الأربعاء 15 أبريل 2020 06:01 م

قبل أن تضرب العراق جائحة الفيروس التاجي الجديد "كوفيد-19"، أدت المناوشات بين الأحزاب والاحتجاجات الجماهيرية إلى شلّ المؤسسة السياسية في البلاد.

واضطر رئيس الوزراء "عادل عبد المهدي" للاستقالة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. ومنذ ذلك الحين، حاول مرشحان وفشلا في كسب دعم البرلمان لتشكيل حكومة جديدة.

حيث رشح الرئيس "برهم صالح"، وزير الاتصالات السابق "محمد توفيق علاوي"، لشغل هذا المنصب في فبراير/شباط، ولكن كان يُنظر إليه على أنه قريب جدا من طهران، وأحبط الشارع والأحزاب السنية والكردية محاولته. ثم اختار "صالح"، "عدنان الزرفي"، محافظ النجف، لكن الأحزاب الشيعية اتهمته بأنه موال للولايات المتحدة، واضطر للانسحاب الأسبوع الماضي.

والآن، هناك أمل في أن يتم التوصل إلى إجماع بعد أن رشح "صالح" رئيس جهاز المخابرات الوطنية، "مصطفى الكاظمي"، لتشكيل الحكومة المقبلة.

ولم ينضم "الكاظمي"، الصحفي السابق والمعارض الشرس لـ "صدام حسين"، إلى حزب سياسي قط، ولم يتم اتهامه بالفساد.

وعند اختياره، وصف "صالح" "الكاظمي" بأنه "شخصية وطنية وثقافية معروفة بنزاهتها واعتدالها، وأنه يراعي جميع العراقيين فيما يتعلق بحقوقهم العامة".

وبينما كان الرئيس يفوضه، كانت النخب السياسية العراقية حاضرة، ما يشير إلى أن هناك حاليا دعما عاما لترشيحه من قبل الأحزاب والشخصيات السنية والشيعية على حد سواء. ولعل الأهم من ذلك أن "الكاظمي" تمكّن من التعامل مع الولايات المتحدة وإيران دون أن يُنظر إليه على أنه حليف لأي منهما.

وقال وزير الدولة الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى "ديفيد شينكر"، الأسبوع الماضي: "إذا كان الكاظمي قوميا عراقيا، وإذا كان مخلصا لتحقيق عراق ذي سيادة، وإذا كان ملتزما بمحاربة الفساد، فسيكون ذلك عظيما بالنسبة للعراق، وأعتقد أنه سيكون عظيما لعلاقتنا الثنائية".

ومن ناحية أخرى، وصفت وزارة الخارجية الإيرانية اختيار "الكاظمي" بأنه "خطوة في الاتجاه الصحيح".

وبعد ترشيحه، تعهد الرجل، البالغ من العمر 53 عاما، بتشكيل حكومة تجعل تطلعات ومطالب العراقيين على رأس الأولويات.

وأمام "الكاظمي" 30 يوما لعرض حكومته على البرلمان لإقرارها. وسيكون الطريق أمامه محفوفا بالتحديات. وبالرغم أنه يحظى بدعم اللاعبين السياسيين الرئيسيين، إلا أنه لم يقم بعد بتشكيل الحكومة القادرة على تلبية مطالب الشعب، مع تحقيق توازن يخدم الواقع الطائفي على الأرض.

وتعهد "الكاظمي" بتشكيل حكومة تسعى لتحسين الخدمات العامة، ولكن الاختبار الحقيقي سيكون في التعامل مع نظام المحاصصة الطائفي الذي ندد به المتظاهرون باعتباره السبب الرئيسي للفساد المستشري الذي دفع العراق إلى السقوط.

ولن تكون مهمة "الكاظمي" سهلة. وبصرف النظر عن التغلب على تحدي الفيروس التاجي، حيث وصل عدد الحالات في العراق قبل كتابة هذه السطور إلى أكثر من 1300 إصابة وأكثر من 70 حالة وفاة، فسوف يتعين على الحكومة المقبلة أن تتعامل مع تدهور الظروف الاقتصادية في ظل انخفاض أسعار النفط. ولم تتحسن بعد الظروف المعيشية الصعبة التي تسببت في احتجاجات جماعية العام الماضي، وسوف يتواصل الضغط للتوصل إلى حلول فورية.

ومع إغلاق معظم العراق بسبب الفيروس التاجي، تراجعت الاحتجاجات، ولكن الأمر ليس سوى مسألة وقت قبل أن يخرج الناس إلى الشوارع مرة أخرى مع تدهور ظروفهم، خاصة أولئك الذين كانوا يعانون بالفعل قبل الإغلاق. وفي غضون ذلك، سيبقى العراق في مركز التوترات الإيرانية الأمريكية. وأثناء تفشي الفيروس التاجي بشكل كارثي، ستستمر الميليشيات الموالية لإيران في تهديد الوجود العسكري الأمريكي في العراق طالما ظلت طهران تحت تأثير العقوبات الاقتصادية.

ورفضت "كتائب حزب الله" ترشيح "الكاظمي" واتهمته بالتورط في اغتيال الولايات المتحدة للجنرال الإيراني "قاسم سليماني" وزعيم الميليشيا العراقية "أبو مهدي المهندس".

ومن المثير للاهتمام أن "الكاظمي" يدعمه تحالف "فتح"، الذي يرأسه زعيم الميليشيا الموالية لإيران "هادي العامري"، وائتلاف "دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء السابق "نوري المالكي"، وحركة "الحكمة" برئاسة رجل الدين "عمار حكيم".

وعرضت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي مكافأة قدرها 10 ملايين دولار للحصول على معلومات عن الشيخ "محمد الكوثراني" (لبناني - عراقي)، أحد القادة العسكريين في "حزب الله" اللبناني. وتتهم الولايات المتحدة "الكوثراني"، وهو أحد معاوني "سليماني"، بالتنسيق مع الميليشيات الموالية لإيران التي تشن هجمات ضد قواعد التحالف العسكرية والسفارات الغربية في المنطقة الخضراء ببغداد.

ولكي ينجح "الكاظمي" في مهمته، يجب على كل من الولايات المتحدة وإيران التوقف عن استخدام العراق كساحة لتسوية الحسابات، وذلك للسماح للشعب العراقي بالخروج من أعوام طويلة من الخلافات الطائفية والفساد السياسي.

لكن القول أسهل من الفعل، وسيجد "الكاظمي" قريبا أنه يسير على حبل مشدود وهو يحاول موازنة مصالح بلاده مع مصالح طهران وواشنطن.

المصدر | أسامة الشريف/أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد