الجمعة 24 يوليو 2020 07:07 م

بينما قام ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" بتهميش المنافسين لتوطيد سلطته في الداخل قبل بضعة أعوام، شعر المسؤول الاستخباراتي السابق "سعد الجبري" أنه قد ينتهي به المطاف في مرمى نيران الأمير، فقرر مغادرة المملكة.

ويحاول "بن سلمان" إعادة "الجبري" منذ ذلك الحين، حيث طلب منه أولا العودة إلى الوطن للحصول على وظيفة جديدة، ثم حاول استعادته عبر تهمة فساد بعث بها إلى الإنتربول ولكن دون جدوى.

وكتب "بن سلمان" إلى المسؤول السابق، في سبتمبر/أيلول 2017: "أنت متورط في العديد من قضايا الفساد الكبيرة التي تم إثباتها. ولا توجد دولة في العالم سترفض تسليمك".

لكن الإنتربول شكك في التزام السعودية بالإجراءات القانونية الواجبة وحقوق الإنسان في معالجة قضايا الفساد في المملكة، واعتبر أن الطلب السعودي له دوافع سياسية، وفقا لوثائق الإنتربول. 

وتسلط الرسائل النصية والوثائق التي راجعتها صحيفة "نيويورك تايمز"، والتي لم يتم الإبلاغ عنها من قبل، ضوءا جديدا على المدى الذي وصل إليه "بن سلمان" في ممارسة السيطرة على السعوديين الذين يخشى أن يعارضوه أو ينافسوه.

وتسارع الصراع خلال العام الجاري. وفي مارس/آذار، احتجزت السعودية 2 من أطفال "الجبري" وشقيقه؛ ما أثار اتهامات للمملكة باحتجاز أقارب مسؤولين سابقين يعيشون في الولايات المتحدة كرهائن لتأمين عودتهم.

والأسبوع الماضي، طغى على وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة في المملكة، مقالا نشر في صحيفة "وول ستريت جورنال" أشار فيه مسؤولون سعوديون مجهولون إلى اتهامات لـ "الجبري" بإهدار مليارات الدولارات من أموال الدولة لإثراء نفسه وأقاربه. ونشرت إحدى الصحف السعودية ملصقا عليه وجه "الجبري" ومكتوب أسفله "مطلوب"، كجزء من جهد واضح لتشويه سمعته في المملكة.

وتأتي هذه الجهود وسط مخاوف بشأن صحة والد ولي العهد، الملك "سلمان"، الذي يمكن لوفاته أن تجعل الأمير الشاب مسؤولا عن المملكة لعقود.

وأفادت وسائل الإعلام السعودية، الخميس، أن الملك البالغ من العمر 84 عاما دخل المستشفى وخضع لعملية جراحية ناجحة في المرارة.

ومنذ أن أصبح والده ملكا في عام 2015، تولى "بن سلمان"، البالغ 34 عاما، مسؤولية السياسات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، بينما استهدف المعارضين بحظر السفر والاعتقال والدعاوى القضائية.

ولفتت هذه الأساليب الاستبدادية الانتباه العالمي عندما قتل عملاء سعوديون الكاتب السعودي "جمال خاشقجي" داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018؛ ما أدى إلى إدانة واسعة النطاق.

ولفتت التحركات السعودية ضد "الجبري" الانتباه في واشنطن، حيث اعتبره العديد من المسؤولين شريكا استخباراتيا قيما.

وفي رسالة إلى "ترامب" هذا الشهر، أشار 4 من أعضاء مجلس الشيوخ إلى "الجبري" بأنه "حليف مقرب وصديق للولايات المتحدة"، وقالوا إن الولايات المتحدة عليها التزام أخلاقي بفعل ما في وسعها للمساعدة في ضمان حرية أطفاله.

ولم يستجب المسؤولون في السفارة السعودية في واشنطن لطلبات التعليق على الرسائل النصية بين "بن سلمان" و"الجبري" أو طلب الإنتربول السعودي أو مزاعم الفساد ضده في المملكة.

وراجعت "نيويورك تايمز" عشرات الرسائل النصية بين الرجلين، قدمتها شركة محاماة تعمل مع "الجبري"، وهي "نورتون روز فولبرايت كندا"، ووثائق الإنتربول لإبلاغ "الجبري" بقراره بشأن الطلب السعودي ضده.

وارتبطت قضية "الجبري" بعلاقته بمنافس "بن سلمان" الأول على العرش السعودي، الأمير "محمد بن نايف"، الذي ترأس وزارة الداخلية وأصبح وليا للعهد في عام 2015.

وأصبح "الجبري"، وهو لغوي حائز على دكتوراه في الذكاء الاصطناعي، أحد كبار المسؤولين في الوزارة المعنية بمكافحة الإرهاب، ما يجعله على اتصال منتظم بالدبلوماسيين الأمريكيين ومسؤولين من وكالة الاستخبارات المركزية. وقد أشاد كثيرون باحترافيته.

وقال "دوجلاس لندن"، الضابط السابق في الخدمة السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية والباحث غير المقيم في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إن "الجبري رجل ذكي حقا، ولديه معرفة موسوعية. لقد كان دائما عند مستوى كلمته، لم يبالغ في عهد أو يتخلف عن وعد".

وتهاوى نجم "الجبري" بالتزامن مع صعود نجم "بن سلمان". وتم فصله بموجب مرسوم ملكي في عام 2015.

وفي عام 2017، بدأ "الجبري" يشعر بالخوف من نية "بن سلمان" استبدال "بن نايف" وليا للعهد واستهداف حلفائه المحليين، لذلك غادر "الجبري" المملكة، واستقر في تركيا.

رسائل مع بن سلمان

وفي 18 يونيو/حزيران من ذلك العام، أرسل "بن سلمان" رسالة نصية إلى "الجبري" يطلب منه فيها العودة للمساعدة في حل مشكلة غير محددة مع "بن نايف"، وفقا للنسخ المترجمة من النصوص التي قدمها مكتب المحاماة الموكل من "الجبري".

وكتب "بن سلمان": "أريد أن أشرح لك ما حدث مؤخرا، والتوصل إلى اتفاق معك بشأن استراتيجية لحل كل هذه الصعوبات".

ورد "الجابري": "سمعا وطاعة".

وقال "بن سلمان" إنه يريد أن يجتمع الرجال الثلاثة حتى "يتصالحوا ويمكن أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه".

وفي 20 يونيو/حزيران، قال "الجبري" إنه لا يستطيع العودة إلى السعودية على الفور بسبب العلاج الطبي. ورد "بن سلمان" إنه يستدعيه فقط لأنه "بحاجة ماسة لمساعدته".

ولكن في اليوم التالي، أطاح "بن سلمان" بـ "بن نايف" ليحل محله. وتم وضع الأخير قيد الإقامة الجبرية، وتم منع 2 من أطفال "الجبري"، وهما "سارة"، التي كانت في ذلك الوقت تبلغ 17 عاما، و"عمر"، البالغ من العمر 18 عاما، من مغادرة السعودية.

وكتب "الجبري"رسالة يتعهد فيها بالولاء لـ "بن سلمان" وليا للعهد، وشجعه "بن سلمان" على العودة إلى وظيفة جديدة مهمة.

ورد "بن سلمان": "عندما تعود بأمان، سأشرح لك خلفية المشكلة. ما زلت بحاجة إليك للتعامل مع أي شخص يحاول خلق الفوضى والصراع".

وطلب "الجبري" من "بن سلمان" رفع الحظر المفروض على سفر أبنائه. ولم يستجب "بن سلمان".

وبعد ذلك بـ 3 أشهر، طلب "الجبري" من "بن سلمان" مرة أخرى رفع حظر السفر على أبنائه "للسماح لهم بالمغادرة حتى يتمكنوا من إنهاء دراستهم".

