الأربعاء 1 يوليو 2020 06:37 م

كيف تمكنت إثيوبيا من تمويل سد النهضة رغم إحجام أغلب المؤسسات الدولية عن دعم المشروعات المتنازع عليها؟ وما هي الدول التي مولت السد عمليا؟ وما دلالة نتيجة مسيرة 9 سنوات من السجال بين القاهرة وأديس أبابا حول هذا الملف؟.

تلخص الأسئلة السابقة اهتمامات أوراق تقدير الموقف التي نشرها مراقبو الشأن المصري خلال الأيام الماضية، مع بداية يوليو/تموز، وهو الشهر الذي أعلنت الحكومة الإثيوبية أنه سيشهد بدء ملء السد "باتفاق مع مصر أو بدونه".

فمع اتجاه أديس أبابا لاتخاذ إجراءات انفرادية، اتجهت القاهرة إلى "تدويل" الملف عبر مجلس الأمن، واتهمت إثيوبيا الحكومة المصرية بالتعنت، في حين شددت الأخيرة على أنها لن تقف صامتة إزاء أي تحرك أحادي بشأن ملء السد.

ولم تثمر المحادثات الجارية منذ 5 سنوات بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم عن اتفاق سياسي يضمن حلاً مرضياً للجميع، فيما لم تتوقف الاتهامات المتبادلة بين مصر وإثيوبيا تحديداً عن المسؤولية في عدم التوصل لاتفاق.

تمويل محلي

وتعود إجابة الأسئلة إلى عام 2011، حينما استغلت السلطات الإثيوبية حالة الانتقال السياسي في مصر وفرضت على بنوكها المحلية تخصيص نسبة 27% من قوة الإقراض الخاصة بها لصالح الدولة، رغم تحذيرات المؤسسات الدولية من أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى سحب السيولة من البنوك وتباطؤ النمو الاقتصادي.

كما فرضت أديس أبابا على موظفي الخدمة المدنية التبرع بجزء من رواتبهم للمساهمة في إنشاء السد، ضمن حملة تمويل ضخمة شاركت فيها العديد من المؤسسات المحلية، وشملت جمع التبرعات عبر رسائل الهاتف المحمول، ومسابقات اليانصيب، وحتى الفعاليات الرياضية التي أُقيمت في جميع أنحاء البلاد.

وأصدر بنك التنمية الإثيوبي أيضا سندات تمويل موجَّهة بشكل خاص لمجتمعات المهاجرين بآجال طويلة.

وبذلك نجحت أديس أبابا في جمع أكثر من 450 مليون دولار من مصادر التمويل المحلية بحلول عام 2014، ويُعتقد أن حصيلتها وصلت إلى مليار دولار على الأقل منذ ذلك التوقيت حتى اليوم.

لكن هذا المبلغ لا يمثل أكثر من خمس المبلغ المطلوب "مبدئيا" لبناء السد (5 مليارات دولار)، وسرعان ما استُنفِد في أعمال الإنشاءات الأولية، وبحلول عام 2015، كانت أعمال البناء في السد قد توقّفت بشكل كلي، وبدا أن أحلام أديس أبابا الطموحة في طريقها للانهيار.

تدخل صيني

سدت أديس أبابا هذا العجز عن طريق الصين التي استثمرت في تمويل وبناء السدود في 22 دولة أفريقية خلال العقد الأخير، ورغم أنها تجنّبت تقديم قروض مباشرة لتغطية تكاليف إنشاء سد النهضة، خوفا من إثارة غضب مصر التي تمتلك فيها بكين أيضا مصالح متنامية، إلا أنها قدمت تمويلا للسد بطريقة "غير مباشرة"، عبر تقديم قرض لإثيوبيا عام 2013 بقيمة 1.2 مليار دولار لتمويل خطوط الكهرباء والبنية التحتية المقرر أن تنقل الكهرباء المولدة من السد إلى البلدات والمدن الرئيسية.

وفي أبريل/نيسان 2019، أعلنت بكين عن منح قرض آخر لأديس أبابا بقيمة 1.8 مليارات دولار خلال زيارة قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي "آبي أحمد" إلى الصين، بهدف "توسيع شبكة الكهرباء في إثيوبيا"، وهو قرض يُعتقد أن جزءا كبيرا منه قد وُجِّه لاستكمال أعمال الإنشاءات وشراء التوربينات اللازمة لتشغيل سد النهضة.

وبذلك يصل مجموع القروض التي دعمت بها الصين تمويل سد النهضة نحو 3 مليارات دولار.

خذلان أمريكي

وإزاء تنامي النفوذ الصيني في إثيوبيا، أطلّ وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" على وسائل الإعلام من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في مارس/آذار الماضي، مؤكدا أن الولايات المتحدة جاءت اليوم لتُقدِّم "فرصا استثمارية حقيقية وجذابة"، على النقيض من الدول الاستبدادية التي جاءت "بوعود فارغة وشجّعت الفساد والتبعية" في إشارة واضحة إلى الصين، وذلك بعد أن منحت واشنطن الضوء الأخضر لصندوق النقد الدولي نهاية العام الماضي (2019) لتقديم قرض بقيمة 2.9 مليارات دولار إلى أديس أبابا.

ورغم أن أيًّا من هذه القروض لم يكن مُوجَّها لتمويل سد النهضة بشكل مباشر، إلا أنها وفرت نفقات طائلة على الحكومة الإثيوبية، وبالتالي منحت قُبلة الحياة الأبدية لإنشاء سد النهضة حتى بات أمرا واقعا عام 2020.

وفي حين بدت واشنطن منحازة ظاهريا إلى مواقف القاهرة، خاصة منذ أن رفضت إثيوبيا التوقيع على اتفاق برعاية أمريكية في نهاية فبراير/شباط الماضي، وتركت مصر تُوقِّع عليه منفردة بالأحرف الأولى، تُشير مصادر مصرية إلى أن القاهرة ترى أن واشنطن خذلتها ولم تفعل ما يكفي لإجبار أديس أبابا على تقديم تنازلات بشأن قضية السد، بعدما رفضت استخدام ثقلها الاقتصادي للضغط على أديس أبابا لاستكمال المفاوضات، وفقا لما نقله موقع "مدى مصر".

وبذلك نجحت أديس أبابا في اللعب على توتر تناقضات المصالح بين القوى العظمى لتمويل سد النهضة، تماما كما فعلت القاهرة في تمويلها السد العالي، عندما لجأت إلى الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن الماضي لتجاوز اشتراطات مؤسسات التمويل الدولية الخاضعة للنفوذ الأمريكي آنذاك.

ويشير معهد "بروكينجز"، في هذا الصدد، إلى تبدل لمواقع النفوذ والقوة بالقارة الأفريقية بشكل عام ومنطقة حوض النيل بشكل خاص، وهو ما انعكس سلبا حتى على علاقات حلفاء القاهرة بأديس أبابا.

السعودية والإمارات

فحتى أبرز الدول العربية الحليفة لمصر -السعودية والإمارات-  ساهمتا بشكل غير مباشر في تمويل السد الإثيوبي، إذ قدّمت الإمارات، في يونيو/حزيران 2018، مبلغ 3 مليارات دولار في صورة ودائع واستثمارات في إثيوبيا، كما قدّمت السعودية لها مبلغ 140 مليون دولار، في ديسمبر/كانون الأول 2019، كقروض لإقامة مشروعات للطاقة الشمسية.

ورغم أن السعودية اضطرت إلى إنكار وجود أي استثمارات لها في سد النهضة، في أعقاب زيارة وفد سعودي رفيع المستوى لموقع بناء السد في ديسمبر/كانون الأول عام 2016، أثارت استياء كبيرا لدى القاهرة، إلا أن المملكة لم تُنكر ما تداولته تقارير صحفية حول رغبتها في إقامة مشروع ربط كهربائي بين دول الخليج وإثيوبيا من خلال نظام كابلات يتم تمريره عبر اليمن.

وبإضافة أن الملياردير السعودي صاحب الأصول الإثيوبية "محمد حسين العمودي" هو أحد أبرز المستثمرين في سد النهضة، وأنه قدّم تبرعا بقيمة 88 مليون دولار لبدء أعمال الإنشاءات الأولى للسد في عام 2011، يمكن قراءة دور سعودي كبير في بناء السد خلف الكواليس، وإن لم يكن في صورة أموال بقيمة طائلة.

فـ"العمودي" هو مهندس مشروع الربط الزراعي بين الرياض وأديس أبابا منذ نجح في إقناع السلطات السعودية باستثمار مليارات الدولارات لاستصلاح نصف مليون هكتار (نحو 1.25 مليون فدان) في مقاطعة غامبيلا بإثيوبيا.

كما تجاهلت كل من أبوظبي والرياض المناشدات المستمرة للقاهرة لتعليق استثمارتهما في إثيوبيا (نحو 7 مليارات دولار) من أجل تحسين موقف مصر التفاوضي في قضية سد النهضة، بل استثمرتا في تعزيز علاقاتهما مع أديس أبابا، عبر رعاية اتفاق مصالحة تاريخي بين إثيوبيا وإريتريا كان هو السبب الرئيسي في حصول "آبي أحمد" على جائزة نوبل للسلام.

وعزز حصول "أحمد" على الجائزة من صورة إثيوبيا الدولية، وقدرتها على مواصلة تمويل سد النهضة، فضلا عن منحها قوة دبلوماسية تمكنها من مواجهة الجهود الدبلوماسية المصرية على صعيد الملف ذاته.

من هنا يمكن قراءة ما نقلته صحيفة "القبس"، في 28 يونيو/حزيران الماضي، عن مصادر (لم تسمها)، حول تحرك كويتي بمظلة خليجية لنزع فتيل الخلاف المصري الإثيوبي، أملاً في تصفية حروب قائمة وإبعاد المنطقة عن "حروب جديدة"، إذ إن مصادر التمويل الخليجية تعتبر ورقة الضغط الأبرز على أديس أبابا، ولا تبدو أية مؤشرات على استجابة لمناشدات القاهرة لاستخدامها.

وبذلك تكون الجهات الممولة لسد النهضة هي: الصين والولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي والسعودية والإمارات، إضافة إلى مصادر التمويل المحلية داخل إثيوبيا، بمجموع يصل إلى 12 مليار دولار على مدى السنوات التسع الماضية.

وبذات الأجندة التي اتبعتها مصر سابقا، سحبت أديس أبابا بساط القوة والنفوذ بمنطقة حوض النيل من القاهرة، وبعد أنا كانت تشتكي قبل عقد من الزمان فقط من سطوة النفوذ السياسي والاقتصادي ومنظومة العلاقات الدولية والإقليمية التي مكّنت مصر من الحفاظ على اليد العليا في المنطقة ذاتها، يبدو الوضع معكوسا اليوم.

هذا ما نوه له تحليل نشره موقع "ميدل إيست آي البريطاني"، في 14 يونيو/حزيران الماضي، عندما اعتبر أن سد النهضة بات يمثل "تحولا بالغ الأهمية في ميزان القوة في حوض النيل"، وأن السلطات المصرية -رغم كل اللهجة المتشددة في بياناتها- تدرك أن مشروع بناء سد النهضة سيصبح يوما ما في القريب العاجل "أمرا واقعا".

وإزاء ذلك، قد يؤدي التصعيد في ملف السد الإثيوبي إلى اندلاع صراع بين القاهرة وأديس أبابا، لا يستبعد محللون، بينهم "عبدالباري عطوان"، من وصوله مرحلة الصدام العسكري، خاصة في حال بدء ملء السد أحاديا، وتأثير ذلك سلبا على حصة القاهرة من مياه نهر النيل، التي تمثل 90% من مصادر المياه العذبة بمصر، وفقا لما نقله موقع "رأي اليوم".

فهل يصل الصدام المصري الإثيوبي إلى هذه المرحلة؟ نتيجة إحالة ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن حاسمة في تحديد الإجابة. 

المصدر | الخليج الجديد