشرين الأول، لما كانت هذه الحكومة"، مشددا على أن حكومته، ملتزمة، قناعة وواقعاً، بحمل مطالب اللبنانيين، وإدارة البلاد بشكل تشاركي مع مكونات المجتمع اللبناني كافة.

وتبرأ "دياب" من تركة سلفه، قائلا إن "حكومته ليست هي التي أوصلت البلد إلى هذا الوضع الخطير"، منتقدا محاسبته قبل تولي المهمة، قائلا: "على مدى ساعات، استمعنا إلى مداخلات السادة النواب، بعضها أنصفنا، وبعضها نصحنا، وبعضها حاسبنا وكأننا في الحكم منذ 30 سنة".

تحديات جمة

وتواجه الحكومة اللبنانية الجديدة واقعا سياسيا معقدا، حيث رفض المشاركة فيها كل من تيار المستقبل، بزعامة "الحريري"، وحزب اللقاء التقدمي الاشتراكي، وحزب القوات اللبنانية، وحزب الكتائب اللبنانية.

ويعزز غياب دعم الطائفة السنية للحكومة الاتهامات الموجهة لوزارة "دياب"، بأنها حكومة "حزب الله"، ما سيجعلها تكابد مستقبلا في سبيل إقناع الدول بتزويد لبنان بالدعم المالي الذي هو في أمس الحاجة إليه.

وفي محاولة لدفع تلك الاتهامات، قال رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة"، النائب "محمد رعد" (قيادي في حزب الله) أمام البرلمان، إن "هذه الحكومة لا تشبهنا، وارتضيناها لتسهيل تشكيلها"، ما اعتبر رغبة في توفير الحماية لها، وإعفاء "حزب الله" من اتهامه بالسيطرة على الحكومة.

وتعد مسألة سيطرة "حزب الله" على حكومة "دياب" حساسة جدا بالنسبة للأطراف الأوروبية والأمريكية والخليجية، التي سترهن دعمها لبيروت على درجة استقلالية الحكومة، وإصلاحاتها، ومدى علاقتها مع إيران وحجم تأثرها بنفوذ "حزب الله".

رقم صعب

ويرى المحلل السياسي "خطار أبودياب" في حديثه للإذاعة الألمانية، أنه من الصعب على رئيس الوزراء الجديد تهدئة الشارع، لأن "الحراك في لبنان أصبح رقماً صعباً، لا يمكن الالتفاف عليه"، إلا في حال "المفاجأة الإيجابية"، في إشارة إلى حاجة الحكومة الماسة لتحقيق إنجاز سريع على الأرض.

ويطالب المحتجون بانتخابات برلمانية مبكرة، واستقلال القضاء، ورحيل ومحاسبة بقية مكونات الطبقة الحاكمة، واستعادة الأموال المنهوبة، ومكافحة الفساد والبطالة، وحماية الشرائح الفقيرة من الضرائب الباهظة.

وتقف الحكومة الجديدة أمام تحد رئيسي، يتمثل في القدرة على وضع خطة طوارئ بعد شهر من الآن، تكون المدخل لوضع خطة إنقاذ لوقف الانهيار الاقتصادي والمالي خلال 100 يوم كما وعدت الحكومة في بيانها الوزاري.

ويعتقد المحلل السياسي اللبناني، "وفيق إبراهيم" أن الحكومة الجديدة ستحاول أن تحوز ثقة الشارع، وأن تحقق الشرعيتين معا، الشرعية الدستورية وقد تمت لها، والشعبية عبر إنقاذ الاقتصاد اللبناني، الذي يعاني الانهيار، مشيرا إلى أن "رواتب الموظفين في الدولة غير متوفرة إلا لشهرين فقط".

فرص النجاح

ورغم ذلك، لا تبدو مهمة "دياب" سهلة بحال خاصة إذا أخذنا في الاعتبار، أن قوى داخلية ربما تعمل على إفشاله عن عمد، وأن عدم مشاركة كتلة المستقبل التي يتزعمها "الحريري" في الحكومة، يعني أنها ستكون ضمن صفوف المعارضة.

لكن الرغبة المتزايدة لدى "دياب" لإثبات استقلاليته، وأنه ليس "رجل حزب الله"، قد تمكن الأكاديمي الذي شغل منصب وزير التربية والتعليم العالي سابقا، من تجاوز ذلك الاستقطاب، إلى نيل ثقة الشارع اللبناني الثائر.

وقد تحقق ضربة موجعة للفساد، مدعومة بإصلاحات اقتصادية سريعة على الأرض، بداية مثالية للأكاديمي السني، الذي دعا الجميع قائلا: "نحن لا نريد الدخول في سجالات سياسية مع أحد.. فقط اتركونا نعمل".

دوليا وإقليميا، لا يمكن إغفال الظروف المتدهورة في المنطقة جراء التصعيد الأمريكي الإيراني على خلفية اغتيال "قاسم سليماني"، والرغبة الأمريكية في تمرير خطة السلام التي أعلنها "دونالد ترامب" المعروفة إعلاميا بـ"صفقة القرن"، والمخاوف من تجدد الربيع العربي، وهي متغيرات قد تدفع باتجاه مد طوق النجاة لحكومة "دياب" والعمل على إنجاحها.

يبقى إذن أن زيارات "دياب" الخارجية المرتقبة، والرسائل التي ستحملها للأطراف الغربية والعربية، والخليجية تحديدا، هي التي ستميط اللثام بلا شك عن توجهات ومستقبل الحكومة اللبنانية الجديدة التي تأمل في إقناع المانحين بتمويل حزمة مساعدات دولية بأكثر من 11 مليار دولار، وهي مهمة لا تبدو سهلة بحال بالنظر إلى الأوضاع القائمة محليا وإقليميا.

المصدر | الخليج الجديد