الأحد 2 أغسطس 2020 07:12 م

قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران، "بريان هوك"، متحدثا في قطر بعد اجتماع مع وزير الخارجية: "لقد استمر النزاع لفترة طويلة للغاية، وأضر في نهاية المطاف بمصالحنا الإقليمية المشتركة في الاستقرار والازدهار والأمن. وبوضع حد لهذا النزاع، يمكننا دفع المصالح الجماعية لجميع الأطراف إلى الأمام".

وكان "هوك" يشير إلى المواجهة بين قطر وتحالف من الدول العربية بقيادة السعودية والإمارات، والتي تدخل الآن عامها الرابع.

ومنذ فترة طويلة من الوقت، كانت الولايات المتحدة، إلى جانب الكويت، تحاولان التوسط لحل النزاع. ولكن، كما هو الحال مع معظم جهود إدارة "ترامب" في الدبلوماسية، باءت المحاولات بالفشل.

وفي عام 2017، قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر العلاقات مع قطر، وفرضت حصارا بريا وبحريا وجويا إلى الإمارة.

ومن المفارقات أن ذلك يعني أن الأمريكيين الذين يسافرون إلى قطر اضطروا في كثير من الأحيان إلى عبور المجال الجوي الإيراني للوصول إلى هناك.

وتستفيد إيران من الرحلات الجوية التي تضطر إلى استخدام مجالها الجوي، ويقدر أحد التقارير أنها تتلقى نحو 133 مليون دولار سنويا كرسوم نظير تحليق الطائرات القطرية في أجوائها.

ولا يتماشى هذا بشكل جيد مع سياسة "أقصى ضغط" التي تطبقها إدارة "ترامب".

ولكن ما لم يذكره "هوك" هو أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية كبيرة عن هذه المواجهة. فهي نتيجة مباشرة لجهل "دونالد ترامب" الكامل بسياسات الخليج العربي، ورفضه أخذ وظيفته على محمل الجد وقبول الإحاطات والمشورة من الخبراء، والسهولة التي يمكن إقناعه بها بأي شيء تقريبا عبر لمسة من الإطراء.

وفي عام 2017، جعل "ترامب" السعودية وجهته الأجنبية الأولى كرئيس، حتى قبل (إسرائيل)، أو كندا كما هو الحال تقليديا.

ولم تستقبله العائلة المالكة السعودية كملك فحسب، بل سوقت له حكايات الخيانة القطرية. وأخبروه قصصا مزيفة عن دعم قطر "الإرهاب"، وهو اتهام رد عليه الرئيس الجمهوري للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ "بوب كوركر" بقوله: "إن دعم السعودية الإرهاب يفوق سلوك أي دولة أخرى في هذا الصدد".

وأعطى "ترامب" السعوديين الضوء الأخضر لمواجهة قطر، وكان الحصار هو النتيجة المباشرة لهذا الدعم.

وبعد الحصار بفترة قليلة، غيّر "ترامب" نظرته تجاه قطر، وأصبح مقتنعا من قبل موظفيه أن السماح للسعوديين والإماراتيين بعزل جارتهم الثرية ليس في مصلحة الولايات المتحدة. لكن التراجع عن هذه الخطوة الحمقاء كان أصعب قليلا من البدء بها.

مصالح متباينة

وفشلت أعوام من الدبلوماسية في تحقيق نتائج تذكر في هذه الأزمة. ويرجح ذلك بالأساس إلى تعنت السعودية ودول الحصار تجاه الدوحة، ورغبتهم في حرمانها من معظم أدوات التنافس مع المملكة. وفي المقابل، كان لدى الإمارة ما يكفي من الموارد لتحمل تبعات الحصار لفترة طويلة.

وفي نهاية المطاف، أدركت إدارة "ترامب" ما كان واضحا لدول الخليج، وقبلت أنه سيتعين عليها محاولة فك الحصار قطعة قطعة.

وركزت الولايات المتحدة والكويت على تخفيف الحصار الجوي، وفي حين أن ذلك لم ينجح حتى الآن، فقد تم تحقيق تقدم محدود، مما يدل على وجود بعض الأمل في هذا الطريق.

وتطالب دول الحصار الدوحة بـ 13 مطلبا، يمكن اختصارها في ثلاث نقاط رئيسية هي قطع علاقاتها مع إيران، والتوقف عن دعم الإخوان المسلمين وسائر الجماعات الإسلامية، وإغلاق منافذها الإعلامية خاصة قناة الجزيرة.

وفي حين أن قطر لا تملك القوة الإقليمية التي تتمتع بها السعودية، فإن تأثيرها يأتي من استخدام ثروتها الهائلة بهذه الطرق.

وحتى إذا وضعنا جانبا ازدراء إدارة "ترامب" للدبلوماسية، فإن الظروف هنا تجعل الاتفاق صعبا. فلا مجال لتحقيق قطر المطالب السعودية.

وقد يكون السعوديون مستعدين للعودة إلى الوضع السابق، ولكن القيام بذلك يعني الاعتراف المهين بأن محاولتهم لتأديب قطر كانت فاشلة تماما.

السياسات الفاشلة لـ "ترامب"

ويثير إدراك "هوك" المفاجئ بأن للولايات المتحدة مصلحة قوية في إنهاء الجمود في الخليج بعض الأسئلة الصعبة لأولئك الذين يدافعون عن نهج أمريكي أكثر اعتدالا وسلمية في الخليج.

وكان خطأ "ترامب" عام 2017 بمثابة "هدف عكسي في مرماه"، فتح الباب بلا داعٍ أمام خلاف دبلوماسي أضر بمصالح الولايات المتحدة.

ولطالما كانت قطر شوكة في خصر السعودية، حيث وسعت حدود دبلوماسيتها، وسمحت للجزيرة وغيرها من المصادر الإخبارية بانتقاد السعوديين والمنافسين الآخرين بقسوة.

لكن الإدارات الأمريكية السابقة عملت على الحفاظ على الاستقرار في الخليج، لذلك كان يمكن للدول المختلفة أن تعمل معا في إطار مبادرات وسياسات الولايات المتحدة الإقليمية.

لكن "ترامب" سمح بعزل قطر، التي تضم أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، من قبل الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة. ووضع ذلك عقبة في طريق اتخاذ موقف أكثر تشددا ضد إيران، والذي كان يأمل السعوديون أن ينتهي بضغط كافٍ يفتح الباب أمام تغيير النظام في الجمهورية الإسلامية.

وفي الواقع، هذا هو بالضبط سبب رغبة "هوك" في حل هذه المشكلة، لتوحيد دول الخليج العربية ضد إيران.

ولكن حتى الصفقة المحدودة التي تمكنت الولايات المتحدة من التوسط فيها بين السعوديين وقطر في وقت سابق تم تعليقها عندما تدخلت الإمارات وطلبت من السعوديين تأجيل الاتفاق.

ويفتح هذا السؤال حول ما إذا كان حل هذا الجمود سيكون ممكنا في النهاية.

ويريد "ترامب" توسيع استراتيجيته القصوى للضغط على إيران، بالإضافة إلى أنه بحاجة ماسة إلى تحقيق أي انتصار، في ظل تراجعه في استطلاعات الرأي بسبب تعثره في معالجة أزمة فيروس كورونا ومواجهة الاحتجاجات المناهضة للعنصرية.

ويمكن لقطر أيضا أن تلعب دورا حيويا، مع دول معتدلة مماثلة مثل عمان والكويت، في فتح حوار بين دول الخليج العربية وإيران.

وفي الواقع، كان هذا هو الأمل الذي يمثله الاتفاق النووي الإيراني، الذي أصبح يبدو وكأنه ذكرى بعيدة. وفي رؤية الرئيس "باراك أوباما" الأكثر إيجابية لتأثير الصفقة، كان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى عودة إيران إلى "المجتمع الدولي".

وكان بإمكان الدول التي تتمتع بعلاقات مع كل من إيران والسعودية، مثل قطر، أن تلعب دورا رئيسيا في بناء مثل هذا المستقبل، لكن هذا ليس هو الاتجاه الذي يأمل "ترامب" في الذهاب إليه، وليس من الواضح ما هو الاتجاه الذي سيتخذه "بايدن" حال فوزه في الانتخابات.

وقد يكون من الأفضل إذن أن يستمر هذا الجمود لفترة من الوقت لضمان أن قطر ستظل حرة ومستقلة بما يكفي للعب دور الوسيط مع إيران، بدلا من ترسيخ نفوذ قوى الحصار التي ترغب في تقويض استقلاليتها.

المصدر | ميتشيل بليتنك/ريسببونسيبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد