الأحد 28 يونيو 2020 07:58 م

من الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، ومن الجامعة العربية إلى الاتحاد الأفريقي، تتبلور ملامح تحرك خليجي، قد يكون عاملا داعما لمصر في أزمة "سد النهضة" المتنازع عليه مع إثيوبيا.

وتقف القاهرة في موقف حرج للغاية، مع إصرار أديس أبابا على ملء السد، الشهر المقبل، سواء تم الاتفاق مع مصر والسودان (دولتي المصب) أو لا.

ويواجه الجانب المصري نقاط ضعف عديدة في موقفه التفاوضي، وهو ما جعله تحت ضغط كبير في الداخل والخارج، وفي حالة إلحاح لطلب الدعم والمساندة من دول خليجية وأفريقية وأوروبية عدة.

ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن الدولي، الأسبوع الجاري، جلسة لمناقشة قضية سد النهضة بناء على مذكرة تقدمت بها مصر، وطالبت فيها بدعم المسار التفاوضي لحل الأزمة.

نقاط الخلاف

ويدور الخلاف المصري الإثيوبي حول سنوات ملء السد، وموعد تشغيله، وكمية المياه المتدفقة منه خلال فترات الجفاف.

وتصر القاهرة على فترة أطول لملء السد من 7 إلى 10 سنوات، حتى لا تتأثر بالنقص المحتمل في حصتها التاريخية من مياه النيل، البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويا.

ويقول البيان الصادر قبل أيام عن الاتحاد الأفريقي، إنه جرى حل أكثر من 90% من القضايا العالقة بين أطراف الأزمة، لكن تقارير غربية تفيد بوجود خلافات بشأن مطالبة مصر بكميات إضافية من المياه في فترات الجفاف الأطول التي تمتد من 4 إلى 5 سنوات.

ويعني الطلب المصري الحصول على تعويضات مائية بعد مرور فترات الجفاف الطويلة، وهو ما ترفضه إثيوبيا بدعوى أن إطلاق الكثير من المياه سيخفض منسوبها خلف السد إلى مستويات لا تستطيع معه توربيناتها توليد الطاقة.

ويقول خبراء مطلعون على ملف المفاوضات، إن أديس أبابا أبدت امتعاضا من مقترح التعويضات لمصر عن انخفاض تدفق المياه أثناء فترات الجفاف، وتقول إنها ستجد نفسها مدينة بالمياه إلى دولتي المصب.

ويتعلق الخلاف بين الطرفين، كذلك، بمطالبة القاهرة أن تكون تسوية المنازعات المستقبلية عن طريق آلية التحكيم الدولي الملزم، بينما تتمسك إثيوبيا بالآلية المنصوص عليها في "إعلان المبادئ" الذي وقع عليه الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، في مارس/آذار 2015.

وتنص المادة العاشرة من إعلان المبادئ، التي تحمل اسم مبدأ التسوية السلمية للمنازعات على: "تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتهم الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقا لمبدأ حسن النوايا".

وتضيف: "إذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول أو رئيس الحكومة"، أي أن بنود الإعلان تحول دون اللجوء للتحكيم الدولي، أو مجلس الأمن، أو الأمم المتحدة.

وحمل الإعلان، ضمنيا، موافقة مصرية سودانية، على استكمال إجراءات بناء السد، وفتح باب التمويل أمام إثيوبيا لاستكمال المشروع، مع احترام الاحتياجات المائية للدول الثلاثة الموقعة على الاتفاق.

تدخل أفريقي

اللافت أن تدخل الاتحاد الافريقي الذي جاء متأخرا بعد قرابة 10 سنوات من المفاوضات بين البلدان الثلاث، لم يوقف تشدد الموقف الإثيوبي الرافض تأخير ملء خزان السد حتى يتم التوصل إلى اتفاق.

والسبت الماضي، قال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي "موسى فكي"، إن "لجنة مؤلفة من ممثلين للدول الثلاث وجنوب أفريقيا وشخصيات فنية من الاتحاد الأفريقي، ستعمل على حل القضايا القانونية والفنية المعلقة، وستصدر اللجنة تقريراً بشأن التقدم في المفاوضات خلال أسبوع".

وأضاف: "وأمام الاتحاد الأفريقي أسبوعان للمساعدة في التوصل إلى اتفاق لإنهاء خلاف مستمر منذ 10 سنوات بشأن موارد المياه".

بعدها بساعات، تطابق إعلان من القاهرة والخرطوم، مفاده أن الدول الثلاث اتفقت خلال قمة أفريقية مصغرة عقدت عبر الفيديو، الجمعة، على تأجيل البدء في ملء خزان السد لحين إبرام اتفاق بين الدول الثلاث.

لكن بيانا إثيوبيا رسميا، نفى إرجاء الملء، بل بدا متمسكا بالجدول الزمني الذي أعلنته أديس أبابا من قبل وينص على بدء تعبئة خزان السد في يوليو/تموز المقبل.

ويبدو أن الدبلوماسية المصرية تكرر الخطأ ذاته بالعودة إلى الاتحاد الأفريقي كمظلة للمفاوضات، في وقت تتمتع فيه إثيوبيا بنفوذ كبير داخل مؤسساته، كونها دولة المقر.

ومن الأهمية الأخذ في الاعتبار أن الاتحاد الأفريقي لم يكن طرفا ضامنا من الأساس لـ"إعلان المبادئ"، فضلا عن كونه طرفا غير فاعل، ولا يملك من أدوات الضغط ما يجعل إثيوبيا تعود عن موقفها.

دور خليجي

وتبقى الآمال المصرية معلقة بدور خليجي، يستند إلى لغة المال، حيث تضخ كل من السعودية والإمارات استثمارات ضخمة في الاقتصاد الإثيوبي.

وتدور تخوفات من أن يجري مقايضة الدعم الإماراتي لمصر في أزمة السد، بانغماس الجيش المصري في الحرب الليبية ضد حكومة "الوفاق" وحليفتها تركيا.

وفي العام 2018، تعهدت الإمارات بتقديم 3 مليارات من الدولارات في صورة مساعدات واستثمارات للبلد الأفريقي.

ووقتها ظهر رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد علي" خلف عجلة القيادة في سيارة بيضاء بصحبة ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" الذي كان يجلس إلى جانبه في جولة في شوارع أديس أبابا.

ووفق القنصل العام لإثيوبيا في مدينة جدة، "مروان بدري"، فإن السعودية، تستثمر مبالغ تقدر بنحو 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار) في أكثر من 294 مشروعاً استثمارياً، في مجالات عدة أهمها الزراعة.

وتستورد السعودية نحو 6% من إجمالي الصادرات الإثيوبية كل عام، بينما تمد إثيوبيا بالمنتجات البترولية ضمن صادرات للمملكة تمثل 10% من جملة ما تستورده إثيوبيا، بحسب وكالة الاستثمار الإثيوبية.

وتعول القاهرة على تحرك تلك الاستثمارات لدعم موقفها، والضغط على إثيوبيا لتقديم تنازلات ترضي الجانب المصري، لكن عامل الوقت ربما لن يكون في صالح تلك التحركات، بعد أن باتت إثيوبيا قاب قوسين أو أدنى من بدء عملية ملء السد.

آلية تعويض

ويطرح باحثون ألمان تابعون لمؤسسة العلوم والسياسة الألمانية في برلين"SWP"، خيارا آخر يتمثل في إنشاء آلية تعويض، معتبرين أن الحل "يمر عبر تعويض مالي مصري لإثيوبيا"، وربط  أي مساهمة مالية أوروبية بضرورة التزام القاهرة بترشيد إدارة المياه.

ولم تنجح مصر في ممارسة الضغط على إثيوبيا من خلال الدول الحليفة لها، حيث ترتبط الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول الخليج بعلاقات جيدة مع البلدين، ومن الواضح أنهم غير مستعدين للانحياز إلى أي من أطراف الصراع، بحسب الـ"SWP".

وفي هذا الصدد، يؤخذ في الاعتبار، جهود الحكومة الإثيوبية لتعبئة موقف مساند لها، نتج عنه تبني تجمع الكونجرس الأسود (CBC)، الذي يضم 55 سيناتورا، موقف أديس أبابا، وحقها في التنمية.

وتغري إثيوبيا دول الجوار الأفريقي بإمدادها باحتياجاتها من الكهرباء بأسعار رخيصة، وهو ما يعزز موقف أديس أبابا ويجعل دول حوض النيل داعمة لها، أو محايدة على الأقل.

تبقى مصر إذن رهينة تحرك منظمات إقليمية ودولية، تحكمها توزانات القوى الكبرى، وسط ترقب لدور خليجي، ربما يكون طوق نجاة لنظام "السيسي" مقابل تنازلات من القاهرة.

المصدر | الخليج الجديد