الاثنين 29 يونيو 2020 12:07 م

"إبعادات بالجملة".. كلمتان لخص بهما مراقبون تدخلات قائمة على قدم وساق من جانب الاحتلال الإسرائيلي تستهدف إقصاء مسؤولين عن الأوقاف الإسلامية بمدينة القدس المحتلة، وسط أضواء تسلطها وسائل إعلام غربية وعربية على دوافع هكذا حملة، وما إذا كانت ضمن مخطط تهويد القدس الاحتلالي فقط أم ترتبط بمحاولات تفاهم إقليمية أيضا.

وفي هذا الإطار، تدور تحليلات المراقبين حول محاولة إسرائيلية للنوب عن السعودية في فرض واقع جديد بالمسجد الأقصى يلتقي مع مصالح الطرفين في تقليص صلاحيات الأردن على الأوقاف الإسلامية في القدس، في ظل اتجاه واضح من سلطة ولي العهد السعودي، حاكم المملكة الفعلي "محمد بن سلمان" للتطبيع مع دولة الاحتلال وتوطيد العلاقات معها. 

وشمل التقليص سحب صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية المتعلقة ببرنامج السياحة الأجنبية للأقصى، إذ باتت حصرياً بيد الاحتلال الذي يحدد مواعيد السياحة وأعداد المشاركين فيها من أجانب دون أي تنسيق مع الأوقاف، إضافة إلى تجريدها صلاحياتها المتعلقة بأعمال الترميم داخل المسجد وفي منشآته المختلفة، وفرض رقابة مشددة عليهأ، فضلا عن اعتقال مسؤولي لجان الإعمار وفنييها، وجعل مرافقة كبار الضيوف الأجانب والعرب وإعداد برامج زياراتهم للأقصى من مهام شرطة الاحتلال.

كما انتزع الاحتلال برنامج الحماية والحراسة للأقصى من وحدات الحراسة التابعة للدائرة ليضعها بمتناول قيادة شرطته التي اتخذت مقرات لها في منشآت داخل ساحات المسجد.

ارتباط تاريخي

ويعود أصل الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة في القدس إلى عام 1924، تزامنا مع نهاية الخلافة العثمانية، وفي عام 1988 قرر ملك الأردن "الحسين بن طلال" فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية، باستثناء الأماكن المقدسة في القدس التي بقيت تحت الوصاية الأردنية، بطلب من الرئيس الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات".

وفي 13 مارس/آذار 2013، أبرم أبرمه الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" اتفاقا مع ملك الأردن "عبدالله الثاني" حول الوصاية الأردنية على المقدسات في القدس والمسجد الأقصى، ينص على أن الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة في القدس تهدف إلى المحافظة عليها واحترام أهميتها التاريخية والثقافية والمعمارية وكيانها المادي، بما يشمل متابعة مصالح الأماكن المقدسة وقضاياها في المحافل الدولية ولدى المنظمات الدولية المختصة والإشراف على مؤسسة الوقف في القدس وممتلكاتها وإداراتها وفقاً لقوانين المملكة الأردنية.

كما ينص الاتفاق على اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية بدور ملك الأردن، والتزامهما باحترام هذا الدور.

وجاءت موافقة القيادة الفلسطينية على منح الأردن اعترافاً بالوصاية والولاية على المسجد الأقصى لقناعتها بأهمية الدور الأردني في مواجهة الاستهداف الإسرائيلي للمقدسات، بسبب صلة الأردنيين الوثيقة بالمسجد الأقصى وإدارتهم لشؤونه قبل عام 1967، واستمرار هذا الدور حتى اليوم من خلال دائرة الأوقاف الإسلامية ومجلس الأوقاف والهيئة الإسلامية العليا.

تغييرات جذرية

ولذا يضغط الاحتلال على الأردن للقبول بإحداث تغييرات جذرية في مجلس الأوقاف الإسلامية، بإضافة عناصر موالية للسعودية به، في إطار خطة السلام الأمريكية للشرق الأوسط، المعروفة إعلاميا بـ "صفقة القرن".

فالخطة لا تطاول القضية الفلسطينية فقط، بل تتعدى ذلك إلى كامل المنطقة العربية، والتطبيع العلني بين دولة الاحتلال والنظام الرسمي العربي، وفي القلب منه السعودية، التي تؤيد صفقة القرن، و"لا بد من مكافأتها على دورها"، بحسب تسريبات نقلتها صحيفة "إسرائيل اليوم"، المقربة من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في مطلع يونيو/حزيران الجاري.

وتستهدف الصفقة "تشريك" الوصاية بين عدة أطراف منها الأردن، وربما تضاف إليها تركيا ومصر و(إسرائيل)، بحسب الصحيفة العبرية، التي نقلت عن مصدر سعودي (لم تسمه) قوله إن موقف الأردن "قد يتغير بسبب ازدياد النفوذ التركي في المسجد الأقصى".

وبذلك تستخدم الرياض تنامي نفوذ التركي إقليميا كذريعة لتبرير استهدافها لأوقاف القدس بدعم إسرائيلي يرى مصلحة في الضغط على أنقرة لإبعاد الجمعيات التركية عن المدينة.

وفي هذا السياق، جرت محاولات سعودية سابقة للانتقاص من السيادة الحصرية للأردن على المسجد الأقصى من خلال محاولات أفراد تشكيل وفد مقدسي (إسلامي - مسيحي) للتوجه إلى السعودية قبل عامين لمبايعة "بن سلمان" وإظهار الموالاة له.

كما سبق للرياض محاولة التدخل في الأقصى من بوابة المساهمة المالية في ترميم مسجد الصخرة المشرفة وقبته، وهو ما رفضته عمّان باعتبار أن أي مساعدات أو مساهمات مالية من أي دولة عربية أو إسلامية يجب أن تتم من خلال القناة الرسمية الأردنية.

فخ منصوب

ومن هذا المنظور، يقرأ مراقبون عروض الرياض بمساعدة الأردن، الذي يعاني من أوضاع اقتصادية متردية، في محاول لفرض حضور سعودي على إدارة الأقصى من خلال تعيين أعضاء موالين لها في مجلس الأوقاف.

في المقابل، تحاول أنقرة تخفيف أي مصدر للقلق الأردني من تنامي دور الجمعيات التركية في القدس، وهو ما عبر عنه بوضوح بيان لسفارتها لدى عمّان بتاريخ 4 يونيو/حزيران، جاء فيه أن تسريبات (إسرائيل اليوم) ليست سوى "إشاعة تهدف إلى تشتيت الأنظار عن الاستعدادات للضم (الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية) الذي يتعارض مع القانون الدولي"، وأن تركيا تدعم بقوة دور الأردن في حماية الأماكن المقدسة"، و"تؤمن بأنه يقوم بتحمل مسؤوليته على أفضل وجه".

وفي السياق ذاته، جاء بيان مؤسسة القدس الدولية بشأن التسريبات الإسرائيلية، واصفة إياها بأنها "فخٌّ منصوب للأردن"؛ بهدف جره للتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي بشأن المقدسات.

من هنا، جاء رد نائب رئيس الوزراء الأردني السابق "جواد العناني" على التسريبات المزعومة، عندما صرح بأنه "إذا كانت المملكة العربية السعودية ترغب في القيام بدور بشأن أوقاف القدس فعليها أن تبحث ذلك مع الأردن مباشرة وليس مع إسرائيل"، وفقا لما نقلته قناة الجزيرة، مشددا على أن "وزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة المخولة، وإسرائيل ليس لها أي تخويل بأن تبحث مع أي جهة كانت في هذا الموضوع أبداً".

ويؤشر الموقف الأردني إلى أن عمّان تدرك أن انجرارها إلى الاصطفاف ضد أنقرة يخدم مصلحة إسرائيلية – سعودية بالأساس، وبالتالي يصب باتجاه مشروع الوصاية المشتركة على أوقاف القدس. 

ومع رفض الأردن خطة ضم دولة الاحتلال الإسرائيلي لنحو ثلث أراضي الضفة الغربية المحتلة وغور الأردن، من المتوقع أن تتواصل ضغوط كبيرة على عمّان بالتهديد بنزع الوصاية، عبر مواصلة تغول سلطة الاحتلال على صلاحيات دائرة الأوقاف المقدسية من جانب، والخنق الاقتصادي والمالي عبر تخلي السعودية عن أي دور في دعم الاقتصاد الأردني من جانب آخر.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات