الأربعاء 25 مارس 2020 01:58 م

كيف تتجاوز تركيا أزماتها الاقتصادية؟

إذا كانت تركيا تطمح لدخول نادي الاقتصادات الكبرى، يتوجب أن تسند ذلك بجيش قوي وبتأمين لا هوادة فيه للداخل.

تراجعات اقتصادية تشهدها دول بسبب سياساتها الخاطئة وعدم قدرتها على الاستفادة من مواردها المالية والطبيعية.

إن لم يكن قلب نظام الحكم بالطريقة التقليدية وباستخدام السلاح ممكنا أو موضوعيا إلا أن من الممكن تجربة العبث بالاقتصاد.

*     *     *

يتحدث الخبراء الاقتصاديون بقلق عن الأزمة التي يمكن أن تواجه العالم، إثر تحول فيروس «كورونا» إلى وباء قادر على شل حركة المال والتجارة الدولية، خاصة أن ذلك يتزامن مع انخفاض أسعار النفط، وتراجع كثير من الاقتصادات الراسخة والكبيرة.

ما يزال الوقت مبكراً على قياس الخسائر الناجمة عن كل ذلك، لكن الأكيد هو أنها لن تكون أزمة فريدة من نوعها، فقد عاش العالم، خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، عدداً من الأزمات التي ضربت أسواقه وهددت استقراره.

ورغم أن دولاً كثيرة متعثرة ظلت تجد في الأزمات المالية مشجباً مناسباً لتعليق فشلها عليها، إلا أن الحقيقة هي أن هذه الأزمات ليست السبب الوحيد الذي يقبع خلف التراجعات الاقتصادية التي تشهدها الدول، بسبب سياساتها الخاطئة أولاً، وعدم قدرتها على الاستفادة من مواردها المالية والطبيعية ثانياً.

كانت تركيا من الدول التي استطاعت أن تمتص أزمة عام 2008 بنجاح، حيث تزامنت تلك الانتكاسة العالمية، التي تعد الأكبر في القرن الحالي مع صعودها الاقتصادي، لكن هذه البلاد الصاعدة لم تلبث أن تعرضت لأزمة أخرى لاحقة، بعد عشر سنوات، تراجع إثرها سعر عملتها الوطنية مقابل الدولار.

إبان ذلك تم إعلان تأخر تصنيف البلاد العالمي ضمن مؤشرات ضمان الاستثمار، ولوهلة بدا للكثيرين أن حالة التوهج التي عاشتها تركيا قد بدأت في الخفوت. في بداية عام 2018 كانت الأزمة تحتد أكثر.

كان ذلك بعد أقل من عامين على فشل المحاولة الانقلابية، التي اتُهم عدد من الأطراف الدولية والإقليمية بالوقوف وراءها، رغبة في تغيير هرم القيادة التركية، عبر اللجوء إلى مؤامرة محكمة.

ذلك التزامن دفع كثيرين إلى اتهام جهات خارجية بمواصلة التآمر ضد الدولة التركية، من أجل إضعافها، وبدأت أصابع الاتهام تتجه بشكل أكثر صراحة للولايات المتحدة، التي كانت تؤوي الرجل المتهم بالوقوف خلف محاولة الانقلاب.

كانت الولايات المتحدة قد دخلت مع تركيا في نزاعات ولّدها خلاف بدا عميقاً في وجهات النظر، في ما يتعلق بقضايا كثيرة، بل إن الأمر وصل في فترة ما حد إيقاف إصدار التأشيرات بين البلدين. ترسّخ الارتباط إثر ذلك أكثر، ما ساعد على ولادة مصطلح «الانقلاب الاقتصادي».

كان ذلك يعني أنه، وإن لم يكن قلب نظام الحكم بالطريقة التقليدية، وباستخدام السلاح ممكناً أو موضوعياً، إلا أن من الممكن تجربة العبث بالاقتصاد، ما سيكون له تأثير مباشر على الناخبين، الذين سيكتشفون أن أحد أهم أسباب التمسك بالقيادة الحاكمة، والمتمثلة في الرخاء قد صار على المحك.

هذا هو الدور الذي قامت بجزء كبير منه ما تعرف بوكالات التصنيف الإئتماني، التي كانت، بما لها من ثقل على عالم المال والتجارة العالمية، ترسم صورة قاتمة وغير واقعية للاقتصاد التركي. كانت الليرة قد فقدت آنذاك نسبة كبيرة من قيمتها فعلاً، ما أدى لحدوث تضخم مفاجئ وزيادة متصاعدة في الأسعار، لكن ذلك لم يكن سوى أحد وجوه الحقيقة، حيث لم تؤد الأزمة لحدوث كارثة غير مأمونة العواقب، كإفلاس البنوك أو التوقف عن تكملة المشاريع الكبرى، بل على العكس شجّع ارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة الملايين من السياح على استعادة اسطنبول وغيرها من المدن التركية، كواجهة سياحية مفضلة ورخيصة مقارنة بالخيارات الأخرى. على سبيل المثال إذا كنت تسكن في غرفة فندق أو في شقة بإيجار يعادل المئة دولار قبل الأزمة، فقد أصبح بإمكانك أن تعود وتسكن المكان ذاته بما يعادل السبعين أو الستين دولاراً فقط.

بالقدر نفسه كان ما تعلق بالاستثمار العقاري، فمع حملة تسويقية كبيرة وتسهيلات، من بينها تسهيل منح التأشيرات والإقامات الدائمة، وحتى الجنسية، اقتنع الآلاف من المستثمرين، من أماكن مختلفة في العالم، بأن هذا هو الوقت المثالي لشراء العقارات والتملك.

في الواقع فإن العروض التي كانت تنشرها وكالات الاستثمار العقاري التركي كانت حقيقية، وكان الوقت مناسباً فعلاً لدخول ذلك السوق، بعد أن خسرت المباني والمخططات السكنية، التي تحدد قيمتها وفقاً لسعر العملة الوطنية، نسبة كبيرة من قيمتها بالقياس إلى الدولار الأمريكي.

هكذا، ولفوائد الاستثمار المجرد، أو التملك بغرض الإقامة في بلد صاعد ومستقر، فقد تم ضخ الملايين من الدولارات في بنية الاقتصاد التركي، ليولد هذا الاستثمار وغيره من الاستثمارات الأخرى التي استفادت أيضاً من التسهيلات ومن تقليل الفائدة البنكية لأقل مستوياتها، حركة تجارية واقتصادية دؤوبة والكثير من فرص العمل والتوظيف.

كيف ينجو الاقتصاد التركي من الهزيمة كل مرة؟ هذا المقال يكتفي فقط بطرح السؤال، لأن الإجابة الموضوعية تحتاج إلى دراسة معمقة من متخصصين من أجل الاستفادة من تجاربها، خاصة بالنسبة لبلدان العالم الثالث، التي تعاني معظم اقتصاداتها اليوم تراجعاً وركوداً.

في وقت من الأوقات كانت العملة التركية مليئة بالأصفار وبلا قيمة، لكنها لم تلبث أن تحولت إلى عملة تناهز الدولار وتقارن باليورو، وفي وقت كانت تركيا إحدى الدول المدينة لصندوق النقد الدولي، التي تتعرض للابتزاز منه ومن غيره من الصناديق المالية، مقابل ما تقدمه لها من مساعدات، فإذا بها تصبح في فترة قياسية دولة بلا ديون، بل مستعدة لدعم الصندوق الدولي، وغيرها من البلدان.

أخيراً تجاوزت تركيا أيضاً حرب الليرة المكثفة، التي بنيت على الشائعات الاقتصادية وعلى سحب الملايين من الدولارات من البنوك التركية بشكل مفاجئ لينطلق اقتصادها انطلاقة جديدة، ويزداد نموها بشكل متصاعد لتظهر بيانات رسمية بتحقيق فائض يفوق المتوقع في ميزان المعاملات التجارية، بعد أعوام من التراجع والعجز، بما يعيد للأذهان انتعاشة عام 2001.

كل هذه دروس تحتاج للبحث والتوقف والتحليل وبشكل عام، فإن فهم الاقتصاد يجب أن لا ينفصل عن المسألتين الأمنية والعسكرية، فإذا كانت تركيا تطمح لأن تدخل نادي الاقتصادات الكبرى، فقد توجب عليها أن تسند ذلك بجيش قوي وبتأمين لا هوادة فيه للداخل، ولحدودها الممتدة والمتقاطعة مع حدود ومصالح الكثير من الدول.

على ما يبدو فإن القيادة التركية ترى في دعم الصناعات الدفاعية استثماراً، رغم أن ذلك يكلّف الخزينة الملايين من الدولارات، وذلك لأن في عدم وجود جيش أو وجود جيش يعتمد في مجمل عتاده على ما يستورد من أسلحة مخاطر على الأمن والاقتصاد معاً.

ثمة هنا معادلة مهمة تحتاج أيضاً لدراسة وتأنٍ، فلا يفهم من الفقرة السابقة أن على الدولة أن تتحول لحالة من الديكتاتورية العسكرية، التي يصل فيها التصنيع الحربي مرحلة القنبلة النووية، في الوقت الذي تتراجع فيه كل بنود الحياة الأخرى، وإنما يكون الأمر بعقد موازنة بين ما هو مدني وما هو عسكري على أساس من التكامل.

النقاش الموضوعي للحالة الاقتصادية التركية الحالية سوف يقود، كم أسلفنا، للنقاش حول المسائل الأمنية كنية تركيا، على سبيل المثال، التعاون مع ليبيا على طريقة «النفط مقابل التأمين»، كما سوف يساعد على فهم الأسباب التي تجعلها تخوض بشراسة تدخلات عسكرية في الداخل العراقي أو السوري، وعلى فهم طريقة التعامل مع الأوروبيين والحاجة لاستخدام اللاجئين كورقة ضغط.

قناعتنا أنه ليس بالإمكان معالجة إحدى هذه الجزئيات بمعزل عن سياقها الاستراتيجي العام والمتكامل.

* مدى الفاتح كاتب سوداني

المصدر | القدس العربي