الجمعة 22 مايو 2020 08:21 م

إلى ليلى سويف..

هناك صفات شخصية قد تتوفر لدى أعتى المجرمين ومنها المروءة.

السيسي قليل المروءة وإلا لما ارتضى ما يراه من حال ليلى سويف وهي هنا أمٌ قبل كل شيء.

لا يفيد تذكير المتجبرين بالحكمة التاريخية القائلة "لو دامت لغيرك، لما وصلت إليك"!

السيسي يجرب المجرب وسينتهي به المطاف كما انتهى بمن سبقه، ولا داعٍ لتعدادالأسماء والوقائع.

*     *     *

ولمن لا يعرفها، فالسيدة أستاذة الرياضيات في جامعة القاهرة، وحاصلة على شهادتي دكتوراه من جامعات عالمية، وابنة أستاذين جامعيين، ووالدة منى وعلاء وسناء، وزوجة أحمد سيف الإسلام..

ولكنها قبل أن تكون هي شخصياً متميزة علمياً، وأن تكون سليلة أهل متميزين، ومحاطة بعائلتها الخاصة المتميزة، فهي مناضلة لا تملّ منذ شبابها الأول.

وكذلك هو زوجها الذي رحل، وهو من هؤلاء الذين "ما بدلوا تبديلا"، وفيما كان ابنه وابنته الصغرى معتقلان. والابن علاء والابنتان أمضوا سنوات في السجون، ليس لإتجارهم بالمخدرات بل بسبب آرائهم ومواقفهم الوطنية.

ليلى سويف تنام في الشارع منذ أسبوع، في العراء على الرصيف المقابل لسجن طرة البشع. جابت صورتها العالم. سيدة في منتصف الستين من عمرها، بشعرهاالأشعث الذي بيضته السنين.. تطالب برؤية ابنها علاء الذي صار أيقونة عالمية ورمزاً لشباب مصر. تطالب برؤيته والاطمئنان عليه وتسليمه أدوية يحتاجها بشكل حياتي لأنه مضرب عن الطعام منذ ما يقرب من 35 يوماً.

يظهر بوضوح أن الدكتورة ليلى مستميتة في تحقيق مطلبها. وقد تُترك فعلاً للموت هي وابنها علاء. وأما السيسي الذي شاهد حتماً صورتها مرمية على الرصيف، والذي يعرف أن علاء معتقل تعسفياً، وكيدياً خصوصاً، فهو لا يأبه. فهو يملك أن يعاند في الاعتقال وفي المنع، فهو "الاقوى" والسلطة بيده.

ولكنه لم يبدع شيئاً جديداً، فقبله – وهذا مثال من بين سواه – عاندت مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في حينه، في تجاهل إضراب المناضلين الإيرلنديين المعتقلين لديها في 1981، تاركة عشرة منهم يموتون من الجوع، ومن بينهم "بوبي ساند" الذي صار أشهر من نار على علم.

ماذا يقول التاريخ؟ ساهم سلوك تاتشر الشرس، وهي التي خططت لتيئيس المناضلين وإخضاعهم، في تجذير الحركة الاستقلالية الايرلندية، وفي منح منظمة "السين فين"، التي كانت تقود النضال، جماهيرية غير مسبوقة! وهي لم تُمحَ من الوجود بل قادت التفاوض على اتفاقية تاريخية مع الحكومة البريطانية انهت حرباً طويلة ودامية.. وهي اليوم من يحكم ايرلندا الشمالية!

ويجدر بمن سيسارع لتبيان الفوارق بين الأمرين والحالتين، (وهي فعلية)، أن يتذكر أن مصر تعرف حركات تمرد هائلة كل بضع سنين، انتفاضات تبدو السلطة بإزائها وقد انهارت. وحين تستعيد أنفاسها تُضاعف من شراستها للقضاء "نهائياً" على التمرد، أو بالأحرى على روحه وعلى أيّة نوايا مشابهة، فتكتشف أنه لا نهائي في الأمر، وهكذا!

وهذا القانون سيفعل فعله لا محالة مع السيسي، وهو الذي يعتد اليوم بتأييد ترامب والإسرائيليين له، وبمحاباة الغرب الذي يبيعه أسلحة وعتاداً.. لكنه راكم أحمالا من الأحقاد ضده من فئات متنوعة، لم يسبقه إليها أسلافه، من دون أن يوفر مقابل ذلك أية مزايا، لا في شخصه ولا في ما يفعل.

وما يفعل مطبوع بالتخبط والارتجال، وبالفساد.. ويشتهر عنه أنه يمتلك قدراً مدهشاً من التفاهة يجعله موضع تندّر العامة. وأنه فوق كل هذا، فهو صاحب أحقاد، ومنها استخدامه لسلطته في معاقبة من يكرههم، وما أكثرهم، وبعضهم شخصيات عامة مدنية أو عسكرية، تُرمى في السجون وتغيب لسنوات، بسبب كلمة، مقابلة في محطة تلفزة، ترشّح للانتخابات.. الى آخره من شؤون الحياة.

وهو يغتاظ بشكل خاص من الشبان والشابات، لـ"وقاحتهم" في انتقاده، أو حتى لمجرد أنهم ما زالوا يحتفظون بالحيوية، فيبدعون، أو يطلقون أحياناً مبادرات. واما الاهتمام بـ"الشأن العام" فممنوع يا قوم!

هذا ميدان يود السيسي لو يلغيه، وقد نجح – وللحق - في اغلاق جمعيات كانت نشاطاتها في غاية الفعالية، كما نجح في اسكات الاعلام، ليس فحسب عبر الحجب، بل بتضييق هامش ما يمكن الادلاء به، مخافة الاعتقال. وقد اضحت مصر أكبر سجن في العالم للصحافيين بحسب المنظمات المختصة.

يتجلى في تجربة السيسي "الاعتباط المنظّم" بأوضح صوره: لا يعود مفهوماً ما "المسموح" وما الذي يُعاقَب عليه. والعقوبة حيال الفعل نفسه، والشخص نفسه، يمكن ان تقع ويمكن ألاّ.

والتهم العامة من قبيل "نشر أخبار كاذبة"– لدى النظام السوري تهمة أظرف: "توهين معنويات الامة"– لم تعد بحاجة الى أن تصاغ بين حين وآخر مع تفاصيل أو تلاوين جديدة، بل صارت طمغة جاهزة مختصرة، ختماً كذاك الذي يوضع على المعاملات.

وبعد تصفية جهاز القضاء، والسيطرة عليه بالتعيينات (وكله بالقانون) صار القضاة موظفون لدى السلطة التنفيذية، بل "روبوتات". وأما البرلمان، فمسخرة واسعة ومخجلة في انحطاطها.

وقد نجح السيسي كذلك في فبركة نواة صلبة موالية له. ليس المقصود بها هؤلاء اليساريين والليبراليين الذين يعتبرونه سداً بوجه الاخوان المسلمين، ويحتمون به، وهم على أية حال قد تولوا بذلك تصفية انفسهم، إذ صاروا بلا ضرورة.

بل هي النواة المتمثلة بتسليم الجيش–مؤسسة وافرادا–مقاليد الاقتصاد كله، الانتاجي والاستهلاكي على حد سواء. إلا أن السيسي لا بد أنه أدرك هشاشة هذا التركيب، حين، في صيف وخريف 2019، وعبر صوت الممثل والمقاول محمد علي، اختل التوازن المُشاد لسبب غامض يتعلق على الارجح بصراعات داخلية بين الاجهزة العسكرية والامنية، فبدا في ليلة وكأنه سينهار.

وكل ذلك في السياسة. ولكن هناك الى جانبها المروءة. والسيسي قليل المروءة، وإلا لما ارتضى ما يراه من حال الدكتورة ليلى سويف، وهي هنا أمٌ قبل كل شيء.

السيسي يجرب المجرب. وسينتهي به المطاف كما انتهى بمن سبقه، ولا داعٍ لتعدادالأسماء والوقائع. وبالطبع، فلا يفيد تذكير المتجبرين بالحكمة التاريخية القائلة "لو دامت لغيرك، لما وصلت إليك".

 * نهلة الشهال ناشطة وكاتبة لبنانية، رئيسة تحرير "السفير العربي".

المصدر | السفير العربي