الجمعة 3 يوليو 2020 02:05 م

منذ التوغل العسكري التركي في شمال شرق سوريا في أكتوبر/تشرين الثاني 2019، وبشكل خاص بعد هجوم النظام السوري على معقل المعارضين في إدلب في ديسمبر/كانون الثاني بمساعدة حاسمة من المليشيات المتحالفة مع إيران، عززت كل من أنقرة وطهران علاقاتهما الثنائية بشكل واضح، رغم كونهما خصمين افتراضيين.

وفي 15 يونيو/ حزيران الماضي، أعلن وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف"، بشكل مفاجئ، "دعم" طهران لحكومة الوفاق الوطني "الشرعية" المدعومة من تركيا في ليبيا خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي، ما يعد تحولا ملحوظا في سياسة بلاده الإقليمية. وتعد تلك أول بادرة دعم رسمية من قبل إيران لحكومة الوفاق الوطني وسط مزاعم وشائعات بأن فيلق الحرس الثوري الإسلامي ينقل الأسلحة خلسة إلى قوات الجيش الوطني الليبي المدعوم من روسيا بقيادة "خليفة حفتر".

في نفس اليوم، شنت تركيا عملية عسكرية شاملة ضد مواقع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. وفي خطوة مفاجئة أخرى، وعلى الرغم من اعتراضات طهران المعتادة على أي انتهاك مزعوم للسيادة العراقية، شن الحرس الثوري بالتزامن هجومه الخاص في العراق، وقام بضرب مواقع حزب الحياة الحرة الكردستاني، وهي جماعة كردية متشددة تسعى إلى تحقيق الحكم الذاتي للأقلية الكردية في إيران ويعتقد أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بـحزب العمال الكردستاني.

إصلاح العلاقات

ولا يعد التقارب المفاجئ في المصالح الجيوسياسية والأمنية بين طهران وأنقرة، أو بشكل أدق، جهود إيران لإصلاح العلاقات مع تركيا، مجرد مصادفة. وتعاني إيران من ضغوط متزايدة بسبب حملة "أقصى ضغط" من إدارة ترامب، وهي تجد نفسها في حاجة ماسة إلى انفتاح إقليمي لتخفيف آثار العزلة، وتعد تركيا في وضع جيد لتسهيل ذلك بالرغم من الخلافات طويلة الأمد بين البلدين في سوريا.

ويكتسب موقع تركيا السياسي كحليف للولايات المتحدة أهمية خاصة بالنسبة للقيادة في طهران لأن تركيا، وعلى عكس نهجها في عهد الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما"، كانت مترددة في مساعدة إيران على التهرب من العقوبات الأمريكية في عهد "ترامب"، ما جعل طهران تعتمد بشكل متزايد على العراق.

وفي حين انخفض حجم التجارة الثنائية بين إيران وتركيا بنحو 50% بسبب إعادة فرض العقوبات الأمريكية، من حوالي 10.7 مليار دولار في عام 2017 إلى ما يقرب من 5.6 مليار دولار في عام 2019، تشهد العلاقات الاقتصادية بين إيران والعراق ازدهارًا بالرغم من زيادة الضغط الأمريكي على بغداد لعكس هذا الاتجاه.

لكن ليبيا والقضية الكردية ليسا المجالين السياسيين الوحيدين اللذين قد تتلاقى فيهما مصالح طهران وأنقرة. وفي المؤتمر الصحفي المشترك في 15 يونيو / حزيران مع نظيره التركي، أشار وزير الخارجية الإيراني "ظريف" أيضًا إلى اليمن وقال "لدينا وجهات نظر مشتركة مع تركيا حول سبل إنهاء الأزمة في ليبيا واليمن"، مشيرا إلى احتمال ظهور عملية إعادة تنظيم إقليمي بين إيران وتركيا ضد الكتلة التي تقودها السعودية في الصراعين اليمني والسوري.

منذ بداية غزو التحالف بقيادة السعودية لليمن في مارس/آذار 2015، دعمت تركيا الحملة العسكرية للتحالف، وعارضت الحوثيين المدعومين من إيران. ومع ذلك، حين توترت علاقات تركيا مع المملكة العربية السعودية في عام 2018 بسبب فضيحة قتل الصحفي "جمال خاشقجي"، بدأت أنقرة في إعادة النظر في موقفها تجاه الصراع. والآن، بعد أن فشلت الحملة التي تقودها السعودية في هزيمة الحوثيين، وبعد أن بدأت الخلافات بين السعودية والإمارات تتفاقم بسبب خلافاتهما طويلة المدى لليمن، تشرع تركيا في تبني سياسة أكثر نشاطًا تجاه الحرب الأهلية اليمنية.

في سياق هذا النهج الجديد، تسعى تركيا إلى زيادة نفوذها في اليمن، خاصة في الأجزاء الجنوبية من البلاد التي مزقتها الحرب، من خلال دعم حزب الإصلاح الإسلامي بنشاط. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك تقارير مؤخرًا عن نشر المسلحين المدعومين من تركيا من سوريا إلى اليمن للقتال إلى جانب القوات الموالية للإخوان وضد المقاتلين المدعومين من الإمارات في المجلس الانتقالي الجنوبي. لذلك، بالرغم من عدم وجود أي علامة على وجود أي تحالف محتمل بين القوات المتحالفة مع إيران وتركيا في اليمن، يبدو أن الهدف المشترك المتمثل في توجيه ضربة للتحالف الذي تقوده السعودية واستخراج التنازلات منه قد جلب المواقف الدبلوماسية لطهران و أنقرة أقرب لبعضها البعض في قضية اليمن.

تقارب تكتيكي

كما ساهم القلق المشترك بشأن التوسع المحتمل لنفوذ الرياض، وكذلك نفوذ (إسرائيل) الإقليمي، في دفع إيران إلى تبني موقف تركيا من الأزمة الليبية. وفي حين أن موسكو ودمشق، وكلاهما شريكان لإيران، يدعمان الجيش الوطني الليبي بقيادة "حفتر"، فإن الجمهورية الإسلامية تفضل تمكين حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا على تمكين المحور السعودي المصري في شمال إفريقيا. علاوة على ذلك، فإن دعم الرياض المباشر وغير المباشر لقوات سوريا الديمقراطية التي يسيطر عليها الأكراد، بهدف مواجهة نفوذ كل من إيران وتركيا في سوريا، يمنح طهران وأنقرة حافزًا آخر للتعاون.

ومع ذلك، فيما يتعلق بطهران، فإن إعادة تنظيم العلاقة مع أنقرة ضد الرياض يعد تحولا تكتيكيا يهدف في المقام الأول إلى تكثيف الضغط على السعوديين لتغيير نهجهم تجاه إيران. وفي هذا السياق، وبالرغم من إعلان الجمهورية الإسلامية دعمها للحكومة الشرعية في ليبيا، أكد العميد "حسين دهقان"، المستشار العسكري للمرشد الأعلى "آية الله علي خامنئي"، مؤخرًا على استعداد إيران للتصالح مع السعودية، حيث قال في مقابلة يوم 22 يونيو/حزيران: "إذا قبلت السعودية، فنحن مستعدون للتحدث معهم دون أي شروط مسبقة".

بعد يوم واحد من مقابلة "دهقان"، أعلن الحوثيون عن مجموعة جديدة من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات بدون طيار ضد مجمع وزارة الدفاع السعودية وبعض الأهداف العسكرية الأخرى في الرياض. وعلى هذا النحو، من خلال تشديد قبضتها على السعودية في مجال الدبلوماسية الإقليمية - من خلال إعادة الاصطفاف مع تركيا - وكذلك على الأرض، يبدو أن إيران تسعى إلى إجبار الرياض على الاعتراف بحدود نفوذها، والتصالح مع هذا الوضع.

مع وضع هذه الديناميات في الاعتبار، تبدو نظرة تركيا إلى التقارب الأخير مع إيران ذات طبيعة تكتيكية مماثلة. ولن يؤدي الدعم الدبلوماسي الإيراني لحكومة الوفاق الوطني فقط إلى إعطاء المزيد من الشرعية لتدخل تركيا في ليبيا، ولكنه يمكن أن يؤدي أيضًا إلى حل يحفظ ماء وجه أنقرة في سوريا. فعلى الرغم من استقرار الأوضاع في إدلب - جزئيا - في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار في 5 مارس/آذار بين تركيا وروسيا، إلا أن حكومة أردوغان تعرف أن الوضع الراهن ليس مستدامًا على المدى الطويل وأن النظام السوري وحلفاءه سوف يشنون - عاجلاً أم آجلاً - عملية عسكرية حاسمة في المنطقة.

في ظل هذه الظروف، فإن إعادة نشر المسلحين إلى ليبيا واليمن يمكن، إلى حد ما، أن يخفف مخاوف أنقرة بشأن إمكانية دخول هؤلاء المسلحين الإسلاميين في الغالب إلى الأراضي التركية وتشكيل تهديد أمني لأنقرة. وفي الوقت نفسه، من خلال تقليص فرص حدوث نزاع بالوكالة بين الطرفين، ستزيد احتمالات التوصل إلى حل وسط بين تركيا وإيران وروسيا في سوريا. ولكن هذا لا يعني أن الخلافات الأساسية بين إيران وتركيا في المنطقة، وخاصة في سوريا، سيتم حلها بسرعة، ناهيك عن أن تُحل بشكل تلقائي.

بدلاً من الإعلان عن ظهور تحالف جديد في المنطقة، يبدو أن التقارب الأخير بين إيران وتركيا هو زواج مصلحة، يهدف إلى تأمين مصالح منفصلة لكل طرف. ويمكن لعوامل مثل زيادة التنسيق بين أنقرة وواشنطن في سوريا، والتخفيف المحتمل للتوتر بين إيران والمملكة العربية السعودية، ورغبة طهران في عدم تنفير روسيا من خلال اتخاذ مواقف معادية ضد "حفتر"، أن تؤثر سلبًا على عملية إعادة تنظيم العلاقات بين إيران وتركيا.

المصدر | ميسم بهرافيش وحميد رضا عزيزي/ ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد