الجمعة 29 مايو 2020 04:48 م

أثارت وفاة فنان شاب في سجن طرة (جنوب القاهرة)، صدمة في جميع أنحاء مصر، وهو الأمر الذي يلقي الضوء على الاكتظاظ الذي لا يُطاق وعلى تفشي سوء المعاملة، إضافة لعدم الحصول على الرعاية الصحية في السجون المصرية التي لا تصلح لأحد.

فسجن طره المصري يكتظ بالسجناء الذين يعانون سوء المعاملة، وظروف إقامة سيئة لا تُحتمل.

وكان "شادي حبش"، أبعد ما يكون عن المجرم، فهو صانع أفلام صاعد مع موهبة لجماليات أكبر في الحياة، يستمتع بما تقدمه حرفته المثيرة قبل أن تُمزق حياته ويلقى في سجن طرة جنوب القاهرة.

اتهم "حبش"، عام 2018، بالانضمام إلى منظمة إرهابية، ونشر أخبار مزيفة بعد إخراج مقطع فيديو موسيقي لمغني الروك "رامي عصام"، بعنوان "بلحة"، والتي انتقد فيها الأداء العام للرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي".

وتوفي "حبش"، في زنزانته بوقت سابق من هذا الشهر، وهو في سن الرابعة العشرين.

وقبل الوفاة استغاث زملاؤه بالسجناء إدارة السجن لساعات قبل الحصول على المساعدة الطبية، وهم يطرقون جدران الزنزانة لمحاولة دفع الحراس للتدخل قبل فوات الأوان، حسبما ورد.

ادعى الادعاء المصري، فيما بعد، أن "حبش" مات من شرب مطهر اليدين "عن طريق الخطأ"، ولكن بناء على معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، فإن وفاته لم تكن الوحيدة في هذا السجن المعروف، فهي الثالثة خلال الأشهر العشر المنصرمة في قسم 4 داخل سجن طرة.

وحسبما يذكر المعهد، فإن سجناء الرأي يتركون في كثير من الأحيان ليموتوا، دون محاكمة، أو محاكمة استئناف، وفي "ظروف مروعة تشمل الحرمان المتعمد للرعاية الصحية".

وتصعب معرفة أعداد السجناء في مصر، ولكن التقديرات تشير إلى أن هناك أكثر من 100 ألف شخص داخل السجون، بما في ذلك أولئك المحتجزين رهن المحاكمة.

ووفقا للأرقام الرسمية، تجاوز الوضع في النظام الجنائي المصري حافة الهاوية، فنسبة إشغال السجون تصل إلى 160% من طاقتها، بينما تصل نسبة الإشغال في مراكز الاحتجاز 300% من طاقتها.

ومما يعنيه ذلك أن السجناء غالبًا ما يضطرون للنوم فوق بعضهم البعض على أرضيات خرسانية عارية في مرافق قذرة تفتقر إلى المعدات الكافية للتخفيف من الطقس القاسي في مصر.

وفي هذا يذكر "عمرو مجدي" الباحث الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش"، أن أماكن الاحتجاز في مصر، بشكل عام، مزدحمة إلى حد أنه في بعض الأحيان لا يستطيع المحتجزون النوم في نفس الوقت لأنه لا توجد مساحة كافية، "لذلك ينامون في نوبات"، مشيرا إلى أنه لا توجد "مساحة كافية للجميع من أجل التمدد".

وأكد كاتب ناشط ومعتقل سابق، رفض الإفصاح عن هويته، ظروف الازدحام والانتهاكات المرتكبة في السجون المصرية: "كنا 70 شخصا في الزنزانة الصغيرة، نتناوب الجلوس على الأرض، كان علينا الوقوف دون حركة، المشي كان ترفا".

ولكن ازدحام السجون ليست المشكلة الوحيدة، فقد كان السجانون يمارسون أساليب الضغط العنيفة على السجناء.

ويذكر الناشط أن 12 طفلا تحت عمر 16 سنة، من بينهم فتيات، تم أخذهم لغرفة الاستجواب أثناء وجودهم في مركز الاحتجاز، "لم أتبين بسبب الصراخ ما إن كانوا يستجوبون الأولاد أم البنات".

وظروف الاكتظاظ وسوء المعاملة تقوض حياة السجناء عندما يُمنع الحصول على الرعاية الصحية الأساسية، وبالنسبة للعديد من المعتقلين المصابين بأمراض مزمنة، فمن غير المحتمل تلقي العلاج المناسب.

يقول "مجدي"، إنه من الصعب للغاية على شخص ما أن يُنقل إلى مستشفى، "حتى عندما يحدث هذا، فإنهم يذهبون هناك لإجراء اختبار فقط ثم يعودون إلى السجن مباشرة، رغم أن حالتهم قد تتطلب دخول المستشفى".

دعت "رايتس ووتش"، الحكومة المصرية إلى إطلاق سراح سجناء الرأي وفئات أخرى من المعتقلين، بمن فيهم أولئك الذين سجنوا لعدم تمكنهم من دفع الغرامات بسبب الفقر، ويقول "مجدي" إن الظروف في السجن ستصبح مستعصية بسبب وباء فيروس "كورونا".

بالنسبة للفنان المنفي "رامي عصام"، كانت الطريقة الوحيدة للمضي قدمًا هي كتابة أغنية جديدة، "السجن لا يقتل".

الأغنية شكلت جزءا من حملة دعت إلى إطلاق سراح "حبش" قبل وفاته.

وكانت الكلمات عبارة عن رسالة كتبها "حبش"، وتم تهريبها من السجن قبل رحيله المفاجئ.

يشرح "عصام"، أن هذا الأمر تذكير لاتخاذ إجراءات من أجل الإفراج عن السجناء السياسيين والفنانين وغيرهم "ممن تنتهك حقوقهم الإنسانية"، مضيفا: "إنه صوت مئات الآلاف الذين يمرون بنفس التجربة في الوقت الحالي، صوت مُضطهد ومكبوت يجب أن نسمعه، ولكن بصوت عالٍ جداً".

المصدر | دوتشيه فيليه