الأحد 5 يوليو 2020 04:03 م

مع تولي "السيسي" مقاليد الأمور، شدد الجيش المصري قبضته على الاقتصاد والسياسة، لكن سيطرة الرئيس على البلاد لا تزال موضع جدل.

وقال البروفيسور "عاموس بيرلموتر" في كتابه "مصر.. الدولة البريتورية": "إن مصر تعد دولة بريتورية، أي إنها دولة يملك فيها الجيش وحده القدرة على السيطرة على النظام السياسي".

ومضى "بيرلموتر" ليضيف أن "العملية السياسية في مصر تتمركز حول الجيش باعتباره المجموعة الجوهرية والطبقة السياسية الحاكمة في البلاد".

كان ذلك قبل 46 سنة، ولكنه لا يزال ينطبق تماما على الحكم الاستبدادي للرئيس "عبدالفتاح السيسي" في عام 2020.

عسكرة الدولة

منذ توليه السلطة بعد انقلاب عسكري ضد أول رئيس منتخب ديمقراطياً في البلاد، شرع "السيسي" في تكديس جنرالات الجيش بشكل استراتيجي في حكومته، وكلفهم بإدارة مساحات كبيرة متزايدة من اقتصاد البلاد.

ولم يمر اعتماد "السيسي" على الجيش الذي دفعه إلى السلطة دون شكوك ومخاوف، حتى من قبل "السيسي" نفسه، الذي يتأرجح موقفه بين الاعتماد المطلق والبارانويا "جنون الريبة" فيما يتعلق بالجيش.

وقال المحلل السياسي لشؤون الشرق الأوسط "علي باكير" من أنقرة: "منذ الانقلاب العسكري، عمل السيسي على تعزيز سلطته في المؤسسة العسكرية".

وأضاف "باكير": "أولاً، قام بتهميش أولئك الذين رآهم يشكلون تهديدًا أو منافسين مستقبليين له في المؤسسة العسكرية، ولاحقا، عمل السيسي على تغيير أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي حكم مصر لفترة وجيزة خلال ثورة 2011".

وفي عام 2018، عندما قرر العضو السابق في المجلس العسكري الأعلى في مصر، "سامي عنان"، تحدي "السيسي" في الانتخابات الرئاسية، كان ذلك علامة أن الوضع ليس على ما يرام داخل الجيش.

وقد رد "السيسي" على ذلك بالقبض على "عنان" لضمان عدم ظهور معارضة جادة خلال الانتخابات، ومنذ ذلك الحين، سعى إلى جلب شخصيات عسكرية جديدة إلى السلطة، وهو ما علق عليه "باكير" قائلًا: "هدفه الرئيسي هو ضمان الولاء من المعيّنين الجدد".

نفوذ أجنبي على الجيش

ولكن تغييرات ملحوظة وقعت على ديناميات العمل داخل الجيش منذ 2013، وفق ما يقوله الدكتور "أسامة رشدي"، العضو السابق في المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان.

وقال "رشدي" في حديثه مع موقع "تي آر تي وورلد": "منذ اللحظة الأولى سيطر السيسي على أجهزة المخابرات العامة والجيش، حيث أعاد هيكلة الجيش ووضع الموالين له في مواقع السلطة".

وأضاف: "علاوة على ذلك، حافظ الجيش على سيطرته من خلال أذرعه الاقتصادية الممتدة في مختلف المجالات حتى أصبح الجيش أشبه بدولة موازية للدولة المصرية".

وبينما يُنظر إلى الجيش على أنه أحد الفائزين الكبار بعد انقلاب 2013، يتساءل البعض عما إذا كانت هذه الهيمنة مستدامة على المدى الطويل.

ويواصل نظام "السيسي" طلب الأموال من صندوق النقد الدولي والخليج وحتى من شعبه من أجل دعم الاقتصاد المتعثر، ولكن الاعتماد على أموال دول الخليج، ولاسيما الإمارات، قد عرّض الجيش للتأثير الأجنبي كما لم يحدث من قبل.

ويقول "باكير": "بسبب اعتماده على دول الخليج لدعمه اقتصاديًا في أعقاب الانقلاب، قوض السيسي التأثير الحقيقي للجيش المصري من خلال تعريض المؤسسة العسكرية للنفوذ الخارجي الذي تمارسه الإمارات".

وفي مقابل الأموال التي تقدمها، حاولت الإمارات تجنيد الجيش المصري للقتال في حروبها في اليمن ومؤخرا في ليبيا.

وفيما يبدو، فإن هناك تناقضا واضحا بين حاجة "السيسي" إلى الشرعية الدولية، ورغبته في الحفاظ على تماسك الجيش المصري، وأصبحت الموازنة بين الأمرين عملية صعبة للغاية.

يقول "رشدي": "كان على السيسي أن يرد الجميل للقوى التي تدعمه، لقد منح السعودية الجزيرتين الاستراتيجيتين تيران وصنافير، اللتين تسيطران على مدخل خليج العقبة في البحر الأحمر، وعلى الرغم من ادعائه أن هذه الأراضي تنتمي إلى السعودية، فإنه فشل في إثبات ذلك".

وأردف: "بالإضافة إلى ذلك، تخلى السيسي عن حقول الغاز المصرية بما في ذلك حقل غاز ليفياثان في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، والذي تسيطر عليه (إسرائيل) الآن".

أدت العديد من هذه الاتفاقيات إلى تراجع شعبية "السيسي"، وكما يقول "سامي حمدي"، محلل شؤون الشرق الأوسط من لندن، فإن "الجيش كان دائمًا على استعداد للتضحية بأحد أفراده إذا أراد الحفاظ على المؤسسة الأوسع".

وأضاف: "الجيش لا يزال هو الفائز. كانت سياسة الجيش دائمًا أنه عندما يزداد الضغط على المؤسسة، فإنهم يضحون بالوجه الذي يعرفه الجمهور ويستبدلونه بآخر، ما يخلق إحساسًا بالانفصال بين القيادة السياسية والجيش، وهو انفصال غير موجود في الحقيقة".

يدرك "السيسي" تمامًا إمكانية حدوث ذلك، ويفسر هذا الطريقة التي سحق بها بانتظام أي علامة على معارضته داخل الجيش.

القضاء على البدائل

في أعقاب انتفاضة عام 2011، التي أطاحت بالرئيس الأسبق "مبارك"، ظهرت مجموعة كبيرة من البدائل السياسية التي جذبت قطاعات مختلفة من المجتمع المصري.

ونتيجة لذلك، فإن "السيسي" لم يتورع عن ملاحقة أي شخص قد يهدد قبضته على مصر، ليفرض نفسه كبديل أوحد في بيئة سياسية قاتمة.

ويقول "حمدي": "في حين أن الكثيرين يأسفون للوضع الاقتصادي الحالي والقمع السياسي، فإن هناك تصورا بأنه لا يوجد بديل موثوق به".

وأوضح قائلًا: "لم يعد الإخوان المسلمون يتمتعون بالدعم الذي كانوا يتمتعون به ذات مرة، وهم يظهرون الآن كقوة محروقة حتى في نظر المتعاطفين داخل مصر، كما أن الليبراليين قد تشوهت سمعتهم بعد دعمهم لانقلاب السيسي".

تعتمد قبضة "السيسي" على السلطة على مزيج غير مستقر من الخوف من أن البلاد مهددة من الخارج، مع الاستقطاب الداخلي؛ وطبول القومية المفرطة التي تبالغ في تمجيد فضائل الأمة المصرية.

ويضيف "حمدي": "بالنسبة لشعب اعتاد على القيادة تاريخيا؛ فإن الشعور بالتفوق القومي أثبت أنه فعال في الحفاظ على الدعم الكافي للجيش للبقاء في السلطة لعقود".

مخاطرة

لكن اضطلاع الجيش بمهام السلطة بشكل مباشر لا يأتي دون مخاطر طويلة الأجل، خاصة مع تزايد إخفاقات "السيسي".

وفي حين تهدف مشاهد الجنود النظاميين الذين يبيعون الخيار المدعم وزيت الطهي في الطرقات إلى إظهار مساندة الجيش لشعبه، فإن الرسائل الأوضح التي ترسلها هي مدى انشغال الجيش بمشروعاته التجارية.

وقال "أيمن نور"، وهو سياسي مصري مقيم في إسطنبول: "نحن نواجه مؤسسة عسكرية ذات بعد سياسي واضح، بدأت في الحكم بشكل مباشر بعد انقلاب 2013 ومنذ ذلك اليوم وعلى مدى السنوات السبع الماضية، نما نفوذها السياسي والاقتصادي بشكل غير مسبوق".

وأضاف "نور": "الجيش هو إحدى المؤسسات التي ينظر إليها الشعب المصري باحترام منذ فترة طويلة".

ولكن مع توغل الجيش بشكل متزايد في المجتمع، فقد يأتي الوقت الذي يُلام فيه على المشاكل المتزايدة في بلد مضطرب.

وأضاف "نور": "خلال المرحلة القادمة، أتوقع تراجع الدور السياسي للجيش. لقد كانت هذه التجربة مؤلمة وسلبية وفي النهاية أضرت بصورة الجيش".

وبالطبع من الممكن توقع أن يؤثر ذلك في النهاية على قبضة "السيسي" المرتعشة على مصر.

المصدر | تي آر تي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد