الأربعاء 25 مارس 2020 02:59 م

يشير ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" إلى الحقبة الحالية باعتبارها الدولة السعودية الرابعة، لذا فنحن بصدد تحول عميق للغاية في المؤسسات والهياكل الحاكمة والاقتصاد والمجتمع.

كانت هناك أمثلة دراماتيكية حديثة على عملية صنع القرار في الدولة الرابعة، ومحاولات إظهار النفوذ على كل من الجبهة الداخلية والساحة الدولية.

تتجلى الديناميكيات السياسية الجديدة المميزة لنظام "بن سلمان" في احتجاز أميرين رفيعي المستوى من العائلة المالكة وتمزيق ميثاق النفط السعودي الروسي، وتعكس كلتا الحركتين ميثاقًا اجتماعيًا جديدا، يتم فيه تقاسم المخاطر السياسية والاقتصادية مع المجتمع.

تأديب العائلة المالكة

أفادت عدة وكالات أنباء في 5 مارس/آذار باعتقال شقيق الملك، الأمير "أحمد بن عبدالعزيز"، وابن أخيه وزير الداخلية وولي العهد السابق "محمد بن نايف".

كانت التكهنات الأولية بأن الاعتقالات حدثت لمنع محاولة انقلاب، لكن الأحداث لم تبدُ معززة لهذه الفرضية. وبينما كانت هناك تقارير عن عمليات اعتقال أوسع تتركز في دوائر المخابرات - بما في ذلك وزير الداخلية الحالي "عبد العزيز بن سعود بن نايف" ووالده، فقد تم  نشر صور لهما بسرعة وهما يستأنفان مهامهما الرسمية.

من الصعب أن نعرف على وجه اليقين الدافع وراء استمرار احتجاز الأمير "أحمد" و"محمد بن نايف"، ولم يكن هناك اعتراف علني رسمي باعتقالهم.

ذكرت مصادر مقربة من العائلة المالكة أن الاعتقالات كانت تهدف إلى إرسال رسالة إلى أي شخص في العائلة المالكة يشعر بأنه محروم من الحقوق مفادها: "توقف عن التذمر والتزم الحدود".

أشار تقرير آخر في صحيفة "الجارديان" إلى أن الاثنين ربما ناقشا تعيين الأمير "أحمد" على رأس هيئة البيعة، وهي هيئة أنشأها الملك السابق "عبدالله" لإضفاء الطابع المؤسسي على تدخلات العائلة المالكة تجاه قادة المستقبل، والمجلس مسؤول عن بدء الدعوة لمبايعة ولي العهد ليصبح ملكًا إذا مات الملك أو أصبح عاجزًا.

بصفتهم مرشحين بارزين من الجيل الأول والثاني على التوالي، لفت الأمير "أحمد" و"محمد بن نايف" انتباه أفراد العائلة المالكة الساخطين والمواطنين الغاضبين من سياسات "بن سلمان" وتخليه عن المعايير الملكية الراسخة، وذلك كبدائل محتملين لولي العهد.

في حين كانت هناك تقارير تفيد بأن الأمير "أحمد" كان واحدًا من 3 أفراد من العائلة المالكة في هيئة البيعة أحجموا عن دعم صعود "بن سلمان" لمنصب ولي العهد في عام 2017، فإنه لم يعرب عن أي طموحات للحكم، ولا يمتلك الوسائل تحقيق مثل هذه الطموحات.

ومع تعزيز السلطة المؤسسية للدولة الآن في البلاط الملكي، فإن هيئة البيعة هي المؤسسة الوحيدة التي قد يكون لرأسمالها الاجتماعي التقليدي ثقل ما بشكل شرعي.

لقد كان أسلوب عمل "بن سلمان" هو توقع أي معارضة محتملة واستباقها، وفرض وليّ العهد بقسوة المباركة الشعبية لسياساته وحكمه، خاصة في الأوقات الحرجة.

هناك دلالات على تزامن الاعتقالات مع قرار مهم آخر على المسرح الدولي، له تداعيات أكثر عمقًا على "بن سلمان" وأجندته الإصلاحية.

تأديب أسواق النفط

يعجل وباء الفيروس التاجي بانهيار تاريخي في النشاط الاقتصادي ويجفف الطلب على الطاقة، التي تعد شريان الحياة لمصدّري النفط في الخليج.

وكان اجتماع 5 مارس/آذار الاستثنائي لمؤتمر "أوبك"، واجتماع "أوبك+" اللاحق في 6 مارس/آذار مع روسيا، يستلزمان مفاوضات وخيارات صعبة.

كان من بين ذلك؛ المحادثات مع روسيا، التي تتعاون مع السعودية منذ عام 2016 لدعم أسعار النفط عن طريق الحد من الإنتاج بالتعاون بين "أوبك" والعديد من المنتجين من خارج "أوبك".

ترأس هذه المفاوضات الأخ غير الشقيق لـ"بن سلمان" ووزير الطاقة الأمير "عبدالعزيز بن سلمان"، الذي أصبح أول فرد من العائلة المالكة يشغل هذا المنصب بعد الإطاحة بـ"خالد الفالح" في سبتمبر/أيلول 2019.

كان هذا التغيير مؤشرا على تعزيز سياسة الطاقة داخل الديوان الملكي، ومصممًا لخدمة أجندة "رؤية 2030" التي يروج لها ولي العهد.

في الوقت نفسه، تم تسليم رئاسة "أرامكو" السعودية إلى "ياسر الرميان"؛ المقرب من "بن سلمان" والذي يرأس صندوق الاستثمارات العامة.

يلعب صندوق الاستثمارات العامة في المملكة الدور الرائد في تنويع الاقتصاد، من خلال استثمارات عالية المخاطر في الخارج، ومن خلال استثمارات بمليارات الدولارات في الداخل أيضًا، وإنشاء صناعات جديدة بالكامل وحتى مدن جديدة.

ولتمويل هذه الاحتياجات؛ تم الضغط على "أرامكو" السعودية لتوفير تمويلات عاجلة، سواء تم جمعها من خلال شراء "الشركة السعودية للصناعات الأساسية" شبه الحكومية أو من خلال خصخصتها المحدودة.

وتتطلب هذه السياسات ارتفاع أسعار النفط.

دخلت السعودية مؤتمر "أوبك" في مارس/آذار عازمة على خفض إنتاج النفط والضغط على روسيا للقيام بالشئ ذاته، ولكن، عندما رفضت روسيا، فضلت المملكة الانتظار حتى تجفف الأسعار المنخفضة بفعل زيادة المعروض من المنتجين ذوي التكلفة المرتفعة مثل النفط الصخري في الولايات المتحدة، فيما يعد تغيّرًا كبيرًا في استراتيجية السعودية.

تشير التقارير الواردة من فيينا إلى أن ولي العهد وجه شقيقه لبدء حرب من أجل الحصول على حصة أكبر في السوق، مما ساهم في انخفاض أسعار النفط إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا.

من الناحية الاقتصادية، فإن إدارة رشيدة لأسواق النفط كانت ستوصي بخفض الإنتاج في وقت يتدهور فيه الطلب على النفط، وتتأرجح الأسواق المالية العالمية.

لكن هذه الأزمة تأتي في وقت تتزامن فيه الرغبة في تعزيز القومية السعودية مع كون المؤسسات العالمية والتعاون الدولي في أضعف حالاتهما.

بدلاً من ذلك، تضغط تنافسات السلطة العسكرية والتجارية على النظام العالمي الناشئ والتسلسل الهرمي للدول، ونظرًا لأن النفوذ العالمي للمملكة مستمد من إنتاج النفط، فربما من غير المستغرب أن يختار "بن سلمان" تلك الساحة لتحدي روسيا.

لقد أصدر إنذارًا، لكن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" رفض الخضوع.

ويبدو أن السعودية واثقة من أنها ستكسب حرب أسعار النفط، ولكن بأي ثمن؟ من المؤكد أن الانهيار الوشيك لعائدات النفط، ومعها الخطط الاقتصادية الطموحة لـ "بن سلمان"، سيشكل تحدياً أكثر خطورة من ذلك الذي يمثله أي منافسين محتملين من العائلة المالكة.

تقاسم المخاطر

تردد صدى الاعتبارات السياسية القومية التي تقود سياسة النفط في تشكيل السياسة الداخلية في المملكة. ونظرًا لأن نظام "بن سلمان" قلل من نفوذ الأمراء، فقد عزز ذلك اعتماده على الشعب السعودي، سواء للحصول على الدعم السياسي أو المساهمات في الاقتصاد.

هذا يضع الجمهور السعودي في مأزق اتخاذ قرارات في أسواق النفط بطرق تؤثر عليهم بشكل مباشر أكثر من ذي قبل.

ليس من الواضح كيف سيؤثر ذلك على شرعية الحكم في الحقبة القادمة، وقد توجه المعلقون السعوديون إلى كل من الصحافة الدولية والمحلية لشرح هذا التغير في سياسة النفط، حيث تشيد المقالات الافتتاحية بشكل مستمر بوقوف "بن سلمان" بوجه "بوتين" وتؤكد للجمهور أن المعركة من أجل حصة السعودية في السوق ستؤتي ثمارها.

ومع ذلك، من الصعب أن نرى كيف سيتزامن التحول الدراماتيكي في سياسة النفط -من استراتيجية الأسعار المرتفعة إلى المنخفضة- مع الاستثمارات الحكومية الكبيرة في مجال الترفيه والتكنولوجيا والسياحة في عصر "بن سلمان".

وتحمل تداعيات أزمة الفيروس التاجي والاستراتيجية الجديدة لأسعار النفط المنخفضة تأثير مباشر على الميزانية السعودية. فقد صدرت توجيهات وزارية لخفض الإنفاق بنسبة 5% ، مع دراسات مستقبلية تنظر في تخفيض الإنفاق الحكومي بنسبة 20%.

ولتعويض هذا النقص، تنظر السعودية في رفع سقف الدين الحكومي من 30% إلى 50% من ناتجها المحلي الإجمالي، على الرغم من أنه قد يكون من الصعب الحصول على الائتمان السهل إذا تعثرت الأسواق المالية العالمية.

في غضون ذلك، تعرضت البنوك السعودية والمستثمرين الأفراد الذين جرى دفعهم لإظهار ولائهم الوطني من خلال الاستثمار في "أرامكو" السعودية، لانخفاض قيمة سنداتهم في الشركة بنسبة تزيد عن 20%.

وفي حين أظهر استثمار الجمهور السعودي في "أرامكو" ثقة الجمهور في الدولة السعودية، إلا أنه أدى إلى مضاعفة تعرض الجمهور لمخاطر النفط، مما أدى إلى تضخيم تكلفة الانكماش الحالي.

ومع ذلك، قد لا تكون تلك التضحية الأخيرة التي تطالب بها الدولة السعودية مواطنيها. إذا تدهور الوضع الاقتصادي أكثر، فمن المرجح أن تعتمد الحكومة السعودية أكثر على السردية القومية الجديدة التي تعزز أخلاقيات العمل والاعتماد الأكبر على الذات.

في غضون ذلك، أعلنت هيئة مكافحة الفساد السعودية "نزاهة"، عن اعتقال ما يقرب من 300 موظف حكومي، في محاولة لتعزيز شعبية الحكومة.

الشعب متورط بشدة

وبما أن ولي العهد قد دافع عن التحول السعودي، فقد وضع بصماته على صنع القرار في مجالات الطاقة والاقتصاد والسياسة الخارجية.

وفي الوقت الذي همش فيه الأمراء، فقد حشد السعوديين لدعم التغييرات الاجتماعية وإعطاء المزيد من عملهم وأموالهم، ومع زيادة المناورات عالية المخاطر مثل المواجهة مع روسيا، فإن الشعب السعودي متورط الآن في هذه القرارات بشكل شخصي ومعرض للخطر.

ومع كل جولة من الاعتقالات، يعود النقاش: هل يفعل "بن سلمان" ذلك لأنه قوي؟ أم لأنه ضعيف؟ ولكن ربما يجب طرح سؤال مختلف.

هل هذا ببساطة هو الوضع الطبيعي الجديد لمملكة تكون فيها التعبئة الشعبية -والترهيب- أكثر محورية للحكم؟

ومع تحرك المملكة مع جزء كبير من العالم نحو أوضاع اقتصادية أكثر صعوبة، يمكننا أن نتوقع المزيد من الاعتماد على هذه الإجراءات.

المصدر | كريستين سميث - معهد دول الخليج العربية في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد