سمات وآثار الاحتجاج ضد العنصرية

تعبر الاحتجاجات ضد العنصرية عن نقد منتشر للتفاوتات العرقية والاقتصادية للمجتمع الأميركي.

تطرح احتجاجات أميركا ضد العنصرية مضمونا اجتماعيا اقتصاديا للعنصرية والتمييز كأجندة عمل لحكومات ودول وحركات اجتماعية بالمرحلة المقبلة.

حراك يؤثر في سياسات اقتصادية لحكومات ومؤسسات دولية وشركات دولية سارعت في الدفاع عن نفسها وقدمت مساعدات لمنظمات تناهض العنصرية.

*     *     *

يشكل الحراك الأخير ضد العنف البوليسي، عنصري الطابع على الأميركيين من أصول أفريقية، بداية مرحلة جديدة من الحركة الاجتماعية الأميركية، لما يحمله الحراك من سمات وخصائص، منها كثافة المشاركين وامتداده جغرافياً وتشابك مضامينه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن آثاره المستقبلية، سواء على الحركة الاحتجاجية في أميركا أو على الحركات الاجتماعية عالميا، غير ما يمكن استشرافه من تحركات احتجاجية مماثلة على أرضية رفض التمييز القائم على اللون والعرق والدين.

وفي النهاية، سيكون لهذا الحراك المتوقع، تأثيره في السياسات الاقتصادية، نظرا لما تملكه الحركات الاجتماعية من قوة تأثير في البنى الاقتصادية، بوصفها أداة مقاومة تمثل قطاعات من المواطنين يعلنون فيها مطالبهم أو رفضهم للسياسات الاقتصادية.

شكّل الحراك انفجاراً جماهيرياً نتاج تراكم محطات من الاحتجاج على أرضية أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية خلال ست سنوات مضت، منها احتجاجات ضد العنصرية وعنف الشرطة خلال 2014 رصدتها تقارير دولية، كذلك المظاهرات التي تلت إعلان دونالد ترامب الترشح للرئاسة ثم فوزه في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

وضمت المظاهرات حينها طيفاً واسعاً من رافضي سياساته الاقتصادية، منها إلغاء بعض برامج الرعاية الصحية منخفضة التكاليف، بالإضافة إلى رفض نزعاته العنصرية اليمينية في معالجة أزمات البطالة، منها ما ارتبط بمعاداة المهاجرين والمسلمين والإساءة للنساء والملونين. ساعتها اندلعت مظاهرات ضده في ما يزيد عن 20 ولاية أميركية، غير مظاهرات طلابية في 15 جامعة.

وصل ترامب إلى منصبه مدعوما من تنامي نفوذ حركات اليمين المحافظ التي تؤيده، وهي الحركات التي استطاعت تنظيم صفوفها واستعراض قوتها وممارسة العنف، منها وقائع دامية كأحداث شارلوتسفيل في ولاية فيرجينيا عام 2017 ضد أميركيين من أصل أفريقي.

وسبقت تلك الاحتجاجات مظاهرات عدة خلال عقدين ماضيين، أبرزها "احتلوا وول ستريت" نهاية 2011، ومظاهرات سياتل 1999، وكلاهما استخدمت فيها تكتيكات مشابهة للمظاهرات الأخيرة ضد العنصرية.

في سياتل منع آلاف المتظاهرين نهاية 1999 الجلسة الافتتاحية لقمة التجارة العالمية والتي تضم رؤساء وممثلي دول كبرى، وفرضت الحكومة الأميركية الطوارئ وحظر التجول، وتدخلت قوات الحرس الوطني لمواجهة التظاهرات ضد سياسات اليمين الليبرالي لقادة الدول الغنية، وما ينتجه من تفاوت اجتماعي بين شعوب الجنوب والشمال.

بينما مظاهرات الاحتجاج ضد العنصرية في يونيو/حزيران 2020 تحمل أفقاً اجتماعياً اقتصادياً مرتبطاً بتاريخ من الاستغلال والتمييز الاجتماعي ضد الملونين والمفقرين، متجاوزاً التقسيم الجغرافي التاريخي لتبلور العنصرية وعصور العبودية في أميركا بين ولايات الشمال والجنوب.

 

سمات وخصائص الاحتجاج

ما يميز الحراك الأخير أو الانتفاضة ضد العنصرية هو شموله وامتداه جغرافياً إلى ما يزيد عن 100 مدينة كبرى. حتى المدن التي يمثل الأميركيون من أصل أفريقي نسبة محدودة فيها، شهدت مظاهرات، كما تجاوزت أماكن الاحتجاج التقليدية ضد العنصرية أو مراكز الفعل السياسي كالمدن الكبرى.

لقد "نكأت جرح أميركا الغائر" على حد تعبير الرئيس السابق أوباما، وانعكس ذلك على حجمها لتحظى باهتمام وتضامن دولي واسع في أوروبا، خصوصا التي شهدت بعض مدنها تظاهرات تضامنية.

وتشكل قوة وجرأة المظاهرات وعنفوانها وسعيها إلى محاصرة مراكز سياسية مهمة كالبيت الأبيض تحديا نادرا للسلطة والحكومة الأميركية، غير محاولات الهيمنة على أماكن التظاهر، كحالة مدينة سياتل والتي أعلن متظاهروها رغبتهم في إدارة شؤونها وإجلاء البوليس عنها، بل ذهب بعضهم لطلب الاستقلال والحكم الذاتي.

ومن بين خصائص الحراك المتعددة حجم وتنوع المشاركين عمريا، شباب ونساء طلاب جامعات وعمال ومهنيين ومهاجرين.

وبتحليل طبقي، يظهر أن كثيرا من الأميركيين الأفارقة والبيض من فئات اجتماعية مفقرة زادت معاناتها آثار الأزمة الاقتصادية وتبعات جائحة كورونا.

ملفت أيضا أن يكون كبار السن في مقدمة الصفوف يواجهون عنف الشرطة، ونشاهد إصابة بعضهم في بث مباشر. يخرج العجائز للاحتجاج، لأنهم يشعرون بالغبن، وأن السلطة التي تعنف الملونين وتقلل الأجور مستغلة معدلات البطالة، تهمش العجائز طالما لم يعودوا منخرطين في سوق العمل.

ناهيك عن إحساس جزء منهم بأن أميركا التي يعرفونها لم تعد كما هي، وهو ما يدل على غضب بعضهم على ما يلقونه من رعاية اجتماعية وصحية غير كافية، فضلاً عن رغبتهم في الاعتراف بوجودهم ضد التهميش الذي يشعر به كبار السن، وهو ما تشير إليه مداخل تحليل الحركات الاجتماعية.

 

آثار الاحتجاجات الأميركية

سيدفع المشهد الاحتجاجي ضد العنصرية في تشكل موجة جديدة من الاحتجاجات أكثر تطورا في مطالبها، وستكتسب ثقتها من دروس الاحتجاجات التي تلت مقتل جورج فلويد، ومن التاريخ الطويل من الحراك ضد العنصرية منذ عشرينيات القرن الماضي.

بحيث يتجاوز الحراك الاحتجاج على العنف إلى الاحتجاج على أوضاع اجتماعية واقتصادية هي جزء من مضامين العنف الاقتصادي الاجتماعي للعنصرية ضد الأميركيين الأفارقة.

وتتشارك فيه فئات متضررة منها كتلة شبابية تزداد أعدادها، وتتصف ظروف عملها ومعيشتها بالهشاشة وعدم استقرار العمل وصعوبة توفير السكن والشعور بازدياد الفروق الطبقية.

حسب كينجا تايلور أستاذة الدراسات الأفريقية الأميركية بجامعة برينستون، ومؤلفة BlackLivesMatter to Black Liberation فإن حركة الاحتجاجات ضد العنصرية "تعبر عن نقد منتشر للتفاوتات العرقية والاقتصادية للمجتمع الأميركي".

كما أن حركة "حياة السود مهمة" وهي إعادة تنشيط لحركة الحقوق المدنية في الستينيات بنقد جذري مناهض للرأسمالية كنظام تمييز طبقي وعنصري مترابطين بأميركا، هو ما قد يقود إلى مشروع للتغيير الاجتماعي.

كذلك يمكن استشراف آثار ما ستخلفه الاحتجاجات على حركة النقابات العمالية في أميركا، حيث قد يساهم الحراك في عودة صوتها مرة أخرى، وتوفير مساحات من الحركة ومدد تنظيمي ما بين صفوفها مع رغبة بعض المحتجين إلى التنظيم في أطر نقابية، خصوصاً أن جزءاً من الحركة العمالية الأميركية ارتبط بمطالب الأميركيين من أصل أفريقي، كما تمثل الحركة النقابية مدرسة لتبادل الخبرات وبروز قيادات احتجاجية جديدة.

وتشكل "خصائص" العنصرية الأميركية ضد الملونين، بما فيها الاستبعاد الاجتماعي والحرمان الاقتصادي، فرصة لتكون مركزا ودرسا للحركات الاحتجاجية ضد العنصرية وإطارا لتناقل الخبرات والتأثير، فالحركات الاحتجاجية لم تعد منعزلة.

ويساهم في ذلك التطور الهائل في وسائل الإعلام التي تشكل فرصة معرفية وآليات للتعبئة والحشد على مستوى محلي ودولي.

وليس ما طالبت به دول أفريقية من مناقشة مظاهر العنصرية المرتبطة باللون والعرق في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، بعيدا عن بدايات انطلاق شرارة احتجاجات ضد العنصرية على أساس عرقي أو ديني.

وهذا الحراك سوف يكون له تأثير في سياسات اقتصادية لحكومات الدول والمؤسسات الدولية وبعض الشركات الدولية التي سارعت في الدفاع عن نفسها وقدم بعضها مساعدات للمنظمات التي تناهض العنصرية.

تفرض احتجاجات أميركا ضد العنصرية المضمون الاجتماعي الاقتصادي للعنصرية والتمييز كأجندة عمل للحكومات والدول، ومن قبلهم الحركات الاجتماعية في المرحلة المقبلة.

* عصام شعبان كاتب باحث مصري

المصدر | العربي الجديد