الأربعاء 25 مارس 2020 01:18 م

بعد أن ينقشع غبار الوباء

يخطئ من يعتقد، بسبب العجز وقلة الحيلة أن فيروسا صغيرا سيكون مدخلا لحلّ إشكاليات الإنسان الكبرى!

إصلاح المؤسسات مدخل لإصلاح الإنسان نفسه ليقاوم أنواع الأوبئة الصحية والمادية والأخلاقية بمسيرته المتعثّرة.

كارثة وباء الكورونا قد تساهم في انتقال الملايين خطوة أولى فى درب إصلاح تركيبة وعلاقات وممارسات مؤسسات أقامها الإنسان.

مؤسسات دولية تعتل علاقاتها الداخلية فتصبح غير ديمقراطية وغير محكومة بقيم الإنسانية خاصة قيمة العدالة وتختطف من قبل أفراد أو أقليات.

*     *     *

بعد فترة لن تطول سينقشع غبار فيروس كورونا، ومعه ستهدأ النفوس وتتراجع المخاوف والمبالغات، وستفتّش وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعى عن موضوع آخر تتسلّى به، وسيساعدها جيش من الكتّاب وأصحاب الحضور الشعبوى الديماغوجى وإعلام الثرثرة على الانتقال إلى ذلك الموضوع بيسر وافتتان.

ومع ذلك، وكتمرين ذهنى على الأقل، دعنا نطرح السؤال التالى: ما الحال النفسى والذهنى والسَّلوكى الذى سيكون عليه حال البلايين من الناس العاديين، وهم الذين عانوا أكثر من غيرهم ويلات وفواجع ذلك الوباء الفيروسى؟

لو أننا فتشنا عن الجواب فى تاريخ البشرية، لنتعلم من دروسه وعبره، لأفحمنا قول لورنس دورل «بأن التاريخ هو إعادة مكرًّرة لأساليب حياتية خاطئة» أو قول فريدريك هِبل: «كان من الأفضل لو أن الإنسان اهتّم بتاريخ طبيعته أكثر من اهتمامه بتاريخ أفعاله» أو قول غوته «الخطيئة تكتب التاريخ، بينما تبقى الطيبة فى صمت مطبق».

على ضوء تلك الانطباعات يشعر الباحث فى التاريخ عن جواب بأن دروس تاريخ الحاضر، تاريخ الآن، بكل أهواله وما يفعله فى حياة الملايين اليومية، لن تكون دروسا تغييرية للمستقبل المنظور، على عكس ما يقوله البعض من أن التاريخ هو علم التغيّر.

لعلً ما يفسّر ذلك هو قول سايرل كونولى: «إن ذاكرتنا ليست أكثر من بطاقات فهرس، ما إن ينتهى الرجوع إليها، حتى تُخل وتُفسد ترتيبها سلطة لا يمكن السيطرة عليها». وفى عالمنا الذى نعيش لن تكون سلطة واحدة فقط وإنّما سلطات لا حصر لها ولا عد.

من هنا نستطيع التنبؤ بألم وبحسرة، وعلى عكس ما يظنّه الكثيرون ويرددونه الآن، بأنه ما إن تنقشع الغمّة الوبائية الحالية حتى تعود الغالبية الساحقة من البشر العاديين إلى سلوكياتها وعصبيّاتها وتحزباتها وغمغماتها السابقة ونسيان وجوه وأسماء ما ومن سهّل مجىء الوباء الكارثى ومن أخفق فى مواجهته.

ستنسى الغالبية العظمى خطابات ومواقف وتبريرات رؤساء الطوائف الدينية والمذهبية، ورءوس القبائل والعشائر والأفخاذ والعائلات المتنفّذة، وقادة الأحزاب الخالدين، ومالكى مؤسسات الثروة الاقتصادية والمالية.

وستعود الحياة السياسية الرتيبة، المختطفة من كارتيلات أقلية متفاهمة على توزيع الخيرات والنفوذ والأرض ومن عليها فيما بينها، ستعود كما كانت، غير قادرة على تخطّى خلافاتها وصراعاتها، وغير مؤهلة ذهنيا وأخلاقيا للعمل مع بعضها البعض.

منذ قرون والمفكرون الواعون يكتبون عن شتّى الظروف والعوامل التى قادت إلى قابلية جموع البشر لقبول الذل والاستبعاد أو الهيمنة من قبل أقليات تمارس كل ذلك باسم الدين أو الانتماءات التاريخية أو الخلفية الشرعية الكاذبة أو غيرها من شعارات.

ويستغرب هؤلاء المفكرون مرور القرون على وجود تلك الظاهرة. كل ما يحدث هو تغيّر أشكالها وطرق ممارستها وأساليب تزييف شعاراتها، لكن الجوهر يبقى متجذرا فى حياة جموع البشر.

لكن شيئا فشيئا تتًّضح الإجابات على تلك الأسئلة. ليست العلة فى ذات الإنسان الطبيعية، ولكنها تكمن فى ما يبنيه الإنسان من مؤسسات مجتمعية.

إنها مؤسسات من مثل العائلة والدّين والمذهب والمدرسة والنادى والحزب والنقابة والحكم وغيرها.

جميع هذه المؤسسات تمتلئ بمرور الوقت بالعلل فى علاقاتها الداخلية بحيث تصبح غير ديمقراطية وغير محكومة بالقيم الإنسانية، وعلى الأخص قيمة العدالة. وتنتهى، هى الأخرى، مختطفة من قبل أفراد أو أقليات.

المشكلة كبيرة وبالغة التعقيد، وهى قد تكوُنت عبر القرون وتجذّرت فى عقول ونفوس وأرواح البشر. ولذلك يخطئ من يعتقد، بسبب العجز وقلة الحيلة، بأن هذا الفيروس الصغير سيكون مدخلا لحلّ إشكاليات الإنسان الكبرى.

ومع ذلك فملابسات ونتائج كارثة وباء الكورونا يمكن أن تساهم فى إمكانية انتقال الملايين إلى الخطوة الأولى فى الدرب الطويل من أجل إصلاح تركيبة وعلاقات وممارسات كل المؤسسات التى خلقها الإنسان، إذ إن إصلاحها سيكون مدخلا لإصلاح الإنسان نفسه ليقاوم كل أنواع الأوبئة الصحية والمادية والمعنوية فى مسيرته الإنسانية المتعثّرة.

* د. علي محمد فخرو كاتب ومفكر بحريني

المصدر | الشروق المصرية