الأربعاء 25 مارس 2020 02:17 م

عدن .. معركة "الأيادي الوسخة"

السعودية هي من يموّل رواتب قادة الأجهزة الأمنية التابعة للانتقالي وجنودها.

تدور معركة الأيادي الممدودة والأيادي المتسولة لترسيم إمارات وممالك صغيرة، تحت مظلات سياسية متعدّدة.

يدرك اليمنيون ما فعله المتدخلون الأقوياء في بلادهم وغايات أدواتهم الرخيصة، وإن اختلفوا على تقاسم "الذبيحة.

*     *     *

حدّدت المتغيّرات السياسية في مدينة عدن طبيعة الصراع الحالي، فقد أفضى فشل تنفيذ اتفاق السلطة (اتفاق الرياض) مع المجلس الانتقالي الجنوبي إلى تغيير المعادلة السياسية في جنوب اليمن.

ففي حين عجز طرفا الصراع عن حسم السلطة لصالحهما، عدا عن استمرار إيجاد بؤر للصراع في مدينتي شبوة وشقرة، فإن الفراغ السياسي والاختلال الأمني اللذين تشهدهما مدينة عدن مكّنا قوى إقليمية طامحة من بسط سيطرتها الكلية على المدينة. وفيما لا تمتلك السلطة الشرعية أدواتٍ تؤهلها لمواجهة المتغيرات السياسية الجديدة، بما في ذلك مناورة خصومها في جنوب اليمن، فضلاً عن حلفائها.

إذ أصبحت في موقع المتفرّج حيال صراع الإرادات التي تشهدها عدن، فإن المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، والذي يمتلك قوةً عسكرية موالية له، وجد نفسه مقيّداً عسكرياً في مدينة عدن، وإنْ ما زال مسيطراً على الجهاز الأمني في المدينة، إلا أنه أصبح في مواجهةٍ غير مريحة مع الراعي الرسمي لاتفاق الرياض والمستفيد منه.

لأسباب عديدة، فرضت سيناريوهات الصراع الدامي القوى المتدخلة لاعباً رئيساً في مدينة عدن، فقد انتقل الثقل العسكري والسياسي من الإمارات إلى السعودية أخيراً، إذ إنّ انسحاب القوات الإماراتية من عدن نهاية العام المنصرم أوجد الظرف الملائم لأن تصبح السعودية القوة العسكرية والسياسية البديلة، وإن اختلفت أجندتها الظاهرية مع أجندة الإمارات.

إذ فرضت سلطتها تدريجياً، حتى تموضعت في كل مفاصل الدولة في عدن، بحيث أخضعت المواقع السيادية لإشرافها وإدارتها. ومع تنامي الحضور العسكري السعودي في المدينة، أكثر من عام، فإن اتفاق الرياض وضع اللمسات الأخيرة للإدارة السعودية الفعلية لمدينة عدن.

فبموجبه منحت السعودية مشروعية سياسية مطلقة لترتيب الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية، بما يؤدي الى تشكيل سلطة توافقية، إلا أن استمرار أزمة الثقة بين فرقاء الصراع في جنوب اليمن منح السعودية الوقت الكافي لاستكمال فرض سيطرتها السياسية والعسكرية على عدن.

ففي حين احتكر السفير السعودي، محمد آل جابر، القرار السياسي للسلطة الشرعية، تحوّل قائد قوات التحالف العربي في عدن، العميد مجاهد العُتيبي، إلى رأس السلطة العسكرية السعودية الحاكمة في المدينة، إذ أدار المشهد العسكري فيها، وكذلك تموضعات القوى المتنافسة..

بما في ذلك إشرافه على الإعلام العسكري من خلال استقطاب صحافيين وإعلاميين، بحيث تحوّلت دولة آل جابر والعُتيبي إلى دولة "سعودية" مصغّرة تدير مدينة عدن، بما يخدم الأجندة السعودية.

تخلق القوة أدواتها وشروطها، كما تحدّد أيضاً قواعد اللعبة والمساحة الممكنة لتحرّك القوى التي تدور في فلكها والقوى التي تحاول أن تبدو خارج السيطرة، وإنْ كانت على العكس من ذلك.

وفيما انحصر هدف السعودية في عدن بترتيب المشهد السياسي والعسكري، بحيث يكون ملائماً لبقائها كسلطة عزل بين المتصارعين اليمنيين في جنوب البلاد، فإنها نجحت في تحديد قواعد اللعبة وشروطها.

ففي حين استطاعت السعودية تحجيم السلطة الشرعية أكثر من السابق، بحيث قيّدتها في حضور شكلي، واستخدمتها مظلة سياسية تتحرّك من خلالها لتجذير سلطتها في المدينة، وإن حاولت أن تبدو قوة تحمي السلطة الشرعية من خصومها المتربّصين بها، فإن علاقة السلطة السعودية بالمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من حليفها الإماراتي، شكّلت أحد التحدّيات الرئيسية التي تواجهها حالياً.

إلا أن ذلك لا يتأتّى من تناقض التوجهات السياسية للطرفين، إذ إنّ التوجّه السعودي الذي أفرزته الأحداث التاريخية المتعاقبة كان على الضد من قضية الوحدة اليمنية.

كما أن التواطؤ السعودي مع تنامي قوة المجلس الانتقالي، طوال سنوات الحرب، بما في ذلك تشكيل أجهزة عسكرية موالية له بدعم إماراتي، يعني تقاطع التوجه السعودي مع أطروحة المجلس الانتقالي المنادي باستقلال جنوب اليمن عن شماله، أو في أسوأ الأحوال بقاء المجلس قوة تنازع السلطة الشرعية في جنوب اليمن.

لكن تضارب المصالح بين السعودية وهذا المجلس في مدينة عدن فرض نفسه على علاقتهما في الوقت الراهن، إذ إن ممارسات الأحزمة الأمنية والأولية العسكرية التابعة للانتقالي شكّلت إحراجاً للسعودية التي أرادت، كما يبدو، بقاء مستوى الصراع في عدن، في حدود يمكن السيطرة عليها، بحيث حرصت فقط على تقييد حركة المجلس الانتقالي، وقدرته العسكرية، لا القضاء عليه!

لكونه، في الأخير، يمثل ضرورة لبقائها سلطة عزل في جنوب اليمن، تماماً كجماعة الحوثي في الشمال، إذ أوقفت مرتبات الجنود الملتحقين بالأحزمة الأمنية والألوية العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي، بهدف إيصال رسالة سياسية توضح حدود قوة كل طرف.

كذلك منعت أخيراً عودة قيادات المجلس إلى عدن، إذ أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً يؤكد أن ذلك خطوة تهدف إلى خفض التصعيد في المدينة، وبما يؤدي إلى تنفيذ اتفاق الرياض.

في المقابل، لا يبدو المجلس الانتقالي الجنوبي في موقع يمكّنه من فرض شروطه على السعودية، ففيما واكب، كعادته، الخطوات السعودية أخيراً، بما في ذلك محاولة تغيير القوة العسكرية المشرفة على مطار عدن الدولي بالتصعيد الإعلامي والتهديد بالسيطرة على قصر "معاشيق"، مقرّ إقامة حكومة السلطة الشرعية، فإن المجلس الانتقالي اليوم يبدو في أضعف مراحله.

فمن جهة فشل في الإدارة الأمنية لمدينة عدن، حيث تصاعد مستوى العنف اليومي تجاه المواطنين، كما عجز عن الخروج من طور المراهقة السياسية، بحيث استمر في فتح جبهاتٍ متعدّدة مع خصومه ومنافسيه.

ومن ثم تبدو معركته الحالية مع السعودية غير متكافئة، وإن انحصرت على الصعيد الإعلامي، إذ لا يستطيع المجلس الانتقالي شدّ الحبل أكثر والتحرّر من مظلة التحالف العربي، لأن ذلك قد يجعله في الأخير خارج المعادلة السياسية في جنوب اليمن.

ومع تباين مواقف قيادة المجلس الانتقالي بشأن إدارة علاقته مع السعودية، فإن المجلس لا يمتلك أوراقاً سياسية أو عسكرية لانتزاع السلطة بالقوة من السعودية، أو على الأقل إجبارها على تسليم المواقع السيادية لإدارته.

