الدين والثورة في محرقة المصطلحات

حصيلة تلك اللعبة الانتحارية فصل رأس الأمة عن جسدها أو تمزيقها لأشلاء منثورة على الجبال والأشجار.

يمارس بعضهم بابتزاز صفيق لعبة الربط الاصطلاحي بين "المتدين" و"المتخلف" أو بين الإسلام السياسي والعنف والإرهاب؟

يتماهى فريق من الناس مع رؤى وأفكار وأحلام صهيونية لأبعد مدى في دمج ودمغ كل مقاومة للاحتلال والانقلاب بالإرهاب!

مثخنون بجراح عدو واحد لا يستطيعون ممارسة حد أدنى من التعايش وهم بملاجئ الشتات فما بالك لو استردّوا عافيتهم وعادت كامل لياقتهم؟

*     *     *

أنت علماني (علمانجي). كاره للدين.. أنت إسلامي (إسلامجي) متطرّف. أنت شيوعي ملحد.. أنت سلفي متحجّر . أنت ليبرالي متفلت.. أنت اشتراكي .. أنت أناركي .. أنت الآخر وأنت العدو اللدود.

أزعم أنه لا أحد ينافس النخب العربية، وبالتبعية الجماهير، في معدلات استهلاكات المصطلحات والتصنيفات، بحيث يبدو العرب وكأنهم يحبسون أنفسهم، في سعادةٍ وراحة بال، داخل محرقة المصطلحات والتصنيفات المتداولة منذ نحو قرن.

وبالتحديد مع تسيد أنماط ثقافة الاحتلالات المتعدّدة التي التهمت المنطقة العربية، وزرعتها تعريفات ونظريات كولونيالية، استقبلتها بعض النخب، من أسف، وكأنها نصوص مقدسة.

الغريب أن الاستعمار رحل، أو هكذا يبدو من الناحية الفيزيقية على الأقل، بينما القوم مستمرّون في الاشتباك والصراع بالأسلحة نفسها التي كانوا يتحاربون بها في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته.

وهي الأسلحة التي وزّعها المستعمر بالتساوي على الإخوة الأعداء، ومكث يستمتع بالفرجة على ديوك المعاصرة، إذ تنقر نسور الأصالة، وهي العروض والفقرات التي لا تزال قائمة، تخرج من صناديق الحواة كلما استبدّت بهم الرغبة في المبارزة.

مدهش أحيانًا، بل في معظم الأحيان، أن بعض من يتبادلون القصف براجمات المصطلحات والتصنيفات لا يدركون معانيها أو تعريفاتها الحقيقية، إذ لا يتوقف أحدٌ عند جوهر الاشتقاق، مكتفيًا بطلائه وحشوه باتهاماتٍ ناسفة، ويفجّره في وجه خصومه، في رقصات تدليس وتحريف مجنونة!

ليصبح العلماني، مثلا، هو الكافر المعدي للأديان، وفق منطق مديري عموم الدين الإسلامي ومنطوقهم في براح "السوشيال ميديا"، ويكون الإسلامي هو الإرهابي المتطرّف المتعصب، وفق رأي ورؤية تجار النضال الحداثي في فضاء الحياة الثقافية.

كلا الطرفين يدلس وهو يعلم أنه مدلس، لكنه يدّعي أنه الحارس الأمين للأمة من أخطار ومؤامرات الطرف الثاني. أحدهما يزعم إنه طين الأرض، وأنه الأصل والفصل، بينما الآخر دخيل وتابع لأعداء الأمة.

كلاهما يلبد في أحراش التاريخ، زاعمًا أنه الممثل الشرعي والوحيد للنضال الوطني والكفاح الأممي. وحين تستدعي وقائع التاريخ لدحض نزعته الاحتكارية الإقصائية، يكون الرد الأسرع والحل الأسهل أن التاريخ كله مزوّر، لأن الحكومات هي التي كتبته.

الأمر ذاته يتجسّد في مقاربات الأحداث المعاصرة، وبعضها لم يمر عليه بضع سنوات، بل ما زال في طور التفاعل. ومع ذلك تجد من يمتلك من الوقاحة ما يحاول أن يقنعك بها بأن ما رأيته بعينيك ولمسته بيديك وعايشته روحًا وجسدًا لم يقع أصلًا، ثم يُملي عليك السردية التي يريد، حتى وإن لم يكن قد عاش تفاصيلها وخبر سيرورتها، ولم يكن طرفًا فيها من الأساس.

على هذا النحو، تدور عمليات اغتصاب التاريخ واغتيال الحقائق وتخليق الأوهام، لتصبح حكاية الربيع العربي بعهدة من لم يعايشه أو يشارك فيه من قريب أو من بعيد، لكنه لا يتورّع عن اختطافه أيديولوجيًا وطلائه فكريًا، ثم إعادة طرحه منتجًا روائيًا مختلفًا تمامًا عن أصله، في تنوّعه وثرائه، ليكون ربيعه الخاص الذي يعيد توزيع الأدوار فيه، لتكون البطولة للتيار الذي يمثله.

يمارس هؤلاء  على الجماهير ما يمكن تسميته "إرهاب المصطلح" بالإلحاح على استخدامه في سياق واحد لا يتغير، بهدف تثبيت دلالةٍ معينةٍ واحدة له، ويتجلّى هذا الأسلوب أكثر ما يتجلى في استعمال "العلماني" مرادفًا لـ"اللاديني" أو مقابلة اليساري أو الشيوعي بالملحد، أو وضع الفكرة الفلسفية المتغيرة بمواجهة العقيدة الدينية الثابتة، وكأنه لا توجد علمانية أو اشتراكية مؤمنة، ولها جذور في التربة الوطنية..

وأحيانًا يحدث العكس، حيث يمارس بعضهم، بابتزاز صفيق، لعبة الربط الاصطلاحي بين "المتدين" و"المتخلف" أو بين الإسلام السياسي والعنف والإرهاب؟

وهنا يتماهى هذا الفريق من الناس مع الرؤى والأفكار والأحلام الصهيونية إلى أبعد مدى، في دمج ودمغ كل مقاومة للاحتلال والانقلابات بالإرهاب.

الحصيلة النهائية لتلك اللعبة الانتحارية هي فصل رأس الأمة عن جسدها، أو تمزيقها إلى أشلاء منثورة على الجبال والأشجار.

محزنٌ أن المثخنين بالجراح على يد عدو واحد لا يستطيعون ممارسة الحد الأدنى من التعايش والتشارك في الحياة، وهم على هذه الحالة في مشافي وملاجئ الشتات، فما بالك لو استردّوا عافيتهم، وعادوا إلى كامل لياقتهم؟.

* وائل قنديل كاتب صحفي مصري

المصدر | العربي الجديد