الضم الصهيوني ومملكة الزولو

صفقة ترامب نتنياهو نتاج المأزق الذي واجهه المشروع الصهيوني في بلادنا، وتعثر تطبيقها تعبير عن هذا المأزق.

ما تحققه صفقة ترامب-نتنياهو أبارتهايد صهيوني سافر بعد فشل حل الدولتين، وتعذّر حل الدولة الديمقراطية الواحدة.

لم تترك بنود صفقة القرن شاردة أو واردة ولا خريطة إلا ورسمتها ووضعت عليها كل جسر ونفق وعبارة وطريق يلتفّ حول البانتوستانات الفلسطينية.

مملكة زولو كالتي كانت بجنوب أفريقيا وليسمّها الفلسطينيون: دولة أو إمبرطورية لا تتعدّى نظام المعازل والبانتوستانات المرتبطة بالكيان الصهيوني.

*     *     *

مثلما شاعت كلمة انتفاضة وانتشرت في لغات العالم كلها، كذلك كانت حال كلمة أبارتهايد التي جاءت من اللغة الأفريكانية المستخدمة في جنوب أفريقيا، والتي تعني التنمية المنفصلة، للتمييز بين البيض المستعمرين والسود من أهل البلاد الأصليين في التنمية والسياسات والقوانين التي تطبق عليهم.

وأصبحت هذه الكلمة تعبّر، في جميع اللغات، عن مفهوم الفصل والتمييز العنصري. وضمن هذا السياق، أقامت حكومة جنوب أفريقيا العنصرية ما عُرف بمملكة الزولو، وهي واحدة من قبائل جنوب أفريقيا، ومنحتها ما دعته حكمًا ذاتيًا محدودًا، في إطار نظامها العنصري.

لا تنفصل هذه المقدمة عمّا يجري في الأرض الفلسطينية، وإن كان نظام الأبارتهايد الصهيوني يحتاج إلى تعريفٍ أعم وأشمل، لأنه يتجاوز سياسات التمييز والفصل العنصري، ليتخذ شكل الاستعمار الاستيطاني الكولونيالي الإحلالي الذي لا يستهدف استغلال الفلسطينيين والتمييز ضدهم فحسب، بقدر ما يرمي إلى اقتلاعهم من بلادهم وطردهم، وإحلال اليهود من شتى أنحاء العالم مكانهم.

فالأبارتهايد الصهيوني يمتد ما بين اقتلاع الفلسطينيين وتهجيرهم من أرضهم في عام 1948، ومنعهم من حق العودة إلى بلادهم، إلى الحروب والاحتلال والحصار، وقضم الأراضي، وإقامة المستوطنات في المناطق التي تم احتلالها في عام 1967، إلى مصادرة ممتلكات من تبقى من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة في 1948، وممارسة أشكال التمييز كافة ضدهم.

على اعتبار أنّ الكيان الصهيوني هو دولة اليهود وحدهم؛ ما يجعل من إسرائيل دولة أبارتهايد فريدة من نوعها، ولا تتماثل، إلا جزئيًا، مع أنظمة الأبارتهايد السابقة.

ولا يمكن القضاء عليها بتغيير قانون، أو إنهاء ممارسة، فلن يتم ذلك إلا بتفكيك الكيان الصهيوني كاملًا، ونفي روايته التاريخية التوراتية المؤسسة له، وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، المتمثلة في حقه بالعودة إلى دياره، ودحر الاحتلال، وتأسيس دولته على كامل ترابه الوطني. أما ما دون ذلك، فسيشكّل جهلًا بالمشروع الصهيوني، ويضع الحب في طاحونته.

ينبغي النظر إلى صفقة ترامب – نتنياهو، وخطة ضم مناطق واسعة من الضفة الغربية، ضمن هذا السياق؛ فهي، استنادًا إلى الرواية الصهيونية التوراتية، لم تقنع بالضم الفعلي المتحقق بقوة الاحتلال..

وأرادت تحويله إلى ضم قانوني، لعله يعالج التعثر الذي لاقته خريطة الطريق، والرباعية الدولية، ومفاوضات حل الدولتين، ويزيل المخاوف حول مستقبل الكيان الصهيوني، بمحاولة جعله جزءًا من نسيج المنطقة.

الصفقة هي نتاج المأزق الذي واجهه المشروع الصهيوني في بلادنا، وتعثر تطبيقها تعبير عن هذا المأزق، فبعد ما كان يُظن أن تمريرها سهل ومتاح، ولا ينقصه سوى تطبيق البرنامج الزمني الذي أعلن عنه رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، وسط تصريحاتٍ أميركيةٍ تحيل الموضوع برمته إلى إسرائيل التي عليها وحدها أن تقرّر مدى الضم وتوقيته.

ليتأخر ذلك وسط معارضة فلسطينية وأردنية وأوروبية واسعة، ما لبثت أن امتدت إلى أوساطٍ صهيونيةٍ سياسية وأمنية، وجهات أميركية مؤيدة للكيان الصهيوني، ولتتحوّل إلى نقطة خلاف داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول الشروط الواجب توفرها.

وفي مقدمتها ما دعته بالثمن الواجب دفعه للفلسطينيين قبل البدء بتطبيق الضم القانوني، مع أن بنود الصفقة لم تترك شاردة أو واردة إلا وتحدثت عنها، ولا خريطة إلا ورسمتها، ووضعت عليها كل جسر ونفق وعبارة وطريق يلتفّ حول البانتوستانات الفلسطينية.

سر التحول في أنّ الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية وجدت نفسها على مفترق طرق، فقد عجزت في السابق عن تحقيق قرارات الشرعية الدولية بعودة اللاجئين الفلسطينيين، كما فشلت في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، أو وقف الاستيطان، أو حتى تجميده إلى حين الاتفاق على حل نهائي.

ووجدت نفسها صامتة عن الضم الفعلي الذي يقضم كل يوم مزيدا من الأرض. إلى أن وجدت نفسها (وهذا ينطبق أيضًا على الاتجاهات الصهيونية التي عارضت التسرّع في تنفيذ الضم) أمام حقائق تقول إنّ حل الدولتين قد فشل.

ولم يعد بالإمكان الادّعاء مجددًا بوجود عملية للسلام، وإن البديل لذلك قد يصبح دولة واحدة تمتد من النهر إلى البحر، تضم العرب الفلسطينيين واليهود، وهو حل يرفضه الصهاينة الذين يريدون دولةً يهوديةً نقية خالية من العرب.

وما تحققه صفقة ترامب - نتنياهو هو دولة أبارتهايد صهيونية سافرة، بعد فشل حل الدولتين، وتعذّر حل الدولة الديمقراطية الواحدة. وبذلك لم تنجح الصفقة في حل المشكلة، ولعلها، من حيث لم تقصد، أعادتها من جديد إلى خط البداية.

الجميع في مأزق؛ نتنياهو لم يتمكّن من تنفيذ مواقيت الضم، وثمّة معارضة صهيونية تتزايد، منطلقة من دوافع أمنية وصهيونية، تفضّل الضم الواقعي المتدرّج الذي يحافظ على نقاء الدولة اليهودية، وهي نقطة خلاف داخل الحركة الصهيونية منذ حرب عام 1948.

والإدارة الأميركية التي وضعت أدق تفاصيل الصفقة، تراجعت خطوةً إلى الخلف، فالانتخابات على الأبواب، وثمّة كورونا وأولويات أخرى، وهي تراقب الانقسام في المجتمع اليهودي في إسرائيل، وفي داخل الولايات المتحدة، وقد هالتها ردة الفعل الدولية على صفقتها، فأرادت تجميلها بالحديث عن ثمنٍ يتقاضاه الفلسطينيون.

أما الأوروبيون، وكذلك العرب، فجل همهم ألّا يصل التوتر في المنطقة إلى حد الانفجار، وأن يحافظوا على سيرورة متوهمة لعملية سلام مزعومة.

ولعل هذا يقترب أيضًا من حال السلطة الفلسطينية التي عارضت الصفقة ووقفت ضدها، من دون أن تفقد الأمل في العودة إلى المفاوضات، بل وتدعو إلى ذلك عبر العودة إلى الرباعية الدولية، وكأنها ترفض الاعتراف بفشل مشروعها الذي تدعو إليه منذ أكثر من عقدين.

ولم ينجم عنه سوى تجزئة الشعب والقضية، وتغوّل الاستيطان وتزايد أعداد المستوطنين من 120 ألف مستوطن، قبل اتفاق أوسلو، إلى أكثر من 700 ألف بعده، مصحوبًا باستمرار الاحتلال، وفقدان أبسط مظاهر السيادة التي تمنع حتى الرئيس الفلسطيني من مغادرة رام الله في زيارة قصيرة إلى الخارج، منذ أعلن عن وقف إجراءات التنسيق الأمني.

ثمة طريقان قد تلجأ إليهما الأطراف للخروج من هذا المأزق، فالجانبان، العربي والأوروبي، والسلطة الوطنية الفلسطينية، سيسعون إلى العودة إلى دائرة المفاوضات بشروطها السابقة، بما فيها عودة التنسيق الأمني.

وهم يعلمون أنها لن تصل إلى نتيجة، وأن الأمور ستراوح مكانها، مع استمرار الاستيطان والضم الفعلي، لكنها ستجنّبهم خيار اتخاذ موقف حقيقي من الاحتلال، وإعلان فشل المشروع الذي عملوا عليه أعوامًا عدة.

أما الطريق الثاني، فهو ما تسعى إليه الإدارة الأميركية، وأوساط صهيونية في إسرائيل والولايات المتحدة، وهو العمل على تنفيذ صفقة القرن، من دون وسم إسرائيل بأنها "دولة أبارتهايد"، وذلك عن طريق إقناع الجانب الفلسطيني (أو إرغامه) بإقامة مملكة زولو فلسطينية، مثل التي كانت في جنوب أفريقيا.

وليسمّها الفلسطينيون ما شاؤوا؛ دولة أو حتى إمبرطورية، لكن سقفها لن يتعدّى نظام المعازل والبانتوستانات المرتبطة بالكيان الصهيوني.

ثمّة طريق ثالث بالتأكيد يدرك حجم المأزق الذي وصلت إليه "صفقة القرن" ومسار السلام المزعوم، ويعلم أن الوقت ليس وقت حلول، والجهد يجب أن يتجه باتجاه تراكم النضال بكل الأشكال المتاحة ضد نظام الأبارتهايد الصهيوني.

* معين الطاهر كاتب وباحث، عضو سابق بالمجلس العسكري الأعلى للثورة الفلسطينية والمجلس الثوري لفتح.

المصدر | العربي الجديد