الاثنين 25 مايو 2020 08:42 ص

في أواخر مارس/آذار الماضي، انهارت الأسواق المالية العالمية وسط فوضى جائحة "كورونا" الجديد.

وقد لجأ المستثمرون الدوليون على الفور إلى الدولار الأمريكي، تمامًا كما فعلوا خلال الأزمة المالية لعام 2008، واضطر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى توفير مبالغ ضخمة من الدولارات لنظرائه العالميين.

وبعد مرور 75 عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم تضعف قوة الدولار.

إن الهيمنة المتواصلة للدولار ملفتة، خاصة بالنظر إلى صعود الأسواق الناشئة والانحدار النسبي للاقتصاد الأمريكي، من حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 1960 إلى 25% فقط اليوم.

لكن سيتم اختبار وضع الدولار من خلال قدرة واشنطن على تجاوز عاصفة "كورونا" والخروج بسياسات اقتصادية تسمح للبلاد بإدارة ديونها وكبح عجزها المالي الهيكلي.

لا تزال مكانة الدولار مهمة، إن دور الدولار كعملة احتياطي عالمية يجعل من الممكن للولايات المتحدة دفع أسعار أقل على الأصول الدولارية.

وبنفس القدر من الأهمية، يمكن هذا الوضع واشنطن من إدارة العجز التجاري، وتقليل مخاطر أسعار الصرف، وجعل الأسواق المالية الأمريكية أكثر سيولة.

أخيرًا، يتم تفضيل البنوك الأمريكية بسبب فرصها الأكبر للوصول إلى الدولار.

إن كون الدولار قد حافظ على هذا المكانة لفترة طويلة هو أمر شاذ تاريخيا، خاصة في سياق صعود الصين.

 لدى اليوان الصيني حتى الآن أكبر الإمكانات لمنافسة دور الدولار.

إن الحجم الاقتصادي للصين، وآفاق النمو المستقبلي، والاندماج في الاقتصاد العالمي، والجهود المتسارعة لتدويل اليوان، جميعها ترجح دورًا موسعًا للعملة الصينية.

لكن هذه الظروف غير كافية في حد ذاتها.

ولن تتأثر مكانة الدولار نجاحات الصين التي تم الترويج لها كثيرًا في مجال التكنولوجيا المالية، بما في ذلك نشرها السريع لأنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول والمشروع التجريبي الأخير من قبل بنك الشعب الصيني لاختبار اليوان الرقمي المدعوم من البنك المركزي.

لا يزال أمام بكين عقبات رئيسية يتعين التغلب عليها قبل أن يظهر اليوان حقًا كعملة احتياطي عالمية رئيسية.

من بين التدابير التحويلية الأخرى، تحتاج الصين إلى تحقيق المزيد من التقدم في الانتقال إلى اقتصاد يحركه السوق، وإلى تحسين حوكمة الشركات، وتطوير أسواق مالية فعالة ومنظمة جيدًا تحظى باحترام المستثمرين الدوليين حتى تتمكن بكين من إلغاء ضوابط رأس المال وتحويل اليوان إلى عملة تتحكم بالسوق.

تتعامل الولايات المتحدة بحذر مع الصين وتحاول المحافظة على ريادتها في الابتكار المالي والتكنولوجي، ولكن ليست هناك حاجة للمبالغة في تأثير عملة الاحتياطي الرقمية الصينية على الدولار الأمريكي.

تسعى الولايات المتحدة لضمان استمرار الظروف التي خلقت أولوية الدولار في المقام الأول: اقتصاد نابض بالحياة متجذر في سياسات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية السليمة؛ نظام سياسي شفاف ومفتوح؛ والقيادة الاقتصادية والسياسية والأمنية في الخارج.

باختصار، إن الحفاظ على وضع الدولار لن يتحدد بما يحدث في الصين.

وبدلاً من ذلك، سيعتمد بشكل كامل تقريبًا على قدرة الولايات المتحدة على تكييف اقتصاد ما بعد "كورونا" حتى تظل نموذجًا للنجاح.

المنافسة الصينية في التكنولوجيا المالية

يتحدث كثير من العائدين من الصين عن كيفية تحول البلاد إلى النموذج غير النقدي.

من شراء الوجبات الخفيفة من الأكشاك إلى إعطاء المال للمتعهدين، يتم تنفيذ كل شيء الآن من خلال الهواتف الذكية ورموز "QR" الباركود.

وقد أصبحت أجهزة الصراف الآلي في الصين من الماضي.

تتزايد تنافسية الشركات الصينية في مجال التكنولوجيا المالية، والمستهلكون الصينيون هم أكبر مستخدميها.

تقود هذه الحقائق المنتقدين بانتظام للدولار إلى الاعتقاد بأن هيمنة التكنولوجيا المالية الصينية يمكن أن تعرض الوضع العالمي للدولار للخطر قريبًا.

لكن هذا ليس مصدر قلق خطير، وليس من الواضح أن الولايات المتحدة تتخلف بالفعل في مسائل التكنولوجيا المالية.

لم تكن الصين رائدة في مجال التكنولوجيا المالية، بل كانت تعتمد على التقنية بسرعة.

قاد عملاقا التكنولوجيا الصينيان "علي بابا" و "تينسنت" الطريق في إنشاء خدمات تجعل المعاملات الرقمية أكثر كفاءة، مع الاستفادة من سوق كبير من العملاء غير المتعاملين مع البنوك، خاصة في المناطق الريفية في الصين.

وقد كان استيعاب خدماتهم استثنائيا.

في عام 2018، على سبيل المثال، بلغ حجم معاملات الدفع عبر الهاتف المحمول في الصين 41.5 تريليون دولار.

كان هذا النجاح ممكنًا إلى حد كبير لأن البنية التحتية المالية الحالية للصين كانت قديمة ونظامها المصرفي غير فعال.

وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن بطاقات الائتمان لم تستقر أبدًا في الصين، لذلك عندما أصبحت الهواتف الذكية رخيصة وواسعة الانتشار، أصبح من المنطقي القفز من اقتصاد قائم على النقد مباشرة إلى الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول.

والأكثر من ذلك، بالرغم من كل ما أصبحت عليه الصين في عدم اعتمادها على النقود، فإن العديد من الأمريكيين أيضًا سيواجهون صعوبات لتذكر آخر مرة استخدموا فيها النقود في أي شيء بخلاف بعض الأمور الثانوية. 

تعمل خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول مثل "Venmo" و "Apple Pay" تمامًا مثل "Alipay" و "WeChat".

ولكن على العموم، لا يزال الأمريكيون يفضلون بطاقات الائتمان، لأن استخدامها مريح والبنية التحتية المالية الحالية آمنة وقوية وجديرة بالثقة.

عززت شركات التكنولوجيا الصينية الابتكار لتلبية طلب المستهلكين وتعويض البنية التحتية المالية غير الملائمة للبلاد.

علاوة على ذلك، فقد بدأوا في نشر هذه التقنيات في الأسواق النامية، التي شجعت اقتصاداتها الناشئة على القبول الفوري للهواتف الذكية، وبالتالي قدمت فرصة هائلة للشركات الصينية للحصول على حصتها في السوق.

بالرغم من أن البنك المركزي الصيني يمكن أن يطلق عملة رقمية خلال هذا العام، إلا أن العناوين تبالغ في مدى التأثير الفعلي لذلك.

يسيئ أولئك الذين يخشون من أن هذا التطور قد يبشر بنهاية أسبقية الدولار الأمريكي فهم أنه في حين أن شكل المال قد يتغير، إلا أن طبيعته لم تتغير.

سيظل اليوان الرقمي يوانًا صينيًا. لا أحد يعيد ابتكار المال. قد يكون الرمز المميز المستخدم للمعاملات مختلفًا، ولكن قدرة الصينللوصول بعملتها لحالة الاحتياطي العالمي تعتمد على نفس مجموعة العوامل التي تنطبق على مُصدر العملة الحالية (الدولار).

وبالرغم من أن الحكومة الصينية شجعت استخدام اليوان لتسوية المعاملات التجارية كجزء من جهد لتدويل عملتها، إلا أن النفط والسلع الرئيسية الأخرى لا تزال مسعرة بالدولار الأمريكي.

جاء تفوق الدولار من خلال مزيج من الأحداث التاريخية، والظروف الجيوسياسية بعد الحرب العالمية الثانية، وسياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والحجم الكبير وديناميكية الاقتصاد الأمريكي.

واليوم، قد يبدو "الاحتكار الطبيعي" للدولار الأمريكي أحد عناصر النظام الدولي، ولكن خلال النصف الأول من القرن العشرين، كان الدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني بشكل أساسي بمثابة عملات احتياطية.

بمرور الوقت، من المرجح أن يعطي النظام النقدي الدولي مرة أخرى وزنًا متساويًا نسبيًا لعملتين احتياطيتين عالميتين أو أكثر.

واليوان هو المنافس الرئيسي، حيث أنه بالفعل عملة احتياط جنبًا إلى جنب مع الين الياباني واليورو والجنيه الإسترليني. وباستثناء كارثة كبرى، فإن الاقتصاد الصيني في طريقه ليصبح أكبر اقتصاد في العالم في المستقبل المنظور،  كما سيكون أول اقتصاد رئيسي يتعافى من أزمة "كورونا".

لذلك، فإن انضمام اليوان إلى الدولار الأمريكي كعملة احتياطية أساسية ليس أمرًا مستبعدًا.

ولكن لتحقيق هذا الوضع، ستحتاج الصين إلى إصلاح اقتصادها وتطوير أسواق رأس المال لديها بطرق صعبة وتنطوي على اعتبارات سياسية محلية معقدة.

تم تأجيل الطموحات الصينية الأخيرة التي تتطلب تحولات مماثلة (مثل تأسيس شنجهاي كمركز مالي عالمي كامل بحلول عام 2020) حتى الآن: المركز المالي غير قابل للتنفيذ ببساطة وينطبق الشيء نفسه على آفاق اليوان كعملة احتياطي رئيسية.

بالرغم أنه من غير المرجح أن تقوض العملة الرقمية التي تدعمها بكين تفوق الدولار، إلا أنها يمكن أن تسهل بالتأكيد جهود الصين لتدويل اليوان. في البلدان ذات العملات غير المستقرة، مثل فنزويلا ، يعد اليوان الرقمي بديلاً جذابًا للعملة المحلية.

يمكن للشركات الصينية مثل "تينسنت"، التي لها بالفعل وجود كبير في البلدان النامية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، أن تزيد من وجودها هناك، مما يؤدي إلى الدفع باليوان الرقمي مستقبلا وزيادة حصتها في السوق.

يمكن أن يساعد ذلك في تعزيز مكانة اليوان العالمية وأن يصبح جزءًا من استراتيجية أوسع لإبراز التأثير الاقتصادي والسياسي الصيني في الخارج.

تشجيع الابتكار الأمريكي

في الوقت الحالي، يجب أن تقلق الولايات المتحدة بشكل أقل بشأن نهاية تفوق الدولار كعملة احتياط عالمية.

إن العملة الرقمية ليست مجرد فكرة صينية، كما أن الابتكار المالي في العملات الرقمية والمدفوعات عبر الهاتف المحمول يحدث في القطاع الخاص الأمريكي أيضًا.

في الوقت نفسه، تحتوي هذه التقنيات الجديدة على مخاطر كامنة.

بدون ضمان خصوصية البيانات القوية، سيكون من الصعب اعتماد هذه التقنيات على نطاق واسع. علاوة على ذلك، يمكن لهذه التقنيات الجديدة تسهيل غسل الأموال وغيرها من الأنشطة المالية غير المشروعة.

قاد "وادي السليكون" و"وول ستريت" الطريق طويلاً نحو ابتكارات مالية ومنصات رقمية جديدة للمعاملات وأشكال جديدة من المال.

إذا تم تحقيق ثمار هذه الابتكارات، يمكن للشركات الأمريكية إنشاء أفضل عملة رقمية في العالم وأكثرها أمانًا، مع ضوابط قوية ضد التمويل غير المشروع.

وستؤدي المكاسب الناتجة عن الكفاءة وتخفيض تكاليف المعاملات إلى فوائد ملموسة للمستهلكين.

يحتاج صانعو السياسات، إذن، إلى تحقيق توازن دقيق بين التخفيف من مخاطر هذه التقنيات الجديدة ودعم قدرة الشركات الأمريكية الخاصة على الابتكار. 

من المؤكد أن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تأخذ الصين كمنافس اقتصادي هائل على محمل الجد، ولكن عندما يتعلق الأمر بأسبقية الدولار، فإن الخطر الرئيسي لا ينبع من بكين ولكن من واشنطن نفسها.

يجب أن تحافظ الولايات المتحدة على اقتصاد يلهم المصداقية والثقة العالميتين.

سيؤدي الفشل في القيام بذلك، مع مرور الوقت، إلى تعرض وضع الدولار الأمريكي للخطر.

إن وضع الدولار هو المفتاح لاستقرار النظام السياسي والاقتصادي الأمريكي، ولحماية موقف الدولار، تحاول الولايات المتحدة أن يظل اقتصادها نموذجًا للنجاح وللمحاكاة.

وهذا بدوره يتطلب نظامًا سياسيًا قادرًا على تنفيذ سياسات تسمح لمزيد من الأمريكيين بالازدهار وتحقيق الرخاء الاقتصادي. كما يتطلب نظامًا سياسيًا قادرًا على الحفاظ على الصحة المالية للبلاد.

لا يعرف التاريخ أي دولة بقيت في القمة دون حكمة مالية على المدى الطويل. لذلك يجب أن يستجيب النظام السياسي للولايات المتحدة للتحديات الاقتصادية الحالية.

إن خيارات السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة في الخارج مهمة أيضًا لأنها تؤثر على مصداقية الولايات المتحدة، وإلى حد كبير، تحدد قدرتها على تشكيل النتائج العالمية.

للحفاظ على هذه القيادة، قد تدعم الولايات المتحدة مبادرة لتعديل وتحديث القواعد والمعايير العالمية التي تحكم التجارة والاستثمار والمنافسة في التكنولوجيا لتعكس حقائق القرن الحادي والعشرين.

يجب على واشنطن أن تدرك أن العقوبات الأحادية - التي أصبحت ممكنة بفضل سيادة الدولار - ليست خالية من التكلفة.

يمكن أن يؤدي استخدام الدولار كسلاح بهذه الطريقة إلى تنشيط الحلفاء والأعداء الأمريكيين لتطوير عملات احتياطية بديلة - وربما حتى توحيد القوى للقيام بذلك.

وهذا هو بالضبط السبب الذي دفع الاتحاد الأوروبي لتعزيز اليورو في المعاملات الدولية.

على نفس المنوال، سيتم تحديد ما إذا كان اليوان سينضم إلى الدولار كعملة احتياطية رئيسية من خلال كيفية إعادة تشكيل الصين لاقتصادها.

ولكن إذا نجحت بكين في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، فسوف يخلق ذلك اقتصادًا أكثر جاذبية لتصدير السلع والخدمات الأمريكية ويؤسس مجالًا أكثر للشركات الأمريكية العاملة في الصين وهي تغييرات ستفيد الولايات المتحدة.

إن قيمة العملة الوطنية لحامليها هي في النهاية انعكاس للسياسات الاقتصادية والسياسية للبلاد.

وسيكون سلوك الولايات المتحدة فيما بعد أزمة "كورونا" اختبارًا مهمًا. 

وإذا حافظت على عوامل قوتها الاقتصادية، بما في ذلك روح الابتكار والحوكمة الفعالة، فهناك أسباب كثيرة لاستمرار الثقة في الدولار.

المصدر | هنري باولسون/ فورين أفيرز- ترجمة وتحرير الخليج الجديد