كما أنه لا يستطيع أن يوظف الشارع الجنوبي ورقة ضغط على السعودية، فقد استنزف معظم الجنوبيين في صراعاتٍ عقيمة، فيما تموضع بعيداً عن هموم الشارع الجنوبي وتطلعاته وواقع معيشته البائس.

كما أن المظاهرات المحدودة التي شهدتها عدن قبل أشهر بشأن رواتب الجنود التابعين لأحزمة الانتقالي وألويته جعلت السعودية تتخذ موقفاً أكثر صرامة حيال المجلس.

تفرض المواجهة، حتى وإن كانت سياسية فقط، على الطرف الأول أن يكون متحرّراً من شروط التبعية للخارج، إلا أن المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، والذي يمارس سطوته على الأرض من خلال الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة له، لا يملك القدرة على تسيير هذه الأجهزة.

إذ إن السعودية هي من يموّل رواتب قادة الأجهزة الأمنية التابعة للانتقالي وجنودها، وإذا كان من المستبعد حالياً على الأقل، تمويل الإمارات مرتبات جنود الأجهزة التابعة للمجلس الانتقالي.

لذلك، لتحاشي صدامها مع السعودية، فإن الإمارات ذهبت بعيداً هذه المرة، إذ أيدت بيان وزارة الخارجية السعودية، وهذا يعني أن الإمارات غير مستعدة للتفريط بحليفها الإقليمي لصالح أداة محلية يمكن إرضاؤها بشكل آخر.

ومن جهة أخرى، يتكئ المجلس الانتقالي على اتفاق الرياض في تكريس مشروعيته السياسية بوصفه قوة جنوبية مؤثرة، وطرفاً ثالثاً في أي تسوية سياسية مقبلة بين أطراف الصراع اليمنية، فإن السعودية، الراعي الإقليمي لاتفاق الرياض، والتي فرضته بالقوة على السلطة الشرعية، تستطيع ببساطة انتزاع هذه المشروعية لصالح قوى جنوبية موالية لها في جنوب اليمن.

وفي الأخير، لا يمكن للمجلس الانتقالي اللعب على ورقة رفض السلطة السعودية في مدينة عدن، باعتبارها دولة متدخلة لها أجنداتها في جنوب اليمن، وإنْ حاول إعلام المجلس الانتقالي أن يروّج هذه النكتة السمجة، إذ إن المجلس الانتقالي، ككيان سياسي أولاً، وكأحزمة أمنية وألوية عسكرية داعمة له ثانياً، هو حصيلة لدولة إقليمية متدخلة أخرى!

وهو لا يستطيع تجاوز حقيقة تاريخية، أن الإدارة الإماراتية وأموالها هي التي مكّنته من أن يكون قوة سياسية وعسكرية في جنوب اليمن، وأنه في المحصلة أداة إماراتية محلية، وإن وظّف القضية الجنوبية لخدمة مشروعه السياسي.

لقد تحوّلت عدن، في أثناء صراع المليشيات المتعدّدة المدعومة من الخارج في شمال اليمن وجنوبه، إلى تنويع آخر لهذا الصراع، إذ تدور معركة الأيادي الممدودة والأيادي المتسولة (الأيادي الوسخة) لترسيم إمارات وممالك صغيرة، تحت مظلات سياسية متعدّدة.

ففيما يحضر "السيفان والنخلة"، شعار السعودية، مجسّماً في واجهة مطار عدن الدولي كدورة جديدة لتبادل السلطة مع العلم الإماراتي الذي اختفى، فإن انتزاع سيادة اليمن واليمنيين في ظل سلطة شرعية ضعيفة يبدو نتاجاً طبيعياً للواقع اليمني المرير. ولكن خلف أزمنة الرداءة والحرب والبؤس والجوع الذي نعيشه اليوم، يدرك اليمنيون ما فعله المتدخلون الأقوياء في بلادهم وغايات أدواتهم الرخيصة، وإن اختلفوا على تقاسم "الذبيحة".

* بشرى المقطري كاتبة وناشطة وروائية يمنية.

المصدر | العربي الجديد