الأربعاء 15 أبريل 2020 06:36 ص

سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية الضوء على دور المعتقدات الدينية والشكوك العميقة لدي العراقيين تجاه حكومتهم في جعلهم يخجلون ويخافون من إجراء اختبارات فيروس "كورونا" المستجد، الأمر الذي يعرقل جهود مكافحة الوباء الذي سجل حتى الآن في البلاد 1400 إصابة و78 حالة وفاة.

وتحت عنوان "الوصم بالعار يعرقل الجهود العراقية لمكافحة فيروس كورونا"، استشهدت الصحيفة بموقف أحد الأطباء الذي توقف بشكل مؤقت أمام أحد المنازل قبل أن يقرع بوابته الرئيسية، ملوحا للمرافقين له، الذين كانوا يرتدون بدلات واقية وكمامات ونظارات واقية وقفازات، للتراجع للخلف كي لا يكونوا أول شيء يراه سكان المنزل عند الدخول.

وفي هذا الصدد نقلت الصحيفة عن الدكتور "وسام كونا" الذي يعمل مع دائرة الصحة المحلية في مدينة النجف، جنوبي العراق، ويعمل الآن على فحص الحالات المشتبه بها للعائلات العائدة من إيران حديثا، قوله: "إن هذا الأمر حساس للغاية، وبالغ الصعوبة بالنسبة لمجتمعنا".

وأضاف أن "أحد الرجال توسل إليه ألا يأتي مع فريقه من العاملين في مجال الصحة إلى منزله أو الوقوف أمامه لأنه يشعر بالخجل أمام الجيران حيث يعتبر الرجل أن هذا الأمر بالغ الصعوبة ويؤثر على سمعته".

وبحسب الصحيفة الأمريكية فإنه بالنسبة للعراق فإن أحد أكبر العقبات التي تواجه العاملين في الصحة والذين يكافحون فيروس "كورونا"، هو العار المرتبط بالحجر بسبب المرض، وهذا الأمر متجذر لدرجة أنهم يتهربون من الفحص، ويمنعون أفراد العائلة الذين يريدون الفحص من ذلك حتى تتدهور حالتهم الصحية بشكل كبير.

وقال العديد من الأطباء العراقيين إن النفور من الحجر الصحي والتردد في الإبلاغ عن الإصابات ربما يساعد في تفسير انخفاض عدد الحالات المؤكدة في البلاد نسبيا، فالبلد الذي يزيد عدد سكانه على 38 مليون نسمة لم يسجل سوى 1352 حالة مؤكدة بفيروس "كورونا" وفق بيانات صادرة يوم الإثنين.

وعلى النقيض من ذلك، في إيران المجاورة، والتي يصل عدد سكانها ضعف عدد سكان العراق تقريبا فإن العدد الرسمي للمصابين هو قرابة 71 ألفا، وفي السعودية المجاورة أكثر من 3 أضعاف الحالات المؤكدة في العراق.

وقال الدكتور "حازم الجميلي"، نائب وزير الصحة العراقي: "لدينا حالات مخفية وذلك لأن الناس يخشون من أن يبادروا بالفحص وهم خائفون من الحجر الصحي والعزل".

وقالت الصحيفة إن "الوصمة" المرتبطة بالمرض وبالحجر الصحي في العراق وبعض دول الشرق الأوسط تعكس أحيانا المعتقدات الثقافية والدينية، لكنها أيضا مرتبطة بعدم الثقة بالحكومة والاعتقاد بأن الذهاب إلى المستشفى يعني الموت بالنظر إلى نظام الرعايا الصحية المتردية في البلاد.

وأشارت الصحيفة إلي مقطع مصور انتشر مؤخرا ويظهر عددا من المريضات في الحجر الصحي في أحد مستشفيات البصرة ينمن بالقرب من بعضهن البعض بدون كمامات، يسعلن ويطلبن المساعدة لأن إحداهن توفيت.

وقال مستشار الصحة النفسية في وزارة الصحة العراقية، الدكتور "عماد عبدالرزاق": "البعض يعتقد بأن الإصابة بالفيروس تعني بأن غضبا من الله عليهم، أو أنها عقوبة على ارتكاب إثم ولا يريدون أن يرى الآخرون أنهم مرضى".

وتابع: "بالنسبة للكثير منهم من العيب أن تقول الأنثى إنها مصابة بهذا المرض أو ذاك، كما أن الكثير من الناس لا يثقون في النظام الصحي".

ويصل الربط بين الوفاة بسبب الفيروس والذنوب إلى أن العائلات الأخرى ترفض أن يوضع المتوفون في ثلاجة، فيها شخص توفي بـ"كورونا"، أو أن يدفنوا في نفس المقبرة.

ويأتي ذلك على النقيض من العديد من الدول الغربية التي اعترف المشاهير فيها بإصابتهم بالفيروس، وحتى إيران المجاورة التي أعلنت فيها شخصيات سياسية بارزة بإصابتهم بالوباء

وقالت أستاذة الأنثروبولوجيا الطبية في جامعة كاليفورنيا، "شيرين حامدي"، والتي عملت بشكل مكثف في المجتمعات الشرقية بأن بعض المخاوف المتعلقة بالمرض منبثقة من الطقوس المحيطة بالوفاة.

وقالت: "لا يريدون أن يجبرون على الحجر الصحي، ولا يريدون دخول المستشفى لأن الروابط الاجتماعية والأسرية قوية للغاية، ولذلك فهم لا يريدون الموت بعيدا عن الأسرة".

وأضافت "إن أسوا شي في العالم ليس الموت، ولكن الموت بعيدا عن عائلتك ومجتمعك وعدم التحكم فيما يحدث لجثتك".

وذكرت أنه وفقا للتعاليم الإسلامية فإن الامر يتطلب دفنا سريعا ويفضل أن يكون في غضون 24 ساعة بعد الوفاة، كلما طال التأخير، زاد خوف الناس على روح المتوفى.

وأضافت أن ما يزيد المشاكل فيما يتعلق بـ"كورونا" هو مشكلة تغسيل جثث الموتى، حيث تخشى السلطات من أنها قد تؤدي إلى انتشار الفيروس.

وقال أستاذ الإنثروبولوجيا الطبية في جامعة راتجرز، "عمر دواشي"، الذي ولد ونشأ في العراق: "فيروس كورونا والجوائح بشكل عام تسبب إرباكا للممارسات الاجتماعية والدينية".

وتابع: "حجر المصابين يشكل إهانة مضاعفة للكثيرين في المجتمع العراقي، فمعنى أن يصاب الرجل بالمرض مثلا، أنه غير قادر على حماية زوجته وأطفاله وإن كان أخا كبيرا، حماية إخوته الأصغر منه، أي أنه أصبح غير قادر على القيام بوظيفته في العائلة".

ولفت الصحيفة إلى أن بعض العائلات التقليدية أحيانا ترفض أن يتم فحص الإناث لفيروس "كورونا" خشية أن تكون النتيجة إيجابية، وتذهب إلى المستشفى.

وقالت الدكتورة "منى الخفاجي"، وهي طبيبة أشعة تعمل من عيادتها الخاصة في بغداد: "في هذا المجتمع ليس مقبولا للأنثى أن تكون بعيدة عن عائلتها".

وأشارت إلى أن والد وشقيق إحدى المريضات رفضا أن يتم فحصها لفيروس "كورونا"، حتى بعد أن وصلت لحالة سيئة من المرض.

وذكرت "نيويورك تايمز"، أن العراق ليس البلد الشرق أوسطي الوحيد الذي يعاني من الوصمة المحيطة بالفيروس، موضحة أن نفور المصريين من الحجر على سبيل المثال يعود إلى بدايات القرن العشرين عندما اجتاحت الكوليرا ثم السل البلاد، وبعض من وضعوا في الحجر لم يعيشوا.

وأشارت أيضا إلى ظهور مخاوف شبيهة في أفغانستان، حيث قام الناس بمهاجمة عمال الصحة وتسللوا من نوافذ المستشفيات للهروب من الحجر.

وقال الدكتور "محمد وهيب"، كبير أخصائيي الرئتين في مدينة بغداد الطبية: "إن الأمر صعب في هذه الثقافة لأن كل شيء نفعله فيه مشكلة.. إن أرسلنا سيارة إسعاف لجلب الشخص ينزعج الناس لأن الجيران سيرونها".

وأضاف: "ويحصل نفس الشيء أو أسوأ إن أرسلنا أفرادا من القوات الأمنية.. فعندها يشعر الناس كأنهم تحت حكم صدام".

 

المصدر | الخليج الجديد+ متابعات