الاثنين 29 يونيو 2020 04:02 ص

عراق الدولة أو الميليشيات؟

لا خيار أمام الكاظمي إن أراد المضي في الاستجابة لما يطلبه منه العراقيون.

أغلبية عراقية ساحقة ضاقت ذرعاً بسطوة الميليشيات وتغوّلها واختراقها لأجهزة الدولة المختلفة.

قلة متنفذة استمرأت التسلط والتحكم بشؤون البلاد منذ أن دانت لها الأمور نتيجة الاحتلال الأمريكي.

العملية التي نفذتها قوات الأمنية ضد «كتائب حزب الله» العراق سلطت الضوء بقوة على تنازع إرادتين.

*     *     *

على العراق أن يختار: إما الدولة القوية مهيبة الجانب، وإما سلطة الميليشيات المتعددة التي يديرها أمراء الطوائف منفذو أجندات القوى الإقليمية التي لا تريد للعراق أن يكون على ما يجب أن يكون عليه منذ تأسيس الدولة العراقية: دولة موحدة، قوية، مقررة في منظومة الأمن العربي وفي التوازن الإقليمي، بل تريده بلداً مفككاً، ضعيفاً، تتقاذفه إرادات الخارج، وتدير أموره على هواها، وتملي عليه رغباتها.

العملية التي نفذتها القوات الأمنية ضد «كتائب حزب الله» العراقي، سلطت الضوء بقوة على تنازع إرادتين:

الإرادة الأولى تدعمها الأغلبية الساحقة من المواطنين العراقيين الذين ضاقوا ذرعاً بسطوة الميليشيات وتغوّلها عليهم، واختراقها لأجهزة الدولة المختلفة، مستظلة بغطاء الأحزاب الشيعية المتحكمة في ما يعرف بـ«العملية السياسية» في البلد.

وهي الإرادة التي تدعم فكرة استعادة الدولة لسلطتها ودورها ومهابتها، وتحجيم نفوذ الميليشيات، ونزع سلاحها، حيث يجب أن يكون السلاح محصوراً بيد الدولة، أو على الأقل خاضعاً لإشرافها.

أما الإرادة الثانية، فتمثلها قلة من متنفذين استمرأوا التسلط والتحكم في شؤون البلاد منذ أن دانت لهم الأمور، نتيجة الاحتلال الأمريكي، الذي فكك مؤسسات الدولة المركزية وفي مقدمتها الجيش، وهي أقلية تريد بقاء الدولة هشة، وعاجزة، وأسيرة للأحزاب المتنفذة، والميليشيات التابعة لها، وللدول التي تواليها خارج العراق.

طبيعي أن تنال خطوة حكومة مصطفى الكاظمي باعتقال بعض قادة ما تعرف بـ«كتائب حزب الله»، تأييداً شعبياً واسعاً، فالعراقيون يتطلعون لأن تكون هذه خطوة أولى ضمن خطوات تالية، تعيد الأمن والاستقرار في البلد، وتضع الدولة في المكان العائد لها، كجهة قرار مركزي وسيادي حاسم، لا تنازعها عليه أية قوة أخرى.

ليس الطريق معبداً أمام الكاظمي، فليس بوسعه تجاوز حقيقة كونه أصبح رئيساً للحكومة بتوافق أغلبية الأحزاب المعنية، بدعم أمريكي وغربي، وعدم ممانعة إيرانية، وهو معني بالحفاظ على هذا التوافق قدر المستطاع، خاصة أن المجموعات الأشد تطرفاً تنظر إليه وإلى دوره بريبة، وتسعى جاهدة لتعطيل دوره، بل إن كتائب «حزب الله» توعدت باستهداف الكاظمي شخصياً بعد القبض على قياديين فيها.

ورغم الطابع المركب والمعقد للمهمة المناطة بحكومة الكاظمي، فإنه لا خيار صحيحاً، آخر، أمامه، إن أراد المضي في الاستجابة لما يطلبه منه العراقيون.

وهو، وإن كان غير مدعوم، كسابقيه ممن ترأسوا الحكومات المتعاقبة في العراق في السنوات السابقة، من حزب أو ائتلاف أحزاب، فإن ما يسعى إليه يحظى بدعم شعبي غير مسبوق.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة