الأحد 9 أغسطس 2020 03:59 ص

المستعمرون اليهود وحلول الدولة الواحدة

مقارنةً ببيض جنوب إفريقيا، يتباهى اليهود الإسرائيليون بعلاقات عالمية أقوى بكثير مع شتات يهودي متنفذ.

ثمة ترتيبات ثلاثة مختلفة لـ"حل الدولة الواحدة"، فأي منها، يا ترى، يجهّز حقًّا لمستقبل الشعب الفلسطيني؟

هل يبطل حل الدولة الواحدة امتيازات اليهود العرقية والاستعمارية وينهي آثار الاستعمار في البلاد ليمنح حقوقًا متساوية للجميع؟

أم يكون حل الدولة الواحدة ليس أكثر من حملة علاقات عامة جديدة للتغطية على الإبقاء على نظام التفوق العرقي اليهودي تحت مسمى جديد؟

*     *     *

يبدو أن وتيرة الحديث عن "حل الدولة الواحدة" للوضع الاستعماري في فلسطين وإسرائيل قد تصاعدت في الأسابيع الأخيرة. فقد بدأ بعض المتنفذين من مواقع إقليمية وسياسية مختلفة، ممن دأبوا على تأييد "حل الدولتين" ودعمه، بالتعبير عن دعمهم لحل الدولة الواحدة!

بعدما أدركوا استحالة تحقيق "حل الدولتين". ولكن بما أن ثمة ترتيبات ثلاثة مختلفة لـ"حل الدولة الواحدة"، فأي منها، يا ترى، يجهّز حقًّا لمستقبل الشعب الفلسطيني؟

 

فشل حل الدولتين

كان لفشل "حل الدولتين"، الذي اقترحَته في البداية لجنة بيل البريطانية الاستعمارية في عام 1937 وأضفت عليه الأمم المتحدة صبغة عالمية رسمية بعد عقد من الزمن عبر دعم القوى الإمبريالية الغربية والاتحاد السوفييتي لقرار التقسيم الصادر عام 1947، كبيرُ الأثر على مستقبل المستعمرة الاستيطانية الصهيونية في فلسطين.

فقد كان فشل الحركة الصهيونية في إقناع غالبية اليهود الأوروبيين والأمريكيين بالقدوم إلى فلسطين بين عامي 1897 و1947 (أو حتى منذ ذلك الحين) وفشلها في الاستحواذ على أكثر من 6.5% من الأراضي خلال تلك الفترة، هو ما استلزم ابتكار ترتيبٍ لإقامة مستعمرة استيطانية يهودية في أجزاء من فلسطين على الأقل، نتيجة صعوبة إقامتها على كامل أراضي البلد.

ومنذ عام 1967، تم إنفاق مليارات الدولارات لفرض "حل الدولتين"– من المهم الإشارة هنا بأن الأخير هو "حل" للفشل الصهيوني في استعمار البلد بأكمله بنجاح – على الشعب الفلسطيني.

كان استسلام منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993 بتوقيع اتفاقيات أوسلو، وفقا لمنظمة التحرير، عبارة عن تتويج جهود تحقيق "حل الدولتين" الذي يضفي الشرعية على إسرائيل بينما يمنح جائزة ترضية لمنظمة التحرير الفلسطينية على شكل دويلة مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

بالنسبة إلى الإسرائيليين، الذين كتبوا نصوص اتفاق أوسلو منفردين ودون شريك، لم تكن صفقة أوسلو أكثر من حيلة علاقات عامة لـتسويق "حل الدولتين"، بينما هم يقومون بالتحضير للحل النهائي، ألا وهو "حل الدولة الواحدة".

لا يختلف ما يخطط له الإسرائيليون تحت راية الدولة الواحدة عما حققه المستعمرون البيض الأوروبيون في الأمريكتين وإفريقيا وأوقيانوسيا منذ أواخر القرن الثامن عشر.

أي الهيمنة على سكان المستعمرات الأصليين من خلال سرقة أراضيهم وعبر سلسلة من الترتيبات الأمنية القاسية التي تم إضفاء الشرعية عليها بالتوقيع على سلسلة من المعاهدات معهم.

ويقترن ذلك بحملة علاقات عامة تسوّق مستعمرات التفوق العرقي الأبيض التي أسسها المستعمرون على أنها "ديمقراطيات". عملت هذه الترتيبات بشكل جيد نسبيًا في الولايات المتحدة حتى الستينيات، عندما كان لا بد من تحديثها لتكون أكثر فعالية في تسويق نظام تفوق العرق الأبيض للأمريكيين البيض ولبقية العالم كأفضل شكل من أشكال "الديمقراطية".

وهذا ما حدث، مع بعض الاختلافات، في مستعمرات كندا وأستراليا ونيوزيلندا.

ولكن حل الدولة الواحدة للتفوق العرقي الأبيض الذي حقق نجاحًا جيدًا بسبب فعالية الإبادة الجماعية والعبودية في إرساء السيادة الديموغرافية البيضاء في الأمريكتين وأوقيانوسيا كان أقل نجاحًا في أماكن أخرى، لا سيما في إفريقيا.

فقد فشلت دولة التفوق العرقي الأبيض التي أسسها في عام 1830 المستعمرون الفرنسيون في الجزائر في نهاية المطاف وتم تقويضها في عام 1962، كما كان الفشل مصير دولتي تفوق العرق الأبيض في مستعمرتي كينيا وروديسيا في عامي 1963 و1980 على التوالي.

أما في الجزائر، فقد بلغ عدد المستعمرين البيض قبيل الاستقلال مليونًا مقابل تسعة ملايين جزائريين من السكان الأصليين، بينما في كينيا، بلغ عددهم 23 ألفًا مقابل أكثر من 5 ملايين من الكينيين الأصليين، وفي روديسيا، بلغ عدد البيض حوالي 277 ألف مستعمر مقابل 6 ملايين من سكان زيمبابوي الأصليين.

قامت حركات التحرير في المستعمرات الثلاث المذكورة بإحلال نسخة جديدة من حل الدولة الواحدة بدل نسخة التفوق العرقي الأبيض– أي إقامة دول تتم إزالة آثار الاستعمار العرقي فيها وحيث يصبح المستوطنون البيض مواطنين متساوين مع السكان الأصليين..

(رغم أن الدول الإمبريالية الغربية أصرت على ضمان امتيازات اقتصادية عرقية واستعمارية غير مشروعة للمستوطنين البيض في زيمبابوي لعقدين من الزمن بعد استقلال الأخيرة).

في الحالات الثلاث جميعًا، رفض المستوطنون البيض العيش على قدم المساواة مع السكان الأصليين واختاروا العودة إلى أوروبا أو الرحيل إلى غيرها من المستعمرات الاستيطانية البيضاء، حيث أمكن الحفاظ على امتيازاتهم العرقية والاستعمارية.

كان أطول عمر لحل الدولة الواحدة لتفوق العرق الأبيض في إفريقيا هو حالة جنوب أفريقيا، التي اختار مستوطنوها البيض حل الدولة الواحدة لتفوق العرق الأبيض وقدموا نظام الفصل العنصري "أبارتهايد" الذي أقاموه كحل لـ"إحدى عشر وطن أو دولة"، من خلال إقامة عشرة أوطان/ بانتوستانات متفرقة للسود والاستحواذ الكامل على باقي جنوب إفريقيا كوطن البيض.

وقد كان هذا النموذج للدولة الواحدة مصدر إلهام للإسرائيليين عندما كتبوا نصوص اتفاقيات أوسلو، التي أسسوا بموجبها البانتوستانات الفلسطينية.

لكن هذا الترتيب فشل أيضًا في جنوب إفريقيا وتحول أخيرًا إلى نسخة استعمارية جديدة من حل الدولة الواحدة، قبلته منظمة المؤتمر الوطني الأفريقي في 1994.

أي إقامة دولة بديلة لن يتم فيها إنهاء آثار الاستعمار على الإطلاق، ويتم فيها الحفاظ جزئيًا على نظام التمييز العنصري من خلال الحفاظ على التفوق العرقي الأبيض اقتصاديًا كثمن الإطاحة بالتفوق العرقي الأبيض سياسيًا.

أما الفرق الوحيد بين مستعمرات استيطانية مأسست التفوق العرقي الأبيض في الولايات المتحدة وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وبين جنوب إفريقيا فهو فرق ديموغرافي.

فمن خلال الإبادة الجماعية ونظام العبودية، أسس المستوطنون البيض تفوقهم الديمغرافي في مستعمراتهم الاستيطانية، مما عزز زعمهم بأن حكمهم كان/ ولم يزل حكم الأغلبية الديمقراطي.

لكن عدم اعتماد سياسة الإبادة الجماعية في جنوب إفريقيا أدى إلى تحول حل الدولة الواحدة هناك إلى حل حيث لا يمكن للبيض أن يظلوا سوى حكامًا اقتصاديين، لكن ليس سياسيين، للبلاد، وذلك نتيجة عددهم الذي كان قد بلغ 4.5 مليون شخص مقابل حوالي 36 مليون من السود والملونين والهنود إبان انتهاء نظام الفصل العنصري.

 

معضلة المستوطنين

أما في فلسطين، فقد كانت معضلة المستوطنين اليهود، الذين شكلوا 10% من سكان فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى و30% بعد الحرب العالمية الثانية، هي كيفية تأسيس أغلبية ديمغرافية دون اللجوء للإبادة الجماعية.

وبما أن الإبادة الجماعية لم تكن مستساغة جدًا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، فقد اختار المستوطنون اليهود الطرد الجماعي، وهي خطة كانوا قد وضعوها في وقت مبكر من أواخر عشرينيات القرن العشرين واعتمدوها رسميا بعد منتصف الثلاثينيات.

فبعد استحواذهم على معظم فلسطين أواخر عام 1948، كانوا قد طردوا 90% من السكان الفلسطينيين في المناطق الفلسطينية التي احتلوها ما مكنهم من إقامة مستعمرة استيطانية لتفوق العرق اليهودي على الطراز الأمريكي والكندي والأسترالي.

بعد الغزو الإسرائيلي لبقية فلسطين في عام 1967، تغيرت التركيبة السكانية، مما خلق مجموعة جديدة من المشاكل. فاليوم، قد تجاوز عدد السكان الفلسطينيين الأصليين (7 ملايين: 5.1 مليون في الضفة الغربية وقطاع غزة و1.9 مليون في إسرائيل) عدد اليهود المستعمرين مرة أخرى (6.7 مليون)، دون احتساب ثمانية ملايين فلسطيني يعيشون في الشتات على بعد 150 كلم حول وطنهم المسلوب.

وقد استوجب هذا الوضع الجديد ضرورة تخلي إسرائيل عن نموذج الدولة الواحدة ذات التفوق العرقي اليهودي على الطراز الأميركي، واستبدالها بنموذج الدولة الواحدة لحكم الفصل العنصري في جنوب إفريقيا للبانتوستانات، الملقب في حالة فلسطين بـ"حل الدولتين"، والذي تم إضفاء الطابع الرسمي عليه في معاهدة أوسلو.

ولكن مع الإقرار باستحالة حل الدولتين، بدأ بعض مؤيديه خارج إسرائيل مؤخرًا يضغطون لتحقيق نموذج حل الدولة الواحدة التي أقيمت بعد انتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

وقد أوضح رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز الأسبوع الماضي، الذي اعترفت بلاده بحق إسرائيل في أن تكون مستعمرة– استيطانية يهودية عام 1994– بأنه يمكن للأردن أن ينظر بشكل إيجابي إلى "حل ديمقراطي للدولة الواحدة" شريطة أن يمنح حقوقًا متساوية للشعبين.

في هذه الأثناء، تخلى الصحفي الصهيوني اليهودي الأميركي الليبرالي المتنفذ بيتر باينارت أيضًا في صورة مفاجئة عن دعمه لحل الدولتين المبني على نظام التفوق العرقي اليهودي، وتبنى حل الدولة الواحدة.

بيد أن باينارت يريد أن يطمئن المستعمرين اليهود ومؤيديهم بأن ما يدعو إليه ليس دولة يتم فيها إزالة آثار الاستعمار والامتيازات العرقية وتقوم بمنح حقوق سياسية واقتصادية متساوية للجميع، كالتي أقامتها الجزائر وكينيا وزيمبابوي بعد استقلالها، بل دولة واحدة على غرار جنوب إفريقيا بعد 1994. وقد وضح باينارت ذلك في مقاله الأخير:

"ستكون عملية إقامة دولة ثنائية القومية وديمقراطية في إسرائيل-فلسطين... فوضوية ومعقدة للغاية. إلا أن اليهود سيكونون في وضع جيد للدفاع عن مصالحهم ـ بل ربما حتى في وضع مثاليّ للغاية يجعلهم قادرين على منع أي تحول جذري.

مقارنةً ببيض جنوب إفريقيا، يتباهى اليهود الإسرائيليون بعلاقات عالمية أقوى بكثير مع شتات يهودي متنفذ. وهم يمثلون أيضًا نسبة أكبر بكثير من السكان. عندما انتهى نظام الفصل العنصري، كانت نسبة سكان جنوب إفريقيا من البيض 12%.

أما في إسرائيل وفلسطين فنسبة اليهود 50% من السكان تقريبًا. وحتى إذا انخفضت نسبة اليهود من السكان نتيجة للهجرة، وعودة اللاجئين [الفلسطينيين]، وانخفاض معدل المواليد، فإن تجربة جنوب إفريقيا والولايات المتحدة–حيث عالجت المساواة السياسية بشكل هامشي فقط الفجوة الاقتصادية بين أصحاب الامتيازات العرقية والمظلومين تاريخيا – توحي بأن الامتيازات الاقتصادية اليهودية ستستمر."

يدرك باينارت جيدًا أن المستعمرين اليهود في فلسطين/إسرائيل، شأنهم شأن المستعمرين البيض في كل مكان، سيغادرون البلاد إذا فقدوا الامتيازات اليهودية العرقية وخضعوا لدولة تقوم بإزالة آثار الاستعمار وتمنحهم المساواة في الحقوق مع السكان الأصليين.

وهذا هو السبب في إصراره على أنه "في بلد سيسوده التساوي"، كما هو الحال في جنوب إفريقيا ما بعد الفصل العنصري حيث يواصل البيض الازدهار كحكام اقتصاديين، "لن يكون بإمكان اليهود أن يستمروا في العيش فقط، بل أن يزدهروا. "

لكن رغم ذلك، وتخوفًا من هذا الاحتمال، فقد حصل أكثر من مليون يهودي إسرائيلي على جنسيتين مزدوجتين في العقدين الماضيين، حيث الجنسية الثانية التي أحرزوها هي جنسية أوروبية أو أمريكية.

هذه هي الدول، التي إن قرر اليهود الإسرائيليون العودة إليها، التي ستحافظ على امتيازاتهم العرقية البيضاء (من الجدير بالذكر أن والدا باينارت نفسه كانوا مستوطنين بيض في جنوب إفريقيا انتقلوا فيما بعد إلى مستعمرة استيطانية أخرى عبر المحيط الأطلسي حيث يسود تفوق العرق الأبيض–الولايات المتحدة– حيث ولد باينارت).

يخشى أنصار إسرائيل تبني أي من الحلول الثلاثة للدولة الواحدة، ولكن ليس بنفس القدر. فهم يخشون حل الفصل العنصري للدولة الواحدة لأنه سيُفقد إسرائيل الدعم الدولي ويعرضها للعقوبات.

ويخشون نموذج الحل في الجزائر وكينيا وزيمبابوي أكثر من أي شيء آخر لأنه سيفقد المستعمرين اليهود كل امتيازاتهم الاستعمارية والعرقية عبر جعلهم مواطنين متساوين مع السكان الأصليين.

لذلك فإن دعم بعضهم الآن لنموذج حل الدولة الواحدة التي أقيمت في جنوب إفريقيا بعد انتهاء نظام الأبارتهايد هو الحل الوسط الجديد، حيث يبدو أنه الحل الوحيد من بين الحلول الثلاثة الذي يضمن نظام التفوق العرقي اليهودي وامتيازاته دون تعريض المستوطنين اليهود لعقوبات دولية.

فلا ينخدعنّ أحد، فما لم يبطل حل الدولة الواحدة جميع الامتيازات اليهودية العرقية والاستعمارية وينهي آثار الاستعمار في البلاد كي يمنح حقوقًا متساوية للجميع، لن يكون هذا الحل أكثر من حملة علاقات عامة جديدة للتغطية على الإبقاء على نظام التفوق العرقي اليهودي تحت مسمى جديد.

* د. جوزيف مسعد أستاذ الفكر العربي بجامعة كولومبيا الأميركية.

المصدر | عربي21