الأحد 16 فبراير 2020 03:10 م

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019، دقت طبول حرب أهلية جديدة في لبنان، الشعب ضد البرلمان، وعلى مدار أشهر، زادت الاحتجاجات والمظاهرات الجماهيرية في ضراوتها، حيث توسعت لتشمل المناورات السياسية.

ويتميز الغضب العام الأخير بكل خصائص بركان هادئ يتجهز ليثور فجأة، ليكشف عن تلك الحمم التي كانت تغلي طويلا تحت السطح.

وبالنظر إلى كل ما يبدو من الخارج، شهد لبنان عدم مبالاة سياسية لفترة طويلة، وعندما ذهبت البلاد إلى صناديق الاقتراع، في مايو/أيار 2018، كانت قد مرت 9 أعوام طويلة منذ الانتخابات البرلمانية السابقة، التي كان من المفترض أن تُعقد كل 4 أعوام، وقد صوت الوزراء والسياسيون مرارا وتكرارا على تأجيلها، مشيرين إلى المخاوف الأمنية والأزمات السياسية والخلافات حول قانون الانتخابات.

وخلال الحملة الانتخابية لعام 2018، كان المرشحون متفائلين بأن عدم الرضا الشعبي عن الاقتصاد اللبناني المتعثر، والبنية التحتية الفاشلة، والفساد المستشري، من شأنه أن يستفز الناخبين لاختيار الإصلاح، لكن تحطمت كل آمال من هذا القبيل.

وكانت نسبة المشاركة أقل من 50%، وكان التغيير الرئيسي هو تراجع الحزب الذي يرأسه رئيس الوزراء "سعد الحريري"، ما أدى إلى زيادة تأييد "حزب الله".

وعلى مدى 9 أعوام من عام 2009، أرغمت الحقائق السياسية حكومة "الحريري" على ضم أعضاء من "حزب الله"، المدعوم من إيران، وكان التأثير الرئيسي لانتخابات 2018 هو وضع مزيد من السلطة في أيدي "حزب الله".

وبعد الانتخابات، استغرق "الحريري" 9 أشهر لتشكيل الحكومة التي فشلت في معالجة مشاكل لبنان المستوطنة.

وكانت الشرارة التي أشعلت الاحتجاج الشعبي الجماهيري هو إعلان الحكومة عن فرض ضرائب جديدة على البنزين والتبغ والوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت.

وتحولت المظاهرات الأولى، في أكتوبر/تشرين الأول 2019، بسرعة إلى أعمال شغب تنديدا بتدهور الاقتصاد وتزايد البطالة والفساد في القطاع العام، وعدم كفاية الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي.

وفي أكتوبر/تشرين الأول استقال "الحريري" وسط مطالب علنية بحكومة من المتخصصين المستقلين (التكنوقراط)، ولاحقا جرى اقتراح وزير التعليم السابق، "حسن دياب" الذي نظر الجمهور إليه باعتباره رجلا من نفس النخبة الحاكمة المشبوهة التي تتشبث بالسلطة.

ومع ذلك، بدعم من "حزب الله" وحلفائه السياسيين، تم تأكيد التعيين في 22 يناير/كانون الثاني 2020، وتم تكليف "دياب" بتشكيل حكومة جديدة.

ويوم الثلاثاء 11 فبراير/شباط، في مبنى البرلمان الذي يحاصره المتظاهرون، ومع المظاهرات الجماهيرية التي تم تنظيمها في جميع أنحاء بيروت وخارجها، منح غالبية البرلمان الثقة للحكومة الجديدة، وكذلك خطة الإنقاذ المالي.

وصوت بالموافقة 63 من أصل 84 برلمانيا، وكان هؤلاء المؤيدين أعضاء في "حزب الله" وحلفائه، وقد صوت حزب رئيس الوزراء السابق "سعد الحريري" وحلفائه ضد الحكومة الجديدة.

ومع بدء الجلسة البرلمانية التي استمرت 9 ساعات، استخدمت قوات الأمن، بما في ذلك الجيش اللبناني وشرطة مكافحة الشغب وفرق القوات الخاصة، الهراوات والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لفتح الطرق التي يغلقها المتظاهرون لعرقلة التصويت.

وهدم المتظاهرون الحواجز المعدنية والإسمنتية التي أقيمت حول "ساحة النجمة"، مقر البرلمان، وأشعلت مجموعة من الناس النار في بنك بجوار مدخل البرلمان، وأصيب أكثر من 200 شخص في أعمال الشغب.

وهاجمت مجموعة من المتظاهرين عضو البرلمان "سليم سعادة" في سيارته، وفي فيديو تم نشره على حسابه على "تويتر"، كان قميصه ملطخا بالدم، وعينه اليسرى زرقاء ومنتفخة، وقال "سعادة": "الحمد لله أنا بخير. أشكر الجميع على حبهم".

وشمل التصويت على منح الثقة لحكومة "دياب" بيانه المكون من 16 صفحة بشأن خطة إنقاذ لإخراج لبنان من أزمته الاقتصادية والمالية، وتشمل الخطة إصلاحات في المجالات القضائية والمالية والإدارية، بالإضافة إلى مقترحات لمحاربة الفساد وإصلاح الشؤون المالية للبلد.

وتعد نسبة ديون لبنان، التي تصل إلى أكثر من 150% من الناتج المحلي الإجمالي، واحدة من أعلى النسب في العالم، ووعد "دياب" باتخاذ تدابير "مؤلمة"، بما في ذلك خفض أسعار الفائدة.

وبالنظر إلى رد فعل الجمهور اللبناني على محاولة رفع الضرائب مرة أخرى في شهر أكتوبر/تشرين الأول، من الصعب التنبؤ بأي شيء آخر غير المعارضة الجماهيرية الشديدة لهذه الحكومة وأي إجراءات مؤلمة تنبثق عنها.

ويتلخص جوهر المشكلة في أن الجمهور يرى أن النخبة الحاكمة يهيمن عليها "حزب الله" الخاضع لإيران، وعلى مدى العقود القليلة الماضية، كان الحزب يستخدم الأجهزة السياسية والعسكرية والإدارية للدولة، إلى أن أصبحت الآن مجرد قشرة خارجية لبلد يفترض أنه مستقل وذو سيادة.

وفي وقت من الأوقات بدا أن "حزب الله" أنشأ "دولة داخل دولة" داخل لبنان، ويعتقد الكثيرون الآن أنه لا يمكن التمييز بين الدولة اللبنانية و"حزب الله".

ومن الناحية النظرية، يجب أن يكون لبنان نموذجا لشرق أوسط سلمي في المستقبل، فهي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تتقاسم، بموجب دستورها، السلطة على قدم المساواة بين المسلمين السنة والشيعة والمسيحيين، ومع ذلك، كان للواقع العملي رأي آخر، فقد فاقم الدستور ذاته الصراع الطائفي بدلا من القضاء عليه.

ويكمن إصلاح الدستور، الذي لا يقل أهمية عن الإصلاحات الأساسية لمستويات المعيشة واستئصال الفساد في الحياة العامة، في قلب عدم الرضا الشعبي واسع النطاق الذي يهز لبنان حاليا.

المصدر | نيفيل تيلر | أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد