الاثنين 13 يوليو 2020 11:02 ص

من المرجح أن يظل شكل النظام السياسي والاقتصادي العالمي في وضع السيولة في خضم محاولة العالم لأن يتكيف مع واقع الفيروس التاجي الجديد.

وأحد الأسئلة الجيوسياسية المثيرة للاهتمام هو كيف سيؤثر هذا على توسع نفوذ الصين عبر أوراسيا من خلال مشاريع "مبادرة الحزام والطريق".

تكامل المشاريع الكبرى

حققت الصين مكاسب مثيرة للإعجاب في دول الخليج العربي منذ طرح "مبادرة الحزام والطريق" في عام 2013، حيث استندت إلى علاقاتها التجارية الإقليمية الهائلة لتصبح طرفًا رئيسيًا في الاستثمار والتعاقد في مشاريع البنية التحتية الخليجية.

وكانت الطبيعة التكميلية المتبادلة بين "مبادرة الحزام والطريق" وبرامج تطوير مشاريع "الرؤية" الخليجية قد رسخت ركيزة أخرى للتعاون الصيني الخليجي.

كانت اقتصادات الخليج ضعيفة بالفعل قبل الوباء، ووضعها الحالي يفرض تساؤلًا عما إذا كان سيعيق الكثير من هذه المشاريع ويبطئ توسع العلاقات الصينية الخليجية.

وفي الوقت ذاته، فإن "مبادرة الحزام والطريق" أكثر من مجرد مشاريع بنية تحتية رائعة.

فبينما تهيمن الصفقات التي تبلغ قيمتها مليار دولار على العناوين الرئيسية، تم تصميم مبادرة "الحزام والطريق" لتقوم على 5 أولويات للتعاون: تنسيق السياسات، وتطوير البنية التحتية، والتجارة، والتكامل المالي، والعلاقات بين الأفراد.

من الواضح أن هذه الركائز ليست على قدم المساواة ولم تتقدم فيها جميع الدول الشريكة بنفس المستوى، لكن بكين تعتبر كل منها سمات مهمة لمبادرة "الحزام والطريق".

ولهذا، قد تفيد هذه الركائز في توقع أنواع التعاون الممكن بين الصين ودول الخليج على المدى القريب.

شراكات استراتيجية رفيعة

أهم أولوية في التعاون هي تنسيق السياسات، وقد حلت في المقدمة في السنوات الأخيرة، حيث تمثلت السمة الرئيسية للدبلوماسية الصينية في اتفاقيات الشراكات الاستراتيجية، كبديل للتحالفات.

يقوم هذا الأسلوب على هيكل هرمي للعلاقات، وتلك الدول تحقق أعلى مستوى في الهيكل، حيث تقيم شراكات استراتيجية شاملة، تتضمن أكثر العلاقات الاقتصادية والسياسية تطوراً مع بكين، يُنظر إليها على أنها تلبي مجموعة واسعة من المصالح الصينية على المستوى الإقليمي والدولي.

تمتلك السعودية والإمارات وإيران شراكات استراتيجية شاملة مع الصين، ويعين كل منها مسؤولًا كبيرًا لتنسيق العلاقات الثنائية.

ففي عام 2016، أنشأت السعودية والصين "اللجنة المشتركة رفيعة المستوى"، برئاسة مشتركة من ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" ونائب رئيس الوزراء آنذاك "جانغ جو لي"، وقد تقاعد "جانغ" بعد ذلك وحل محله "هان جينغ".

أما على الجانب الإماراتي، فقد تم تعيين "خلدون خليفة المبارك"، الرئيس التنفيذي لشركة "مبادلة"، كأول مبعوث رئاسي خاص للصين في عام 2018، وعينت الصين ممثلًا خاصًا هو "يانغ جيتشي"، وزير الخارجية السابق والعضو الحالي في اللجنة المركزية للمكتب السياسي ومدير مكتب لجنة الشؤون الخارجية.

 ويدير العلاقات بين الصين وإيران وزيرا الخارجية "وانغ يي" و"محمد جواد ظريف".

يشير تنسيق كبار المسؤولين لهذه العلاقات الثنائية إلى الأهمية التي توليها كل حكومة للشراكات، كما إن إنشاء آليات رسمية لإضفاء الطابع المؤسسي على الشراكات هو دليل آخر على نهج منظم لتطوير علاقات مستدامة.

وكما قال ولي عهد أبو ظبي، "محمد بن زايد آل نهيان"، خلال زيارته للصين لعام 2019: "يضع الجانبان ركائز لخريطة طريق المائة عام القادمة."

تجليات التعاون

من الناحية العملية، تجلى تنسيق السياسات هذا في الاستجابات الصينية الخليجية للفيروس التاجي.

ففي المرحلة الأولى من الأزمة، كانت دول الخليج تقدم المساعدة للصين، ومع وصول بكين إلى مستوى يمكن التحكم فيه، بدأ الدعم يتدفق في الاتجاه الآخر.

أرسلت الصين مساعدات مادية مثل الكمامات والمطهرات والقفازات وغيرها من معدات الحماية، كما ساعدت في بناء المستشفيات الميدانية، وقد تشاور الخبراء والمسؤولون الطبيون الصينيون مع نظرائهم في دول الخليج، لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وكذلك كيفية استخدام البيانات الضخمة وتكنولوجيا المعلومات لتتبع انتشار الفيروس.

وفي حين تم تقديم هذا الدعم المادي والتجريبي إلى جميع دول الخليج، فقد ظهرت فائدة اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية الشاملة، حيث يبدو أن الإمارات والسعودية وإيران تتمتع بأعلى مستوى من التعاون مع الصين في معالجة الجائحة .

أما جميع دول الخليج الأخرى فهي في مستوى شراكة استراتيجية أقل مرتبة، باستثناء البحرين، التي لم تقم شراكة بعد.

تعد الإمارات مثالاً مثيرًا للإعجاب، ففي مارس/آذار أعلنت شركة "جروب 42"، وهي شركة ذكاء اصطناعي في أبوظبي، أنها فتحت مختبرًا ضخمًا في "مدينة مصدر" لاكتشاف وتشخيص حالات الإصابة بالفيروس التاجي من خلال شراكة مع شركة BGI""، وهي شركة صينية مقرها شنتشن تعمل في مجال الجينات.

لدى المختبر القدرة على إجراء عشرات الآلاف من الاختبارات يوميًا وهو أكبر مركز اختبار خارج الصين، وبحلول أواخر يونيو/حزيران، كانت الإمارات، التي يبلغ عدد سكانها ما يقرب من 10 مليون نسمة، قد أجرت أكثر من 3 ملايين اختبار.

تجاوز التعاون الإماراتي الصيني في مكافحة الجائحة نطاق الاختبارات، حيث تعاونت شركة "جروب 42" مع شركة الأدوية الصينية "سينوفارم"، لإطلاق المرحلة الثالثة من تجربة سريرية على لقاح الفيروس التاجي.

وبعيدًا عن الوباء، من المرجح أن يكون هناك المزيد من التعاون في مجال السياسات الرقمية، مع احتلال التحول الرقمي أجندة جميع دول الخليج لأنها تعمل من أجل اقتصادات قائمة على المعرفة، وهذا يتماشى أيضًا مع الطموحات الصينية للمنطقة كما هو موضح في "ورقة السياسة العربية الصينية" لعام 2016.

أحد أمثلة التعاون في السياسات، هو مشروع "خط الحرير الرقمي" الصيني، الذي تعتبره الصين بديلًا محتملًا لعالم التكنولوجيا الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، حيث قطع شوطًا طويلًا في دول الخليج.

صحيح أن التعاون مع "هواوي" في بناء شبكات "الجيل الخامس" قد حظي بنصيب الأسد من الاهتمام، لكن الشركات الصينية تشارك بفعالية مع نظيراتها الخليجية وتوقع مذكرات تفاهم عبر مجموعة واسعة من تطبيقات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما في ذلك خدمات الأقمار الصناعية، والأمن الإلكتروني، وإنشاء المحتوى الرقمي والحوسبة السحابية وتنمية الموارد البشرية والتدريب وتطوير شبكة النطاق العريض.

الحفاظ على زخم العلاقة

حتى التعاون بين الشعبين اكتسب زخما، وهذا هو عنصر القوة الناعمة في "مبادرة الحزام والطريق"، بعد أن كان ضعيفًا في دول الخليج، حيث أدى الافتقار إلى التفاعل التاريخي والاجتماعي والثقافي إلى قلة أهل المنطقة الذين لديهم فهم شخصي عميق أو اتصال بالصين.

ولكن، في عام 2019، أعلن كل من "محمد بن سلمان" و"محمد بن زايد"، أثناء زيارة كل منهما لبكين، عن خطط طموحة لتوسيع تعليم اللغة الصينية في المناهج الدراسية للبلدين.

وتوسع البرنامج التجريبي الإماراتي الذي بدأ بعشر مدارس في عام 2017 إلى مئة بحلول العام الدراسي 2019-2020، وسيستمر في التوسع على مدار السنوات الثلاث المقبلة.

وحتى إذا كان هناك تباطؤ في مبادرات البنية التحتية الرئيسية، مثل توسيع الموانئ أو المشاريع العقارية، فما يزال هناك تركيز كافي على أولويات تعاون "مبادرة الحزام والطريق" الأقل شهرة للحفاظ على الزخم في العلاقات الصينية الخليجية.

المصدر | مؤسسة دول الخليج العربي بواشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد