الأحد 24 مايو 2020 11:18 ص

نُشرت مؤخرا مسودة أولية للدستور الجزائري المعدل. وتسمح التعديلات بالمشاركة في عمليات حفظ السلام في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. كما تمنح التعديلات الرئيس الجزائري سلطة إرسال وحدات الجيش إلى الخارج بعد تصويت أغلبية الثلثين في البرلمان.

إذا تم اعتماد هذين التعديلين، فسوف يشكلان تغييرا كبيرا. فقد حافظت الجزائر على سياسة عدم التدخل منذ استقلالها عن فرنسا في عام 1962، كما سعت إلى الوساطة والحوار مع جميع الجهات الفاعلة بما في ذلك الإسلاميين مثل حركة "النهضة" التونسية.

تحاول الجزائر في البنية الإقليمية الجديدة التي تتميز بتهديدات لا تعد ولا تحصى على حدودها، إعادة التموضع من خلال الانفكاك عن مبادئها غير التدخلية الصارمة. وفي حين أن إعادة صياغة هذه العقيدة قد تستغرق المزيد من الوقت والجهد، يجرى الآن رفع أحد المحرمات الهامة.

قد تكون هذه التعديلات بمثابة عامل ردع، فقد تؤدى إلى تراجع كل من الجهات الحكومية وغير الحكومية عن الانخراط في العدوان العسكري ضد جيران الجزائر المباشرين. كما أنه سيجعل أعمال الجزائر أقل قابلية للتنبؤ بها، مما يمنحها ميزة تكتيكية. والأهم من ذلك، أنها ستمكّن الجزائر من إبراز قوتها العسكرية وتولي زمام القيادة.

فهل تستعد الجزائر لتصبح فاعلة في إدارة الأزمات المتعددة في جوارها المباشر؟

من المؤكد أن البلاد تحاول تعظيم حماية "فنائها الخلفي" في أكثر من منطقة مضطربة، حيث كانت ليبيا، من بين دول أخرى، مصدر مخاوف أمنية.

ولكن لقد فات الأوان على الجزائر لإحداث فرق حقيقي في ليبيا. وقد باءت محاولاتها للتوصل إلى تسوية سياسية بالفشل.

كانت بداية الأزمة الليبية في عام 2011  لحظة يمكن للجزائر أن تساهم فيها من خلال الجهود الدبلوماسية والعسكرية. وبدلاً من ذلك، فتح مبدأها الأساسي المتمثل في عدم التدخل الأبواب أمام العملية العسكرية غير المدروسة لـ"الناتو"، مع علمه مسبقا أنها لن تثير رد فعل جزائري حاسم.

وقد سهل هذا الموقف التدخل الأجنبي من قبل العديد من الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية مثل مصر والإمارات وقطر وفرنسا وإيطاليا وروسيا وتركيا، بالإضافة إلى عمليات الجنرال الليبي "خليفة حفتر"، الذي عمل لأشهر على الاستيلاء على طرابلس من حكومة الوفاق الوطني بالرغم من أن الجزائر وصفت العاصمة أنها "خط أحمر لا يجوز لأحد تجاوزه".

ويمكن قول الشيء نفسه عن المناورات الدبلوماسية غير المثمرة، مثل معارضة الجزائر في يناير/كانون الثاني لتدخل أنقرة في ليبيا. حيث أرسلت تركيا في نهاية المطاف قوات لدعم حكومة الوفاق الوطني.

تشير التعديلات الدستورية إلى أن الجزائر تعلمت دروسا من أخطائها في ليبيا منذ 2011. وستسمح لها بأن تكون أكثر استباقية إذا اندلع صراع آخر في دولة مجاورة. من بين الدول المتاخمة للجزائر مالي والنيجر وموريتانيا، وجميعها دول هشة، ومن المرجح أن يندلع الصراع فيها.

في مثل هذا السيناريو، يمكن للجزائر الآن التدخل لردع التهديدات المحتملة. ويمكن لخصوم الجزائر الآن أن يزنوا خياراتهم بعناية أكبر عندما يتعلق الأمر بالتدخل إما في جوارها المباشر، أو عندما يكون حلفاؤها تحت التهديد.

ويجب على النظام الجزائري أن يخطط ويعد شعبه لهذا التحول الاستراتيجي. بالنسبة للتخطيط فهو واضح، حيث أن البلاد لديها ميزانية دفاعية كبيرة وقد كرست عدة سنوات لبناء القدرات اللوجستية وتدريب القوات. ولكن بالنسبة للجمهور، قد تكون هناك حاجة إلى نقاش وطني جاد لإقناع المواطنين بضرورة التحول العقائدي.

وسيترتب على ذلك رسائل لا لبس فيها إلى دول أخرى مفادها أن الجزائر ليس لديها القدرات فحسب، بل أيضًا الإرادة للتحرك إذا لزم الأمر. ويجب إدراك أن أي تصور للضعف سيقوض جهود الردع.

بالنظر إلى تاريخها الدبلوماسي وقوتها العسكرية وطموحاتها الإقليمية، فإن هذا التحول يمكن أن يسمح للجزائر بأداء دورها كوسيط قوي، وهي الخطوة الأولى نحو تحول في سياستها الخارجية أكثر انسجامًا مع رغبتها في يتم الاعتراف بها كمساهم في الأمن الإقليمي.

لا يزال من السابق لأوانه توقع تغيير كبير في السياسة الخارجية للجزائر، ولكن هناك شيء واحد مؤكد هو أن الصلابة العقائدية لعدم التدخل لم تعد مفيدة لأمن الجزائر ومصالحها الوطنية.

المصدر | داليا غانم - ميدل إيست آي- ترجمة وتحرير الخليج الجديد