من فترة لأخرى تشهد دول الخليج ظاهرة إنهاء خدمات مئات الآلاف من الموظفين الوافدين، خاصة العاملين في الجهاز الإداري للدولة وشركات القطاع العام.

هذه الظاهرة يُطلق عليها اسم "التفنيش"، أو موسم "التفنيشات"، وتعني الاستغناء عن جزء من العمالة الوافدة أو الأجنبية، خاصة أصحاب الرواتب المرتفعة، وخفض الرواتب وتجميد التوظيف.

وارتبطت ظاهرة إنهاء التعاقد بشكل رئيسي بتراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية، فعندما يحدث مثل هذا التراجع، تهتز الموازنات الخليجية التي تعتمد بشكل أساسي على إيرادات الخام الأسود.

وعندما تحدث الهزة، فإن أول ما تقرره حكومات دول الخليج هو الاستغناء عن مئات الآلاف من العمالة الأجنبية، في محاولة للحفاظ على النقد الأجنبي وعدم هدره وتوفير جزء من الإنفاق العام الذي يذهب لبند الأجور.

ولنا أن نتخيل حجم الأموال التي تستنزفها العمالة الوافدة من احتياطيات الخليج، فحسب بيانات صندوق النقد العربي فإن قيمة التحويلات تبلغ نحو 120 مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ يساوي احتياطيات أكثر من نصف الدول العربية.

كما تمثل التحويلات الخارجة من منطقة الخليج 26.8% من إجمالي التحويلات عالمياً في 2017. وتحتل الإمارات والسعودية المرتبة الثانية والثالثة عالمياً بقيمة 44.4 و36.1 مليار دولار.

وهذه الأيام بدأ موسم جديد للتفنيشات في دول الخليج، حيث بدأت وزارات وجهات الحكومية في بعض دول مجلس التعاون بإنهاء تعاقد موظفيها من العمالة الوافدة، تستوي في ذلك كل القطاعات، نفط وطاقة، بناء وتشييد، صحة وتعليم، وحتى عمالة منزلية.

وامتدت الظاهرة إلى القطاع الخاص حيث لجأت شركات وبنوك إلى الاستغناء عن جزء من موظفيها مع خفض رواتب آخرين لم يتم إنهاء تعاقدهم بعد، وباتوا مخيرين بين الخفض أو الاستغناء عنهم.

مواسم "التفنيشات" الحالية ربما يكون الكبرى في دول الخليج، فهذه الدول تواجه أزمة مزدوجة تتمثل في تهاوي أسعار النفط، إما بسبب الفائض الضخم في الأسواق الدولية، أو بسبب استمرار تفشي كورونا.

والذي أدى إلى حدوث تراجع حاد في الطلب العالمي على النفط ومشتقاته بسبب توقف حركة المصانع والمنشآت المستهلكة للوقود وحركة الطيران والقطارات والسيارات وإغلاق محطات الوقود في أوروبا والعديد من دول العالم التي طبقت الحجر الصحي وحظر التجول، وهو ما أدى إلى تهاوي أسعار النفط وفقدانه 70% من قيمته في الربع الأول من العام الجاري.

ورغم قرار أوبك والمتحالفين معها مثل روسيا وغيرها قبل أيام خفض الإنتاج النفطي بواقع 20 مليون برميل يوميا، إلا أن هذا الخفض لن يرفع أسعار النفط لأكثر من 50 دولاراً للبرميل طالما استمر وباء كورنا وتراجع الطلب العالمي على الطاقة.

وهذا السعر يعني تعمق خسائر معظم دول الخليج، خاصة السعودية التي تحتاج إلى سعر 91 دولارا للبرميل لإحداث توازن في مركزها المالي وعدم تحقيق عجز في الموازنة العامة.

ومع بقاء الحال على ما هو عليه بسبب كورونا، فإن دول الخليج ستواصل سياسة "تفنيش" العمالة الوافدة، في انتظار طفرة مقبلة في الأسعار، قد لا تأتي في القريب العاجل خاصة مع اكتفاء الولايات المتحدة من النفط، واعتماد العالم أكثر على الغاز والوسائل البديلة للطاقة مثل الطاقة الشمسية والنووية والرياح.

استغناء دول الخليج عن العمالة الوافدة ليس بالأمر السهل؛ إذ يمكن أن يترك القرار آثارا خطيرة على الاقتصاديات الخليجية، خاصة إذا ما عرفنا أن أكثر من ثلثي العمالة (69.3%) في هذه الدول هي عمالة أجنبية وافدة، وبما يعادل 20 مليون عامل.

كما تمثل العمالة الوافدة نحو 89% من العاملين في القطاع الخاص، وأن هذه العمالة تؤدي أدوارا مهمة لهذه الاقتصاديات، وليس من السهل الاستغناء عنها، خاصة في قطاعات حساسة مثل النفط والغاز والبنوك والصحة والتعليم، وحتى المهن الحرفية والعمالة المنزلية التي لا يُقبل عليها المواطن الخليجي، وبالتالي لا بديل محلياً لها حتى الآن.

* "مصطفى عبد السلام" كاتب ومحرر اقتصادي

المصدر | العربي الجديد