ورد "بن سلمان": "عندما أراك، سأشرح لك الخلفية".

وبعد بضعة أيام، طلب "بن سلمان" من "الجابري" العودة إلى المملكة في اليوم التالي، في مقابل رفع حظر السفر عن أبنائه.

وكتب "بن سلمان": "أريد حل مشكلة ابنك وابنتك، لكن هذا ملف حساس للغاية هنا، يتعلق بمحمد بن نايف. أريد رأيك في ذلك بالإضافة إلى معلومات منك بشأنه. وأريد أيضا أن أتوصل إلى تفاهم معك بشأن وضعك المستقبلي وما يجب أن تكون عليه الأمور".

وبعد فترة وجيزة، أرسل "بن سلمان" رسالة نصية أخرى، مهددا هذه المرة باعتقال "الجابري" في الخارج.

ومع زيادة الخطر في ذلك الوقت، انتقل "الجبري" من تركيا إلى كندا، وفقا لابنه "خالد الجابري"، طبيب القلب المقيم أيضا في كندا.

وفي محاولة لإجباره على العودة إلى الوطن، قدمت السلطات السعودية إخطارا إلى الإنتربول للمساعدة في تسليم "الجبري"، وفقا لوثائق "الإنتربول".

لكن بدلا من تقديم إشعار أحمر، والذي يعمل كمذكرة توقيف دولية، قدم السعوديون منشورا، وهي طريقة أقل رسمية لأعضاء الإنتربول لطلب المساعدة من دول أخرى.

وأكد "الجبري" أن اسمه كان على قوائم الإنتربول في ديسمبر/كانون الأول 2017، عندما مُنعت زوجته وأقاربه الآخرون من السفر من تركيا إلى كندا.

ومع ذلك، تمكنت الأسرة من الوصول إلى كندا عبر الولايات المتحدة، وطعنت في إدراج اسم "الجبري" في نظام الإنتربول. وانتصروا في هذا الملف في يوليو/تموز 2018، وفقا لوثيقة الإنتربول حول القرار.

ولم يُذكر بالتفصيل الاتهامات التي وجهتها السعودية ضد "الجبري" أو أي دليل قدمته المملكة.

ولكن برفضه الطلب السعودي، انتقد الإنتربول تعامل المملكة السابق مع قضايا الفساد بسبب "عدم اتباع الإجراءات القانونية الواجبة وضمانات حقوق الإنسان".

وأشارت اللجنة التي بتت في الطلب إلى حملة "بن سلمان" في 2017، عندما تم حبس مئات من أغنى رجال الأعمال وأبرز المسؤولين في المملكة في فندق "ريتز كارلتون".

ضغوط على عائلته

وقال مسعفون وبعض المعتقلين إن العديد منهم تعرضوا للاعتداء، ومات شخص واحد على الأقل بسبب سوء المعاملة.

وكتبت لجنة الإنتربول أن لجنة مكافحة الفساد التي أشرفت على هذا القمع كانت "جزءا من استراتيجية سياسية من قبل بن سلمان لاستهداف أي منافس أو معارضة سياسية محتملة".

وسرعان ما وجدت المملكة طرقا أخرى للضغط على "الجبري".

وفي مارس/آذار، قُبض على طفليه الراشدين من منزلهما بالرياض. وفي مايو/أيار، قُبض على شقيق "الجبري"، وقال الأخير إنه لم يستطع أحد الاتصال بأبنائه أو شقيقه منذ ذلك الحين.

وكتب السيناتور "باتريك ليهي" على "تويتر" هذا الشهر، في رسالة منه و3 أعضاء آخرين، إلى "ترامب": "تحتجز العائلة المالكة السعودية سارة وعمر الجابري كرهائن. إن استخدام الحكومة لهذه الأساليب أمر بغيض. ويجب الإفراج عنهم على الفور".

المصدر | بن هوبارد/نيويورك تايمز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد